كتابة في الكفّ

مجموعة قصص قصيرة للكاتب

محسن العوني

جوهرة

كانت رفيقتها في الجامعة وكانت أجمل الطالبات وأكثرهن أناقة وأوفرهنّ حظوظا في السعادة والنجاح..التقتها مصادفة أمام مركز تجاريّ بعد انقطاع دام عقدين من الزمن ..دعتها إلى فنجان قهوة بمقهى جميل قبالة المركز التجاريّ بعد أن أحسّت في نظرتها ونبرة صوتها ما كان لديها من فضول لمعرفة ما فعلت الأيام برفيقة الأمس وسماع أخبارها بعد كلّ هذه السنوات ..بعد تبادل كلمات المجاملة واستعادة بعض المواقف والذكريات من أيام الجامعة ..بادرتها رفيقتها وهي تستنشق البخار المتصاعد من فنجان القهوة..

– أكيد أنك تزوّجت وأنجبت وصرت أمّا ؟!..

– تزوّجت بعد سنة من التخرّج وصرت أمّا لصبيّين وبنت..سرقتنا الأيام..

– لم تضيعي وقتك في مطاردة خيط دخان!!..

– وماذا عنك ..لعلّك تزوّجت بدورك وأنجبت..

– لم أتزوّج ولم أنجب ولم أصبح أمّا!

– لماذا؟ ألم يتقدّم لك أحد!؟

– آخر رجل تقدّم لي ورفضته.. لم أكن أحسب أنه سيكون الأخير.. وبعده لم يتقدّم لي أحد!

– ألم تحبّي!؟

– الحبّ جوهرة نادرة قد نبحث عنها طويلا ولا نجدها، ولعلّنا نجدها ونفقدها قبل أن نصدّق أننا وجدناها !!؟

كتابة في الكف

كتابة كأنها وشم دبغ الروح.. كتابة لا يغسلها الماء.. هي أجمل كتابة .. بأجمل يد.. على أجمل بحر.. في أجمل ربيع.. عندما كتبت بسبّابة تلك اليد البيضاء اللدنة ذات الأصابع الطويلة في كف يده اليمنى بعد أن أمسكتها بيدها اليسرى: أحبك. Je t’aime . I love you ثم طوت كفه بعناية وكأنها تطوي رسالة مصيرية قائلة بصوت رجفته تخترق القلب وهي تنظر في عينيه وتحدق فيه بعينيها الواثقتين الملتمعتين: حافظ على هذه الكتابة وعاهدني على أن تدعم رصيدها في قلبي وقلبك.

من ساعتها وهو يتذكرها كلما غسل كفه وكلما لم يغسلها.. كلما نظر إليها وكلما لم ينظر.. وعندما يكتب يجد وجهها يملأ عليه صفحة الورق وصفحة القلب.

سنوات ضوئية

قال: كم يلزمني من السنوات لترتوي روحي في جمال عينيك!؟..

قالت: كم يلزمني من السنوات لأرتوي من مراعي صدرك!؟

قال: كم تتملكني الرغبة في استنشاق هواء الغابات من شعرك وأنت تخرجين من الحمام!؟

قالت: كم يمتعني أن أحتمي بك في العاصفة فاختبئ تحت جناحك متشبثة بك.

قال: كم تغمرني السعادة وأنا أشاهد مشيتك وأنت تقطعين الطريق قادمة إليّ.

قالت: كم تمتعني رؤيتك وأنت تتحرّك وكم يأسرني حضورك!؟..

قال: كم تحبّينني؟

قالت: وسع البحار والمحيطات.. وأنت كم تحبني؟

قال: قولي.. ثلاثمائة سنة ضوئية!؟

صوت

يأتيه صوتها عبر الهاتف كما يأتي بعد الوحشة الأنس وبعد الشدّة الفرج وبعد الحزن الفرح وبعد الشكّ اليقين، وكما يأتي بعد الخوف الرّجاء وبعد السّقم الشّفاء.

