الرمز في الخطاب الأدبي رواية إبحار عكس النيل اختياراً

Symbolism in Literature: “diving against the Nile,” by Faiza Alizi —case study

In his analysis of “Nile,” Dr. Dhia Al-Aboudi emphasises the importance of symbolism in the novel and literature in general. He considers the symbolism of artwork in the book cover, and in creating the characters in the novel as well as trees and nature. Such symbols arise through conversations and subtext, and evoke cultural and social dimensions. In this novel, the subject is Sudan and the conflict between the north and the south.

د. ضياء العبودي

المقدمة :

يحتل الرمز أهمية كبيرة في الأدب الروائي ، كونه يساهم في خلق دلالات جديدة تهدف إلى إثراء العمل الروائي ، وإثارة المتعة في نفوس القراء ، من خلال الفضول الذي تخلقه في داخلهم حول دلالته ، وإشارته إلى أفعل الشخصيات والحوارات داخل العمل .

وقد ظهرت الرموز بشكل جلي في رواية “إبحار عكس النيل : للكاتبة العراقية فائزة العزي ، لذا حاولت الإجابة على سؤال مفاده : ما هي الرموز التي تحيل إليها هذه الرواية ؟ فبدأت بتتبع هذه الرموز من لوحة الغلاف والعنوان إلى نهاية متن الرواية  . والسعي إلى إظهار العلامات التي ترتبط برموز تشير إلى الأبعاد الثقافية والاجتماعية في محيط الرواية ـ السودان ولاسيما ما يتعلق بالصراع العنصري بين الشمال والجنوب.

فمن المعروف أن الرمز الفني له محددات جمالية ثلاثة ، وهي:

رمزية العنوان ولوحة الغلاف :

 العنوان :

 أن نرى هذا العنوان في ثلاث حقائق  :

أ ـ النيل في الواقع النهر الوحيد في العالم الذي يجري من الجنوب باتجاه الشمال .

ب ـ الرواية حملت عنواناً مغايراً للواقع الجغرافي .

ج ــ نص الرواية يحمل في طياته ما يخالف العنوان على لسان بطلة الرواية ( كرهت الإبحار عكس النيل )(2) ليعيد القارئ إلى الوضع الأول . وهو ما ترمز إليه الرواية من خلال علاقة الجنوب بالشمال .

إن تركيب العنوان يحتمل ثلاثة أوجه :

1ـ يمثل المبتدأ الوجه الأول لها بتقدير )هذا إبحار عكس النيل ) هو يحمل الإظهار للأحداث والمضامين

2ـ وقد يكون الحذف لفعلي الاختصاص ( أعني ، أخص  إبحار عكس النيل ) لتكون الدلالة تأكيداً على هذا الإبحار ، إي الإبحار من غير عودة أو الإبحار مرغماً من دون التمهل أو التروي .

3ـ  لعل الحذف يرتبط بالضمير المحلق بلفظة (إبحار) ليكون تقدير الكلام ( إبحارنا عكس النيل) تحمل دلالة رحلة عائلة (لوشيّا ) من شمال إلى الجنوب .

لوحة الغلاف :

لوحة الرواية صورة امرأة سودانية تحمل صفات بطلة الرواية هذه المرأة تغمض أجفانها أو تنظر إلى الأسفل ، وقربها مسبحة تقترب من اللون البرتقالي وهذا اللون يحمل من الدلالات الكثيرة والمتنوعة فهو يرمز عادة إلى الفعالية والاندفاع الذاتي والرغبة في خوض المنافسة ، وهو رمز للثورة على الاستبداد والفساد وفق نظرة مستقبلية لإحلال الاستقرار تحت مسمى( الثورة البرتقالية ،  وهذه المسبحة مثلت شخصية ( كرم الله ) حين أهداها للوشيّا على الرغم من مكانتها في قلبه ، فهي ذكرى عزيزة عليه لأنّها أول هدية من والده حين أكمل حفظ القران الكريم (3) ، وهي إشارة إلى تمسك الجنوب بالشمال من دون التخلي عنه ، والصورة مقسومة إلى جانبين ، جانب مظلم تمازج فيه اللون الأسود مع اللون البني الغامق ، ولون فاتح يوحي بالإشراق أو بدء يومٍ جديدٍ .

