تاريخ العنصرية وتعايش الشعوب

From Old-Colonisation to New-Colonisation, Salih Al-Taie explores the behaviour of some people, their ideologies and behaviours towards others.

صالح الطائي

تُعرَّف العنصرية على أنها: السلوكيات والأفكار والمُعتقدات والقناعات التي ترفع قيمة مجموعة أو فئة بشرية على حساب فئة أخرى، بناءً على مواريث تاريخية، أو اعتماداً في بعض الأحيان على لون البشرة، أو الثقافة، أو مكان السكن، أو العادات، أو اللغة، أو المعتقدات أو الطبقية المجتمعية. لكن هذا لا يمثل كل شيء فهو ـ كما يتضح لي ـ يمثل نظرة عامة لأنواع العنصرية المتأخرة، ولا يعطي انطباعاً حقيقياً عن كل أنواعها وأقسامها. فالمعروف أنه نتيجة المنافسة والتقاتل من أجل البقاء واستمرارية العيش، تحتم على الإنسان البدائي أن يتسلح بالعنصرية كملاذٍ وقائي. ولم تقتصر هذه الانحيازية على الزمن الأول فحسب، ففي تتابع الدهور، تتابع تطور العنصرية وأنماطها، ومن هنا نجد أن العنصرية مرت بعدة مراحل، كانت هذه أولها؛ كآلية تضمن له إظهار الولاء لجماعته وتحثهم على التعنصر له في الأزمات، فضلاً عن معرفته بدورها في شد عزيمة الجماعة وتقويتها لتتمكن من الوقوف والصمود بوجه الأعداء الحقيقيين والمحتملين على كثرتهم سواء كانوا من المجاميع البشرية المنافسة الأخرى أو عناصر الطبيعة القاسية أو الوحوش المفترسة الضارية. وقد أسهمت العنصرية في حفظ النوع البشري وتمكينه من الاستمرار، وأنا على يقين أن كثيرا من الكائنات القوية الأخرى ومنها الديناصورات مثلاً التي هي أقوى من الإنسان كثيرا، لو كانت تملك قوة التفكير وتعرف أهمية العنصرية لكانت اتخذتها آلية لتستمر في العيش مثلما استخدمها الإنسان وهو أضعف منها كثيرا.

لقد أدت العنصرية خدمات جليلة لبعض المجاميع البشرية مثلما أدتها للأفراد عبر التاريخ الإنساني المشحون بالصراعات والمنافسة من أجل البقاء، نتيجة الحالة القلقة التي كان عليها العالم يومذاك، لكن مع تغير المفاهيم وتبدل المصطلحات، وتحرر الإنسان من ربقة الموروث البدائي، وتحضره وتمدنه، ومع بدايات نشأة الدول، وسن تلك العقود المبرمة بين الإنسان كفرد من جانب والحكومة التي تقود الدولة من جانب آخر، تلك العقود التي تنازل الإنسان بموجبها عن بعض خصوصياته، وبعضاً من حريته إلى الدولة، مقابل الحماية والأمن والعون الذي تقدمه له، ومشاركته المحيطين به من الأفراد في الخضوع للقانون العام للدلة التي يعيشون فيها، وتخليهم جميعا عن القوانين الشخصية الفردية، لم تعد الكثير من أشكال العنصرية شيئاً مستساغاً مقبولا للجميع، لأنها تعرقل مسيرة الصعود، وسيرورة التكامل المجتمعي.

في هذه المرحلة انحسر مد العنصرية كثيراً ولكنها بقيت فاعلة في الكثير من جغرافيا العالم. إن الأديان نفسها، والصراع الذي نشب بين أتباعها، ومن ثم انقسام الأديان على نفسها إلى مجاميع ومذاهب وفرق وملل ونحل كان من الأسباب التي أطلقت المرحلة الثانية من مراحل العنصرية. إن الأديان والفرق والمذاهب كانت تحتاج إلى أن تذكي بين أتباعها الشعور بضرورة التعنصر للجماعة، لكي يبقون على أهبة الاستعداد للدفاع عنها، او للهجوم على المنافسين الآخرين، وخلال ثلاثة آلاف عام غطتها الرسالات السماوية الأخيرة (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) كان هناك نوعا من الشد والتوجس والخوف من الآخر جعل الأتباع أنفسهم يراهنون على العنصرية على أنها ملاذهم الأخير.

