العنصرية المتخفية فينا

The Hidden Racism

Zohra Yabram

The day-to-day experiences —hidden and otherwise — people undergo in their dealings with others.

The writer, here, gives examples throughout history, especially in Algeria, of racism and discrimination since French colonisation.

زهرة يبرم

يرفضُ أيُّ إنسانٍ أن يعترفَ بأنّهُ عنصري في بعضِ تصرفاتِهِ إزاء بعضِ الأفرادِ أو الجماعاتِ في وعيِهِ أو دونَ وعي. والحقيقة أنّهُ يحملُ بذوراً من العنصريةِ داخلهِ تظلُّ كامنةً لتظهرَ كلما صادفت ما يدعو لإظهارِها. ولأنَّ هذه العنصرية تمارسُ على نطاقٍ ضيقٍ وليست حادةً، فإنَّ ممارسَها لا ينتبهُ لها أو لا يعيرُها بالاً، إلاّ أنّها منطقياً تُدْخلُهُ إلى مصافِّ العنصريين.

عنصريٌّ من انزعجَ من كائنٍ غيرِ مألوفٍ لديهِ، واعتقدَ نفسَهُ أفضلَ منهُ، وتكوّنُ لديهِ شعورٌ بالفوقيةِ، أو الدونيةِ، تجاههُ فرفضهُ وتضايقَ منه وضايقه. عنصريٌّ مَنْ فكّرَ أو اعتقدَ أنّ كلَّ مَنْ هو مختلفٌ عنه كثيراً يهدده في سكنهِ وعيشهِ وهدأةِ حياتهِ.

لا تنحصرُ العنصريةُ في أشكالِها المعروفةِ عالمياً، والمرتكزةُ على لونِ البشراتِ والأعراقِ والطوائفِ والأديانِ… والتي تسلطُ على كتلٍ كبيرةٍ من البشرِ. بل تمارسُ أيضاً بأشكالٍ أخرى، ضدَّ فئاتٍ صغيرةٍ أو أفراد. ضدَّ شخصٍ يحملُ ما يميزُهُ عن الآخرين. شخصٌ مسالمٌ لم يفعل شيئاً سيّئاً سوى أنه مختلف عنهم، فيتملكهم شعورٌ وسلوكُ الرّفضِ تجاهَهُ. وهذا نوعٌ من العنصريةِ الصغرى، وإن لم تكنْ لافتةً أو خطرةً على المستوى العام إلا أنّها مؤذيةٌ جداً على الصعيدِ النفسي للأفراد.

العنصريةُ صفةٌ بشعةٌ ومقيتةٌ ناتجةٌ عن تكبرٍّ وفوقيةٍ وغطرسةٍ يمارسُها بعضُ البشَرِ ضدَّ بعض. والتاريخُ قاسٍ لا يتلَطَّف، فقد سجّلَ أهمَ الأحداثِ العنصريةِ عبرَ التاريخِ وعبرَ العالم، وأشهرِها العنصريةِ القاتلةِ المبيدةِ التي مارسَها الغزاة الأوربيون ضدّ الهنودِ الحمر، السكانُ الأصليون لأميركا. كما حفظ التاريخُ معاناةَ الأفارقةِ السودِ الذين سُرقوا من أوطانِهم ورحّلوا عبرَ البحرِ بطريقةٍ مأساويةٍ إلى أميركا، ونضالاتِهم المريرةَ ضدّ العنصريةِ في سبيلِ المساواةِ ونيلِ حقوقٍ تحفظُ آدميتَهم.

والأمثلةُ كثيرةٌ عبرَ التاريخ، منها ما حملَ التسميةَ بوضوحٍ ومنها ما اندرجَ تحتَ تسمياتٍ أخرى، وتبقى العنصريةُ عنصريةً حتى وإن تمَّ إخفاؤها تحت أيٍّ مسمىً آخر.

فرنسا أيامَ وجودِها بالجزائرِ كوت سكانَها بنارِ العنصرية. مارست كلَّ أنواعِ التمييزِ ضدّهم على مستوى التعليمِ والعملِ والنقلِ والصحةِ والسكنِ والإنتخابات، في الأماكنِ والساحات…

قتلت وسجنت ونفت وحرّقت وعذّبت، نهبت وسلبت… ووصلَ الأمرُ سنة 1948م أن كُتِبَ على بوابة إحدى الحدائقِ العامةِ بالعاصمةِ الجزائر: “ممنوعٌ دخولُ الكلابِ والعربِ”. فأيُّ نوعٍ من العنصريةِ المتعنصرةِ هذه؟

نجدُ العنصريةَ في كلِّ مجالاتِ الحياةِ، في السياسةِ والرياضةِ، في العِرقِ والمنطقة، في المدرسةِ والجامعة… فالإنسانُ قد يتنفسُ العنصريةَ تنفساً دونَ أنْ يدري. وهي إمّا أن تكونَ بأقوالٍ وأفعالٍ واضحةٍ، أو تكونَ بمفاهيمٍ خفيةٍ تنعكسُ على تصرفاتِ الفردِ وسلوكياتِه اليومية، وقد لا يدرك أنّ تصرفاتِهِ تلك هي العنصريةُ بعينِها.