رموز الشخصيات :

تعد الشخصية ركناً مهما ً من أركان العمل السردي ، وواحدة من عناصره الأساسية . تتجلى عبر أفعالها الإحداث ، وتتضح الأفكار وتتخلق من خلال شبكة علاقاتها حياة خاصة تكوّن مادة هذا العمل ، عند تتبعنا لرموز شخصيات الرواية نجدها قد انقسمت إلى مجموعتين الأولى تمثل شمال السودان المسلم ( كرم الله ، الشيخ محمد الحسن ، سارة ، براء ، فاطمة، هاشم ، أم عثمان) والأخرى تمثل الجنوب المسيحي ( اش ، مبيور ، لوشيّا ، جوانا ، جوزيف ، بيتر ، الجدة ) وقد حملت الروائية هاتين المجموعتين وجهات نظر المجتمع السوداني حول الانفصال والوحدة  ، إلا أن الروائية استطاعت أن تخرق هاتين المجموعتين بزج عناصر مغايرة للفكر الذي تحمله المجموعة الأولى والثانية ، ففي المجموعة الأولى زجت بشخصية ( كرم الله ) وهي شخصية تمثل الطبقة المثقفة في المجتمع الشمالي فهو أستاذ جامعي يختلف عن الآخرين (( كرم الله يختلف كثيرا عن صديقه كان هنالك شيء يشده دائما نحو الجنوب )) (5) وهو يمتلك قلباً ابيض دلالة على نقاء السريرة ، فلم تجد لوشيا اختلافاً بين عمامة كرم الله البيضاء وبين قلبه الأبيض 6) فحين يكون البطل باسم “كرم الله ” ينقلنا إلى أجواء الكرم المطلق الذي يمنحه الله تعالى بمفهومه الواسع ، الكرم المادي والمعنوي ، فقد مثلت هذه الشخصية الإنسانية مفهومها الواسع منطلقة إلى أبعاد كونية فسيحة تشمل المجتمع السوداني بكل أطيافه .

إن شخصية ( كرم الله ) وعلى الرغم من حالة الحب التي يعيشها اتجاه ( لوشيّا ) إلا أنَّه لم يمنعها من الرحيل مع أهلها حين قررت الذهاب إلى مدينة (واو) للمشاركة في الاستفتاء الذي سيجري عن الانفصال ،  كانت تنتظر من ( كرم الله ) أن يتدخل ليمنعها من السفر ، في رمزية للتعقل والتروي في اتخاذ القرار ، وكأنه يترك فسحة للآخر ليقرر ما يشاء ، على الرغم من أن القرار بيده ، كما اعتادت شخصيته في إدارة حواراته مع طلبته في النصوص المؤطرة سابقاً(( “ـ لا تزال أيها الغالي تراوح مكانك تنتظر مني أكثر من خطوة ، لم أغلق الباب بوجهك لكني أخشى أن أفتح البوابة كلها لك وتركتها مواربة وأنت لا تزال هناك تنتظر مني ليس إشارة فحسب بل أكثر من ذلك )) “ـ كيف يمكن لي التخلي عن حياتي وعن كل قوانيني التي وضعتها بنفسي ؟.

ـ ” ما لذي غيّرك ؟”

“ـ لا شيء قادر على تغيير حبي لك ، لكن …..”

ـ” لكن ماذا ؟ . حتى تمنيت أن أكون أنا !”

…. ـ أعرف أنك ترحلين ، وأنا عليّ احترام هذا الخيار “

ـ اشش ، لا تكمل ، أنت حببي الذي أنحني أمامه كالطفل الوديع ، أريد فقط أن أراك كلما اشتقت إليك  ))(9)  إن هذا الصمت وعدم الرغبة في التدخل لاتخاذ قرار في رحيل الحب رحيل المرأة في حقيقته ليس إلا نسقاً مضمراً يمثل موقف الدولة / الشمال من قرار الانفصال للجنوب ، على الرغم من أن القرار بيده كونه يمثل السلطة المركزية ، لكنه لم يمارس فرض السلطة بالقوة أو التحكم بالقرارات ، بل أعطى مجالا واسعا للحرية . وفي إحدى الرسائل التي تركتها لوشيا في الصندوق ، تحمل في طياتها رموزاً للخلاف الذي لا مبرر له سوى أن نخطو بخطوات نحو ما نريد من دون تردد (( تحبني ، كل كلامك ورسائلك إشارات واضحة على هذا الحب ،غير أن حذرك يسبق كل خطواتك نحوي ، بيني وبينك لا حدود لا فواصل لا جدران ، بيني وبينك ليس من عتب ، لكنك في كل خطوة تخطوها نحوي تُنكرني حذراً فتعاود الاعتذار دوماً )) (10)