وحتى مرحلة الاستعمار، أقصد السيطرة التي مارستها بعض الدول القوية على الدول والجماعات الأضعف منها، ومن ثم التحكم بمصيرها واستغلال خيراتها لصالحها، بشقيه القديم Old colonialism)) متمثلا بحركة السيطرة الاستيطانية التي قامت بها بعض دول أوروبا القوية منذ بداية القرن السادس عشر وما تلاه، في السيطرة على أجزاء كبيرة من قارات آسيا وافريقيا، والعالم الجديد (الامريكيتين واستراليا) لم تنجح في تثبيت وجودها إلا من خلال إطلاق المرحلة الثالثة من مراحل العنصرية، فالمعروف أن هذا النوع من الاستعمار جاء نتيجة انفتاح أوروبا على العالم الخارجي، وحب المغامرة، والاستكشافات الجغرافية، والبحث عن الثروة والذهب، ومحاوله بعض المغامرين في التخلص من الاضطهاد الطائفي والسياسي في أوروبا، وهذا ما دفع الشعوب المضطهدة إلى التعنصر لبلدانها وثرواتها، مقابل نوع آخر من العنصرية كان موجودا بين صفوف المستعمرين انفسهم لأنهم رأوا فيها دعامة قوية لمشروعهم. معنى هذا أن النظرة إلى العنصرية كسلوك، تختلف تبعا للظروف الآنية، فهناك من ينظر إليها على أنها من دواعم مشروعه التنموي البنائي، تلك المهمة التي لا يمكن التخلي عنها، مثل عنصرية البيض ضد السود في أمريكا؛ التي نظر إليها الأمريكان البيض على انها دفاع عن نقاء العرق ضد الهجنة، بينما نظر إليها السود وجماعات بشرية أخرى على أنها ممارسة مقيتة لا مبرر لها، هذا الشعور الذي ساعد في ترسيخ ثقافته اشتراك الأدب في الإدانة، فهناك في الأقل عدة روايات عالمية شهيرة، أدانت العنصرية ضد السود، كتبها السود أنفسهم، مثل رواية الجذور لأليكس هيلي، ورواية جريسلاند لكريس أبانا، وخطاب طويل جدًا لمرياما با، وأحلام فتاة سمراء لجاكلين ويدسون، وشارع الأخوات السود لشيكا أونجواي، وهجمة في الريح لسيغو سيبمالا، وعذراء إكسلسيور لزاكس مدى.

أمّا الشق الثاني للاستعمار وهو ما يعرف بالاستعمار الجديد (New – colonialism) الذي ظهر بعد قيام الثورة الصناعية في أوروبا خلال الحقبة ما بين الأعوام 1760 و1840 بدافع البحث عن أسواق جديدة لتصريف المنتجات، والحصول على المواد الأولية، واستثمار رؤوس الاموال الفائضة، فقد راهن على ما وفرته المرحلة الثالثة من مراحل العنصرية، ولكنه تسبب بإذكائها ونشرها بين أفراد الشعوب المغلوبة على أمرها كرد فعل معاكس، لتستمر مراحل تطور العنصرية مع مراحل تطور الإنسان.

ثمة فارق كبير تحقق بعد الخراب والدمار الذي خلفته الحروب الكونية ولاسيما الحرب الكونية الثانية التي ما كان لها أن تحرق ربع سكان العالم إلا من خلال تضخيم الأنا القومي المبني على العنصرية القومية. هذا الحدث العظيم بعث قوة جديدة في العنصرية تسببت في ولادة العنصرية القومية بين الشعوب استمرت فاعلة في بعض البلدان حتى أواخر القرن العشرين، بالرغم من نجاح العالم الآخر في تجاوز مرحلة العنصرة نحو الانفتاح والقبول والتعايش ولاسيما بعد أن أسست هيئة الأمم المتحدة؛ التي اهتمت كثيرا بموضوع العنصرية، وعملت على محاربتها من خلال مؤسساتها التي وضعت العقد الدولي لحقوق الإنسان الذي نادى بالمساواة في الحقوق والواجبات والفرص، والتحرر من التمييز، وحفض كرامة وقيمة كل إنسان من حيث العمل والسكن والمرافق والخدمات وغيرها دون النظر إلى عرقه ولونه ومعتقده، وهو العهد الذي عملت به البلدان الأوربية قبل غيرها، ونجحت في ذلك.

إن نجاح الدول الأوربية في تجاوز مرحلة العنصرة الفئوية، وتأكيدها على العنصرة الجمعية أو الإخلاص للكل، ومن ثم إسهام هذه الثقافة الجديدة في خلق مجتمعات تصلح أن تكون أنموذجا للرقي البشري يعني أن للإنسان المثابر القدرة على العيش مع نوع جديد من العنصرة لا يمت بصلة لتلك العنصرية البغيضة التي مارسها الأسلاف، وذلك ليس صعباً إذا ما كانت هناك نوايا حقيقية لبسط أرضية العيش الإنساني المشترك. إن عقل الإنسان مثل الأرض ذات الطبيعة الديناميكية المتحركة، فهو يتحرك ويتبدل باستمرار، ومثلما تغيرت أنماط وجه الطبيعة عبر العصور بفعل البراكين والزلازل والتعرية والتآكل والفياضات وزحف الرمال وتباين درجات الحرارة، تغير عقل الإنسان، فأنتج هذه الحضارة السامية التي تجمعنا اليوم وتفتح الحدود أمام الثقافة الجمعية المشتركة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة.

لكن هناك حقيقة يجب أن لا نغفل عنها، وهي أنه بقدر ما أنجزته العنصرية للإنسان، وما حققته له من المكاسب عبر التاريخ، إلى أن جعلته يضع قدمه بثبات على بداية طريق التمدن والتحضر والرقي، ممكن لها أن تدمر جميع الحضارات القائمة، إذا ما استمر التعامل بها في عصرنا الراهن مثلما تعامل بها الإنسان الأول،

وهذا يعني أن كل بعد عن العنصرية القديمة بأنواعها يعني تقرباً أكثر إلى الحضارة والتقدم والسلام العالمي.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s