حِوار مع لوركا

Dialogue with Lorca

In his Dialogue, Charif Rifai sees the past through the present when an Arab goes back to Granada’s Andalusia. It was then the flower of Arabian civilisation at all levels: architecture, science and literature. There, the visitor virtually meets Lorca who was killed by Franco. Between fallen Andalusia and the defeated Franco, only meaningful words remain beside the architecture: that of Lorca and Alhambra.

When I die

Leave the window open

Lorca

شريف الرفاعي

تقولُ غرناطة للعربي القادمِ متلمساً ذاته التي تضيع : حسناً فعلتمْ حين رحلتمْ، ليست البلادُ لكم، وليسَ التاريخُ لكمْ حتى ولو صبغتموه بما تريدون.

يجيبُ العربي الآتي من بلاد تضيع: حسناً فعلنا حين رحلنا، ليست البلادُ لنا وإن بقينا قروناً، وليس التاريخ مُلكاً لأحد، نحن ماهرون بإضاعةِ ما نملك وما لا نملك. نُحبُ المستحيلَ والقافية، ونحسنُ حياكةَ القبائلِ والعشائرِ والدسائسِ وما تملك الأيمانُ والعيش الرغيد…كان لنا مُلكٌ كما يقولون، و نحن اليوم سُّواحكُمْ. قد نذكرُ هاهنا بعضاً من أنفسنا و لا شئَ يمنعُنا من تلمسِ دِمَشقْ ساعةَ الغروبِ  في أزقتكمْ

  وترهُ الخامسَ في ساحاتٍ أندلسية، يخترعُ زرياب

يضيفهُ الى العودِ، ثم يعزفُ ناقراً بأصابعه  على الأوتار

فتشدو الألحان…

كان في الأندلس ما يكفي من الوقت لشعرِ الغزل ووصفِ الورودْ. أي عربي يكتبُ اليومَ قصيدةً لجدولِ ماء؟

هكذا تستعصي علينا الحياة!

إني ذكرتكِ بالزهراءِ مشتاقا—– والأفقُ طلقٌ  ومرأى الأرضِ قد راقا

وللنسيمِ اعتلالٌ  في أصائلهِ—– كأنهُ   رقَّ    لي   فاعتلَّ    إشفاقا*

تذهبُ الى دار لوركا فلا تجده، تنظرُ إلى فراشهِ ومكتبهِ ولوحاتِ جداره ولا تجده،  ثم يأتيكَ إلى ناصيةِ حارةٍ  غرناطية تخالها دمشق، فتبادره:

– حملتُ في جيبي الخلفي نقودي القليلة وموتي الوفيرْ، وأضفتُ ورقةً وقلماً، قلت لنفسي ربما أكتبُ ما تجدرُ كتابته!

اِبتسمْ. كانَ متألقاً، انيقاً، جميلاً، قال:

-لا تخفْ، وحدُها الرصاصةُ الأولى تؤلمْ، بعد الثقبِ الثاني تنفتحُ أبوابُ الفضاءْ، ولن يبقى منكَ إلا ما كان منكْ. لا الزائدَ ولا الزائفَ فيكْ

 – إذن لن يبقى منا شيئاً، تمتمتُ بِحِزْن

لم يجبْ، نظرَ إلى هضبةٍ  يجثمُ فوقها قصرٌ أحمرٌ، وقال:

  -“لا غالبَ إلا الله” هكذا نقشَ خلفاؤكمْ على جدرانِ القصورْ

نظرتُ حيث أشار، كان القصرُ شديدَ الجمال، يعتلي القمةِ كأنه الأبدْ.  صرخت:

 – لكنهم ذهبوا وطُرِدوا وبكوا “كالنساء مُلكاً لم يحافظوا عليه كالرجال” تركوا اللوعةَ والحقدَ الدفين على من تَبِعَهمْ ومن كان منهم. وأنا منهم. ورثتُ الممالكَ المنهارة والعروشَ الزائلة، أنا مصبوغٌ بأكذوبة التاريخ، لامملكةَ لي، إرثي موتٌ لا   ينضب كشلال حطه السيل من علِّ

: الجو مناسبٌ للشعر، قال لوركا ثم أنشد   –

إذا مُـت

فدعوا الشرفة

مفتوحة

الطفل يأكــــل

البرتقال.

(من شرفتي أراه)

الفلاح يحصد

القمح.

(من شرفتي أسمعه)

إذا مُـت

فدعوا الشرفة

مفتوحة”

 -أكنت تَعلمُ أنكَ ستموتْ؟ سألتُ

 -كنتُ أعلم لماذا قد أموت

  -ها قد حصل! لا أحدَ يعرفُ في أيةِ مقبرةٍ جماعيةٍ دفنكَ قاتلك  وأصبحتَ منزلاً يزورهُ السواحْ،

ارتفع صوت ضحكهِ عالياً، كان الآن يحملُ كأس نبيذ و يستمعُ لجيتارٍ غجري وراقصةٍ تضربُ الأرضَ بقدميها:

– أينَ هو قاتلي اليومْ؟

نظرت حولي فاختفى القتلة، رأيتُ الناس تمشي وأطفالاً بعمرِ الوردِ وقصصَ حبٍ تنتظرُ الولادة. رأيتُ ما ليس لي ورأيت كيف يحرثُ التاريخُ بمحراثهِ الأرضَ فتزهرُ من جديد

قلت:

– لكن شفرةَ المحراث تذبحني، هي اليوم على عنقي، لا أريد أن أموت ليكتبَ التاريخُ فصلاً جديداً من دمي …

لكن لوركا لم يستمع، لوحَ لي من بعيد دونَ وداع، قال إن الشعرَ ينتصرُ دائماً  في نهاية المطاف لأن الشاعر يموت وهو ينادي بالحياة، ليس شهيداً ولا مقتولاً وإنما عاشقاً لها، عاشقاً فقط.

نظرْتُ، كانت الساحةُ مليئةً بالباحثين عن الفرحْ، أو هكذا خيلَ لي، رأيتهُ يتبادلُ الأنخابَ، يراقصُ الزهور ويقفزُ كالفراشاتِ من شرفةِ إلى أخرى. كانت الشرفات كلها مفتوحةً كما كان يحلم، رددتُ:

اذا متنا

فدعوا الشرفات مفتوحةً…

كل الشرفات!

*: من قصيدة للشاعر الأندلسي إبن زيدون

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s