ولادة من رحم الموقد

Birth from the hearth of a stove,” the short story is written by Qasim Mahmoud. A fantasy awakens the mind. Qassim Mahmoud’s characters are in their forties. In the age of maturity, one should seek positive attitudes through knowledge without being influenced by others. The other is the “master” whether politician or religious man.

 

د. قاسم محمود

بعدَ أنْ بلغَ الأربعينَ منْ سباتِهِ ،قرّرَ مغادرةَ موتِهِ، عندَ الساعة الثامنة شتاءً. حينَ دقّت الساعةُ ارتدى معطفَ السنينَ – هوَ كلُّ ما ورثهُ عنْ الرجلِ الصالحِ- ووضعَ رأسَهُ المثقلُ بطلاسمِ الحياةِ على عُنقِهِ وأحكمَ تثبيتَهُ، ثمَّ همَّ بالخروجِ، حينَ فتحَ البابَ لَفَحَت الشمسُ عزلتَهُ، وفي الطريقِ الى مركزِ المدينةِ، رأى بشراً يركضونَ: ثلّةٌ منهم بلا رؤوسٍ، وثلّةٌ رؤوسُهمْ صغيرةٌ، وقلّةٌ منهمْ رؤوسُهم محنيّةٌ، كأنَّ الطيرَ تأكلُ من فوقِها.

لمْ يكنْ يعرفُ الطريقَ، وقفَ ببابِ أحدِ المحلاتِ، تقدّمَ يسألُ صاحبَهُ عنْ عرّافِ المدينةِ، أجابَهُ الرجلُ الذي يرتدي معطفَ ذئبٍ، وجسدُهُ بلا رأسٍ، بصوتٍ أشبَهَ بالعواءِ، هو في تلكَ الناحيةِ قُربَ الخزينةِ.

جَدَّ في السيرِ إلى أنْ وصلَ إلى بابِ العرّافِ، استوقفَهُ رجلانِ أحدهما رأسُهُ شاخصاً نحوَ اليمينِ، والثاني رأسُهُ شاخصاً نحوَ الشمالِ، قالا: بصوتٍ أشبه بالنباحِ  – ما حاجتُك؟

– أُريدُ أنْ أسألَ العرّافَ في مسألةٍ تخصُّ الزواجَ.

– تفضَّلْ.

دخلَ في محرابٍ طويلٍ على جانبيهِ تراصّتْ أجسادٌ بلا رؤوسٍ، حينَ اقتربَ مِن العرّافِ وجدَهُ امرأةً ترتدي معطفاً بكلِّ الألوانِ، ورأسها الى الخلفِ، تعجّبَ مِن ذلكَ المنظرِ!

العرّافَةُ :

 – ما حاجتُك؟

-عذراً سيدتي، أُريدُ أنْ أتزوجَ مِن شجرةٍ. هلْ سأكونُ سعيداً في حياتي؟

– اعطني يدَكَ.

تقدَّمَ نحوَها ومدَّ يدَهُ إليها، أخذتْها وبدأتْ تقرأُ، ورأسُها إلى الخلفِ.

العرَّافةُ:

– أرى في يدِكَ خطوطاً حمراءَ، تُريدُ أنْ تتجاوزَها وأنتَ في الأربعينَ.

– نعمْ أنا فُقتُ مِن سباتي قبلَ حينٍ.

– اذهبْ لعلَّكَ تَجِدُ مَن يقرأ كتابَكَ بَعدَ سنينَ.

غادرَ يبحثُ في الطُّرقاتِ، والحدائقِ، والغاباتِ عَنْ شجرةٍ تحملُ ألفَ ورقةٍ وورقةً، وفي أغصانِها ألفُ كتابٍ وكتابٌ، تفطَّرت قدماهُ، وشعرَ بثقلِ رأسِهِ على جسدِهِ الذي لَمْ يَعْتَدْ على حملِهِ مُنذُ أربعينَ سنةً. وقبلَ عودتِهِ قابلَهُ حطّابٌ بيدِهِ ألفُ فأسٍ وفأسٌ، وهوَ بلا رأس.

سألَهُ الرجلُ قائلاً:

– إنِّي أبحثُ عَنْ شجرةٍ بألفِ ورقةٍ وورقةٍ، وفي أغصانِها ألفُ كتابٍ وكتابٌ. فهلْ ترشدني إلى مبتغاي.

الحطّابُ:

-أنا مأمورٌ بقطعِ الأشجارِ، قبلَ أنْ تحملَ الأثمارَ، نجعلُها فحماً لسادتِنا الكبار. افهمْ ما أقولُ لَكْ:

-هذا إنذارٌ، إيَّاكَ أنْ تسألَ عنْ هكذا أشجارٍ، وإلّا جعلتُكَ فحماً كشجرةِ الصبّارِ.

عادَ الرجلُ مسرعاً إلى الدارِ، نزعَ رأسَهُ ثُمَّ طواهُ وجعلَهُ صفحةً في كتابِ الأنوارِ.

……..

بعدَ خسوفٍ وكسوفٍ، جلسَ رجلٌ أشهبُ يقلِّبُ جمرَ الموقدِ، وعلى حينِ غفلةٍ منْهُ، سَرقت الريحُ جمرةً خضراءَ، طارتْ بها إلى تربةٍ بيضاءَ، وأخفتها عن العيون الحمراءَ، ولمْ يمضِ سوى وقتٍ قصيرٍ حتّى تلبّدت الغيومُ بالفرحِ في السماءِ، وهطلَ المطرُ بشدّةٍ حتى ارتوت الأجسادُ، وأينعتْ رؤوساً طرّيةً، وفي هذهِ الأثناء كانت الجمرةُ الخضراءُ تشقُّ وجْهَ الأرضِ وترتفعُ عالياً عالياً، والأوراقُ تُولَدُ فيها تِلوَ الأوراق ، وبدأت الثمارُ تتدّلى مِن أغصانِها كأنَّها وجْهُ كتابٍ.

اجتمعَ الناسُ حولها مندهشونَ ! ، نادى منادٍ :

  • ذاكَ شقٌّ في جذعِ الشجرةِ، كأنَّهُ فمٌ يتحرَّكُ، يخرجُ مِنهُ نورٌ.

قالَ الآخرُ:

-إنّي أسمعُ صوتَ ورقةٍ في الهواءِ.

نظروا جميعاً: رأوا ورقةً على شكلِ جمجمةٍ قادمةٍ مِن السماءِ، اقتربت مِن الشجرةِ ،طافَتْ حولَها، ثُمَّ دخلَتْ في ذاكَ الشق ِّوانغلقَ عليها.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s