  هذه الشخصية المثقفة التنويرية ذاتها نجد صنوها في المجموعة الأخرى مجموعة الطرف الجنوبي المسيحي أنها ( لوشيّا ) هذه الشخصية  الجنوبية الانتماء الشمالية الولادة ، فقد هربت عائلتها من الجنوب إلى الشمال، بعد مقتل والدها  المنتمي للحركة الشعبية67 وقد قتله أبناء جلدتها (( الحرب أخذته مني ، لم يكن سبب موته الشماليون بل أبناء جلدتنا ))(11) هذه الشخصية لا تختلف عن شخصية (كرم الله ) فحين نعمد إلى التقابل بينهما نلحظ ( الثقافة ، التسامح ، النظرة بعيدة المدى ، الاستماع إلى الآخر وتقبل وجهة نظره من دون تعصب، نبذ الماضي بمراراته) وكأن الشخصيتين ترمزان إلى الصوت الذي يدعو إلى الوحدة من دون اللجوء إلى القوة والتعصب .

 إن الشعور بالنقص اتجاه الشمال ونظرة الدونية التي تشعر بها الشخصيات الجنوبية نتيجة الازدراء التي تلاقيه بسبب اللون والدين والثقافة هي التي تشجعهم على الانفصال ، إلا أن لوشيّا تعيش تجربتها الخاصة فقد ولدت وتربت في الشمال ولم تعاني هذه النظرة(12) ولاسيما أنها قد حملت في معاني اسمها (( النور ، وسيجلب لنا نور المستقبل كله ))(13).

قد حملت هذه الشخصيات المضامين الاجتماعية والدينية ، فعند هروب أعداد كبيرة من الجنوبيين إلى

رمزية الأشجار:

إن من يتتبع النص يجده زاخراً بألفاظ الطبيعة بالنباتات والأشجار والمياه ، ((والطبيعة كانت منذ القدم نبعاً فياضاً للرموز فقد احتضنت منذ البدء الفعل الإنساني ، تثيره وتنميه وتحاوره بسحرها وجلالها الغامض الطري ، وكانت مبعثاً لحنينه وإحساسه بالجمال ، كانت بعبارة أخرى رمزاً لتشوقه إلى المطلق والسامي والبعيد)) (18).

ولعل أكثر الأشجار التي أشارت إليها الرواية شجرة الأبنوس ، الذي تفوح منه رائحة طيبة ، تذكرها حين تركت لها الرسائل ،(( تلفت في البيت الصغير يحاول أن يسال الجدران أو الأثاث البسيط عن سر رائحة الأبنوس التي تعبق بالمكان )) (19) وهي رائحة لوشيا(( تضعين عطراً جميلاً يا لوشيّا .

– أنا لا أضع عطراً ، لكن أمي كانت تقول : إن رائحتي تذكرها بشجر الأبنوس ، حيث التقت بوالدي )) (20) ـ هذه الرائحة لها عمق زمني حين نقش والدها صورة أمها  على شجرة مانجو وشجرة أبنوسة  وهي تحمل طفلا وتمسك بيديها اثنين ، قال لها إنهم أبناؤه حين يتزوجا (21) فهي رائحة مميزة لعائلتها  (( أطلت اش بثوبها الأزرق وغطاء الرأس الأفريقي مربوط على جبينها ،تتهادى مع نسمات الهواء التي حملت معها عطر أشجار الأبنوس .. عرف مبيور الرائحة)) (22) هذه الرائحة لا تختلف عن رائحة لوشيّا  حين قدمت استقالتها عند السفر رائحة

(( قامتها الممشوقة تفوح منها  الأبنوس ، ترتدي ثوباً أفريقياً لونه أصفر ، مصنوع من الحرير ، عليه نقوش وتطريزات يدوية بالغة الدقة )) (23) .

