رحيلْ

What is the only thing to take if you have to leave your country?

Ghada Saleem

 غادة م. سليم

إتجهتْ نحوَ بابِ الدارِ ، فقد حانَ وقتُ الرحيلِ وستتركُ كلَّ شيئٍ خلفَها، لا تأخذُ معها سوى ذكرياتِها ..صوتَ طفولتِها ..وهمسَ صِباها وقوةَ شَبابِها

حدَثتْ جلبةٌ وضوضاءٌ في البيتِ.. بدأتْ خافتةً وعلا صوتُها تدريجياً فزحفتْ أزهارُ السوسنِ البنفسجيةِ*1 خارجَ لوحتِها حتى تحولت إلى نهرينِ ملتويينِ يُحيطانِ بقدميها كالسلاسلِ المجدولةِ يحاولان شدّها إلى الأرضِ التي كُورتْ من طينِها وسيفُ الجلادِ يَحِزُ عُنقَها. السيفُ والنهرُ يُطبِقان عليها فأينَ المفرْ

تساقطتْ وذبُلتْ زهورُ أشجارِ اللوزِ كألدموعِ بعدَ أن كانت زهوراً حيةً راقصةً تنبضُ بالحركةِ والحبِّ وبعد أن كانت تسبحُ بربيعِها الأخضرِ ..ذابتْ ببحرٍ من الدمِ.. اشتَّد البريقُ في السماءِ المرصعةِ بالنجومِ في ليلتِها الدهماءِ* 2

انفلتَ العاشقان وأفاقا من قُبلتهما الشهيرة*3 والتفتا إليها باندهاشٍ ليتوَسلا إليها للبقاءِ ويتناثرُ حولهُما القداحُ ليغريها بالمكوثِ يُذكرها بطعمِ القبلةِ الأولى المحمّلةِ بعبقِ البرتقالِ. انسّلتِ الكتبُ من المكتبةِ متعلقةً بها

ها هيَ تتركهُ كركامٍ من رمادٍ وقد انطفأتْ جذوةُ الحياةِ بداخلِها وسكتَ الصوتُ الغريدُ في رأسِها وانحسرَ بحرُ الحبِّ وقهقهاتِ الصغارِ ولمْ تبقَ إلا فكرةٌ واحدةٌ وهيّ متى الرحيلْ…؟ تَمتَمتْ مع نفسِها وداعاً أيُها الوطنْ

صرخَ صوتٌ

-لا تترُكينا على الرفوفِ.. مَن سيزيلُ غبارَ الزمنِ . مَن سيقرؤنا بعدكِ؟

أَحاطتها الكتبُ مِن كلِ صوبٍ وتوقفَ الزمنُ حتى ذابتِ الساعاتُ التي على الجدارِ وتوقفتْ عقاربُها على تلك الساعةِ المراوغةِ من حياتِها

وتطايرت الصفحاتُ وتناثرت السطورُ وعلا صوتٌ من ديوانِها الأثير” يا خليجُ يا واهبَ اللؤلؤِ والمحارِ والردى” *4

أجابتهُ بنواحٍ خافتٍ …. يا عراقُ ياواهبَ الحبِ والفناءْ

– لو كنتُ أعلمُ يا لميعة*5إن هذه هيَ نهايتي لجمعتُ كلَّ دموعِِ العمرِلأذرفُها يومَ هجرتي

مَرتْ بجانبِها نسمةُ هواءٍ حارةٍ ملأتْ كِيانَها وأحاطَتها من كلِ جانبٍ ..هل هي روحُها التي ستتركُها في هذا المكانِ وإلى الأبد؟

عادت الى الوراءِ كي تستجمعَ قِواها لتغلقَ البابَ حتى وصلت عتبةَ الدارِ التي ذكّرتها بالأقدامِ الصغيرةِ التي كانت تعبرها مئاتِ المراتِ شاهدةً على فرحهِم وركضهِم وقهقهاتِهم المرحةِ

قبّلت شجرةَ التينِ.. وحضنتْ نخلةَ البرحي حتى تقطرَ عسلُها على يَدِها …دموعٌ حرى تودِعُها بها.. رقّتْ لها النخلةُ فلفتها بسعفاتِها ونقشتْ عنوانَ غربتِها على قلبِها ليصبحَ وشماً حبيباً تعودُ اليه بين الفينةِ والأخرى …جلستْ تحتَ ظلِها قطةُ الدارِ تتابعُها بغيرِ إهتمامٍ

آخرُ المُودعينَ جاءَ والتفَّ على يَدِها وتساءلَ بقوةٍ وثباتٍ

وأنا؟

نظرت الى يَدِها ومصدرِ الصوتِ..إرتعدتْ .. وجثت على ركبتَيها .. كيفَ نسيتهُ وهي التي كانت تحملهُ في كلِّ

مناسبةٍ أو تتوشحُ به على رقَبتِه

أنتَ بالذاتِ سآخذك كآخرِ ذكرى من بيتي ووطني وحياتي التي أفارقُها قسراًأفلتتهُ من يَدِها برفقٍ.. طوتهُ بعنايةٍ واستقرَّ في حقيبتِها.. كان ذاك هو العَلَم

1 Comment

  1. كلمات منسقه منمقه جميله مرصوصه كحبات اللؤلؤ ليس له معنى مترابط ولا يستشف منها هدف وغير معبره ولا تعني شيئا مع تحياتي وتقديري

    Like

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s