ثالوث وتعويذة 

تحليل وتقديم د. خليل حسونة

للكاتبة العمانية زوينة الكلباني  

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ٢٠١٣

الرواية أبرز فنون الأدب كما يرى البعض لأنّها حسب رؤية فوستر تعرض علينا الحياة التي تمنحنا الرؤية ولأنّ بإمكانها إيجاد حالة التعارض بين الرواية كفعل بصري فيزيائي , وبينها كتبصر تأملي. هذا الملمح لا يكتفي بواقعة ما أو شخصية محورية بمنحها النمو الموضوعي العضوي بل يحلل أحداثاً متباينة وشخصيات متناقضة عبر زمانين متداخلين 

الاول يتمحور في الزمن الروائي الذي نستشفه من الرواية ,أمّا الثاني فيتمحور في الزمن النفسي للشخصيات الروائية بوساطة حضورها الفعلي حيث زمن القص وهو الحاضر الروائي و زمن الرواية الوقائعي وهو الماضي الحقيقي. 

في إطار مد الجسور التأسيسية لهذا الخطاب الأدبي تأتي تجربة العمانية زوينة الكلباني الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت الموسومة ” ثالوث وتعويذة”  والتي تركز على التأمل  والمعرفة حيث الخوف والقلق الذي وضعها بين خيارين لا ثالث بينهما : الجنون او الموت. 

“ان الخوف الذي يخترق  أعماقي جعلني أسطورة لا تستقر أبدا وجعل ما أخشاه يمضي إلى طريقين لا ثالث لهما الموت او الجنون” ص ٢٦

هذه الصورة على الرغم من كابوسيتها تفصح عن توسيم المعرفة بكل جوانبها من الاختلاف والتماثل حيث صار يهرول في روحها و يتطاير في رئتيها كالغبار 

الوعاء اللغوي ، دهشة الجمال  وجمال الدهشة

ان اكثر ما يسم هذه الرواية اللغة الصافية التي تحلق بها الكاتبة بأسلوب سهل ممتع يشد القاريء ويجعله مرتبطاً بالمكونات الروائيةزمانا، مكانا، أحداثا وشخصيات كل ذلك كشف حالات الذات ،  المحملة بوهج العاطفة المتدفقة بلا حدود

“مع سعدون صارت كل لحظاتي استثنائية ارافقه في كل خطواته اشاركه ادق تفاصيله ورذاذ رسائله تقطر صباحاتي وتعيد الي توازني وتجمع شتات نهاري” ص ٩٥

اللوحة هنا مفعمة بالجمال, عبرها مغاور كثيرة وبعيدة وان بدت قريبة من البوح العاطفي، كما أن لها ارتداداتها الفنية المحكمة،مما يجعل المتلقي منبهراً بالنص، عبر لغة سلسة ساعدتها على امتلاك الجرأة الكاملة للدخول إلى إحداث وديانات تكاد تكون مجهولة تماما وتتعمق في تفاصيل قصة إنسانية ثرية مبتدعة وكأنها حقيقة ما يعيد إلى  الذاكرة ملامح العشق( الأخيلي ) حيث استحضار الكاتبة ذلك بشكل غير مباشر ، فصارت تبحث عن الموت متمثلا بالقرين كموضوع ميلودرامي مثير  مازال يتلبس مجتمعها التقليدي، وللتخلص من ذلك استنبطت   الحالة النفسية لشريحة النساء العمانيات بين هلالين خالتها مريم  التي تجاهل زوجها أنوثتها ص ١٠٣

ناهيك عن المذاق الفلسفي للنرفانا الطقوسية البوذية ص ١٨٠

واستحضار الشعر الوزاري الواقف ضد الرؤية التقليدية للمرأة؟؟؟ المقصود؟؟؟؟

( كم بكيت حينما وجدت أميرة ابنة عمي  شقّت البوستر إلى نصفين ، لأن  والدها أخبرها  بأن المرء مع من احب ,ومن  يستمع إلى الاغاني يُصهر في أذنيه الحديد والنحاس يوم القيامة ، يومها بكيت كما لم أبك في حياتي ) ص ؟؟؟؟

إلى جانب آخر  استلهمت الكاتبة الفكرة الشكسبيرية الواردة في مسرحية ماكبث الخاصة بالرقم المشؤوم ٣ وهو رقم التعويذة السحرية حيث أعلنت كل ذلك عبر جلد الذات الاحتجاجي فطرحت اسئلة لا تجرؤ على البوح بها في كل آن  فكانت ابانتها حالتها النفسية التي اتكأت على اجترارها لذكريات ماكبث- ذكريات انثوية/ اجتماعية تمس اوتار قلبها ، مما جعلها تجلد ذاتها وتتعذب لأنّها  تضج بالثقافة والمعرفة وحتى التمرد الممزوج بالوفاء  كطقس اجتماعي ووعي معرفيّ إنسانيّ وحضاريّ.

موت مسعود لا يعادله موت، ولا تضاهيه مأساة 

كان رهاني العظيم على الحياة، وبرحيله خسرت كل رهاناتي،ص١٧٥

التطهير بين جلد الذات والبحث عنها:

تمرّ بالرواية وإن كانت بشكل مبطن، جدل من الأسئلة عن الماضي والحاضر وحتى المستقبل تأتي بأشكال فكرية عانقت التأزم النفسي عند الكاتبة التوأم استحوذ على كلّ كيانها حيث لابدّ من التطهر من أدران النفس حتى المجتمع. ما جعلها تتساءل هل تعذبت النفس؟ فصار الإقدام على الموت سبيلاً لتخليصها وتطهيرها، أم هو كون من ألوان التخبط في البحث عن الذات المعثورة او الضالة ؟ ص٨٣

على كل حال أكدت هذه الرواية أنها لا تعرف سبيلا إلى المراوغة مع الواقع وتقدمه بكلّ ما ينطوي عليه من ألم دون تقليص الحقيقة. الكاتبة تبدع لنفسها ولغيرها، انها في حالة توحّد وانفتاح منذ البداية وحتى النهاية وكأن ما يخصها يخصنا نحن كذلك. 

وأخيراً، وبقدرة طاغية استطاعت الكاتبة امتلاك كلّ عناصر روايتها عبر حداثة محببة اكتملت بوساطة هموم وأحاسيس صادقة أكدت تقدم الفن الروائي في عُمان بشكل واضح.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s