 كما أن هذه الشجرة تعطي الرائحة الطيبة فضلا عن سهولة تشكيلها وقوتها.

رمزية المكان :

 إن الأمكنة التي تصورها الرواية وإن كانت أمكنة واقعية إلا أنها أمكنة فنية ؛لأن الروائي يقدم لنا صوراً تمتزج فيها الجوانب المادية بالنفسية ، فهو محكم بما يحمل من مشاعر اتجاهه ، فالمكان يرتبط مع الشخصيات في علاقات متعددة كالتنافر أو الانتماء أو الحياد (27)  وقد حاولت الروائية في رسم أمكنتها لتوحي جميعها بالوحدة فاللقاء الأول بين الشخصيتين جاء في جزيرة ( توتي ) التي تقع عند ملتقى النيلين ، التي تعد تمثل منارة لنشر العلم الديني في السودان (( يقع المنزل عند نهاية مزرعة للمناجو والليمون في الجزء الجنوبي حيث يلتقي النيلان الأبيض و الأزرق في عناق حميم عند منطقة مثلثة ، عنفوان هادر وانسياب دافئ ، ليتوحدا في نيل خالد يروي للأجيال حكايا عشقه الدائم للأرض والإنسان ))(28) ومنطقة الفتيحاب (( منطقة مكتظة بالسكان فيها خليط من كل فئات السودانيين ، جنوبا وشمالا ، يعيشون في حال انصهار ، لا تشي بأي نوع من العزلة أو التخندق بسبب اللون أو العرق ))(29) و(( كلما اشتدت الحرب توغل المدنيون شمالا وهم يرون فيه ملاذهم الآمن حتى وإن قياداتهم في حرب معه ))(30) لتوحي بأن هذا الانقسام والاقتتال لا علاقة للشعب فيه (( لم يجد أهل اش صعوبة في التأقلم مع الناس في ذلك الحي برغم اختلاف الديانة والعرق )) .

ويؤدي الوصف دوراً في وصف مدينة واو والوحدة ((واو مدينة تغفو على سرير أخضر تعبق منه رائحة النبتة الطرية لحظة كسرها ، من دون أنينٍ ،  تصرخ بحسنها ، تحتضن مئذنةً بيضاء على ربوة تل فوق المدينة ، وناقوسا بنيا على تلة تحيطها الجنائن من كل صوب ، وأرض تحن دوماً لأقدام مشت عليها برفق تغني تراتيل الأبنوس … تشيع في رحابها صلوات تهفو لها النفوس العطشى للسلام ، ونهر يشق أرضها برضاها ، وهو يحث السير نحو هناك ليصب في النيل الذي يجري نحو الشمال بعكس كل أنهار الدنيا ))(31) فهذا الوصف يحمل من الدلالات المادية والنفسية يشعر بالألفة اتجاه المكان ، فاللون الأخضر وما يحمل من دلالات السلام والمحبة جمع دينياً بين السكان بشكل متساو لا فرق بين الإسلام والمسيحية ، من خلال وصف يوحي بالسكون والهدوء والسلام . فالمكان هنا لا يقصد منه الوصف الصامت بل تفاعله مع الشخصية والحدث .

إضاءة

تجاوزت الروائية السرد التاريخي التقليدي للأحدث ، ولعل الحياة التي عاشتها الروائية متنقلة بين البلدان العربية عامة والسودان خاصة ساعدتها على  ملامسة الحياة بكل تفاصيلها الواقعية ، فعمدت إلى وصف العادات والتقاليد والأحداث التاريخية بشكل دقيق وبأسلوب لغوي يضم في رحابه شعرية وعاطفة واضحة تجعل المتلقي يشارك الشخصيات أفراحها وأحزانها فمنذ العنوان” إبحار عكس النيل ”  عملت الرمزية  على بيان مقاصد الساردة من خلال الإيحاء ، بعيداً عن التصريح، لقد بينت الرواية كيفية تمسك بعض شخصياتها بالوحدة بين شطري السودان على الرغم من الأصوات المتعالية للانفصال، إن رواية ( إبحار عكس النيل )  مفعمة بالصور ، زاخرة بالألوان ، موشية بالحركة والخيال ، عابرة للحدود .

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s