في طفولتِها، كانت تعيشُ بدولةٍ عربيةٍ غيرِ بلدِها الجزائر بحكم لجوءِ أجدادِها إليها لظروفٍ قاهرة. ولدت هناك، دخلت مدارسَها وحفظت نشيدَها الوطني وتحييّ علمَها كلَّ صباح. أحبّت ذلك الوطنَ ككلِّ طفلٍ علّموه حبَّ الوطن. كانت تعرفُ أنها جزائرية، لكنها لم تكنْ تدركُ معنى اختلافِها عن زملائِها إلاّ عندما كانت إدارةُ المدرسةِ تحصي الفقراءَ لمنحِهم لمجةً مجانيةً يوميةً وبعضَ الأدواتِ المدرسيةِ والملابس. وكان القيّمُ على هذه الشؤونِ رجلاً أسمراً، ضخمَ الجثة، يمرُّ على الأقسامِ يحملُ سجّلاً، يقف على المسطبةِ الخشبيةِ ويسألُ بصوتٍ غليظٍ فظّ: “شكون جزايري؟” (من منكم جزائري؟).

كان عددُ الجزائريين بقسمِها أقلَ من عددِ أصابعِ اليدِ الواحدة، وكانت تجيلُ ناظريها بالفصلِ قبل أن ترفعَ إصبعَها وكأن جزائريتها جريمةٌ ملتصقةٌ بجلدِها، ولولا خوفُها من اكتشافِ أمرِها لَما أظهرت هويتَها. وما إحصاءُ الجزائريين إلا لحرمانِهم من اللمجةِ وإقصائهم من المساعدات، سواء كانوا أغنياءً أم فقراء. وما أكثرَ الفقراءِ في ذلك الزمان. والإنسانيةُ تستدعي معاملةَ الأطفالِ المعوزين بالعدلِ مهما كانت هويتهم، إنما ذاك وجهٌ بشعٌ من أوجهِ العنصريةِ ضدّ أطفالٍ قدرُهم أن ولدوا ويعيشون على تلك الأرض. ويتكررُ الأمرُ مع بدايةِ كلِّ سنة.

هناك من يعتقدون النقاءَ في أعراقِهم أو أنسابِهم، وهذا الاعتقادُ يعني وجودَ الأقلّ منهم نقاءً والأدنى منهم نسباً، دونَ اعتمادهم في هذا الشأنِ على حقيقةٍ علميةٍ، وقد يكونون واهمين.

وتحضرني قصةٌ غريبةٌ عن أحدِ العنصريين الألمان، كان متعصباً في محاربةِ كلِّ مَن هُمْ مِن عرقٍ غيرِ العرقِ الألماني، وفي برنامجٍ تلفزيوني طلبوا منه تحليلَ ال (آ دي أن)، وبعدَ أسبوعٍ في نفسِ البرنامجِ كانت المفاجأةُ أنّهُ من عرقٍ إفريقي ولا علاقةٌ له بالألمان.

هناك تصرّفٌ عنصريّ آخرٌ بين بنيّ البشرِ يكونُ بقولبةِ الناسِ في قالبٍ واحد، كأن يقال لأحدِهم: “يا بدوي”، أو “يا جبايلي”، أو “يا أبا كذا”، وكثيرٌ من هذه المصطلحات القبيحة، والتنابزُ بصفاتٍ وألقابٍ وأسماءٍ مذمومةٍ مكروهة.

لقد تعوّدنا أن نتجاهلَ عنصريتنا أو نبررَها، ولو حللنا بعضَ تصرفاتِنا ووضعناها تحتَ المجهرِ لتجلّت لنا عنصريتُنا في كلِّ مكانٍ نحنُ فيه ، في الشارعِ، في العملِ أو حتى في البيت. نعم في البيتِ ومع الأبناء، فهناك من لا يعدلون بين أبنائِهم، ويمارسون عنصريتَهم ضدّ بعضِهم:

لها ابنتان. إحداهما بيضاءُ جميلة، والثانيةُ سمراءُ متواضعةُ الجمال. كانت تفضّلُ الأولى على الثانيةِ في كلِّ شيء. بل تلجأُ إلى تعييرِ السمراء بسمرتِها وبشاعتِها، وتقارنها بأختِها الجميلةِ دون أيةِ رحمةٍ أو شفَقة ٍأو أيةِ مشاعرٍ أخرى مما تحتويه قلوبُ الأمهاتِ عادة.

لا تقلْ أنّ هذا تصرفٌ منفصلٌ غيرُ ذي بالٍ لأمٍّ وسطَ أسرتِها، بل هو ضربٌ من ضروبِ العنصريةِ أسالَ دموعَ إنسانةٍ بريئةٍ وأورثها شعوراً مريراً بالنقصِ والحرمان.

هكذا نتجاهلُ عنصريتَنا ونبررُها، ولو واجهنا مِثلَها من غيرِنَا لتأثرنا وأقمنا الدنيا ولم نقعدْها. فتلك هي العنصريةُ المتخفيةُ فينا.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s