كان ينتظر حلول صوتها في قلبه عبر سمعه وكأنّه ينتظر وصول محفل أو مهرجان. قال لها مرّة: “صوتك نافذة مشرعة على الحلم.. صوتك يحملني من بستان إلى بستان ومن روض إلى روض.. من صوتك أستنشق أنفاس الرّبيع ونسمات الصّيف.. صوتك يضمّخ روحي بعطور سحريّة ليس لها أسماء.. صوتك يشعرني بالارتواء والاكتفاء..”

ذات مكالمة وبعد أن اتّصل الخطّ بينهما وكانت على الطّرف الآخر التزم الصّمت وهو يسمعها تكرّر “ألو” ثلاث مرّات قبل أن تنطق اسمه بعد أن عرفت بحدسها الّذي لا يخطئ أنّه المتصل..

– قال: نعم.

 عندما سألته مستغربة مستوضحة: لماذا لا تقول شيئا!؟

– قال بصوت خافت خاشع: كنت أطلبك لأسمع صوتك فيطمئنّ قلبي..

أجابته بعبارة تحوّلت إلى نجمة تضيء سماء ليله..

كان يتّصل بها لحاجة في نفسه لا يملك لها دفعا ولا تأجيلا كما كانت تفعل لنفس الدّافع بعد أن اتّصلت بينهما جميع القنوات.. سألته ذات اتّصال:

– من أين تحدّثني؟

قال: أنظري عبر النافذة؟!

لمّا نظرت رأته على جادة الطّريق قبالة النّافذة ينظر إليها وهو في كامل أناقته ووجهه طافحٌ بالفرح والسّعادة وكأنّه عثر لتوّه على جوهرة نادرة أو كنز خرافيّ. دعته أن يشرب شيئا عندها في شقّتها.

 بعد أن استقبلته بصوتها الباذخ واستقرّ بهما المجلس..

قال لها وهو في كامل وعيه وتمام جدّه:

– جئت أطلب.. صوتك.. صوتك يناسبني ولا يمكنني أن أستغني عنه.. فهل تقبلين؟

بعد ذلك كان غالبا ما يدعو بهذا الدعاء: “الّلهم لا تحرمني نعيم صوتها واجعله فاتحة كلّ خير”.

وكانت حسنة الدّنيا..

 

الوردة والسيف

يهفو قلبي لرؤية ركن في حديقة دارة، فأرسل طرفي نحوه كلّما مررت من تلك النواحي… والسّر في تميّز هذا الرّكن ورود تملأ فضاءه وتحوّله إلى إطار لمشهد حيّ يعجز القلم عن وصفه وإنّه لقدير؟!…

ركن يموج باللّون الأصفر والوردي… يسبح في النور والظلال وتعبق منه أنفاس الورد يغمرني بأجوائه ويُحيلني على الحلم والذكرى.. تراءى له وجهها بين الورود مشرقا يانعا تعرف فيه نضرة النعيم..كان اسمها وردة…وهي كذلك رقّة وبشاشة وجمالا…وكانت وحيدة والدها بعد أن ماتت والدتها الأجنبية إثر حادث سير…تزوّجت رجل أعمال مهاجر ولأنه كان مدمن خمر وقمار لم يُحسنْ عشرتها التي لم تطل معه وأنجبت منه ولدين قبل أن يفترقا ويذهب كلّ في سبيله.. ونذرت حياتها لأبنائها…مشهد الوردة المقطوفة فوق الطاولة والسّيف  المعلق على الجدار ذكّره بمصير “روز” واختزل قصّتها المريرة وأحاله على رواية: “الجميلة والوحش”( مع الفارق بين دلالة العنوان وارتباطه بمضمون الرواية ودلالته في القصة) جميلة إسمها “وردة” ووحش لا يرحم إسمه “الزمن”… ألم يشبّهوا المرأة الجميلة بالوردة.. والوقت بالسيف البتّار إن لم تقطعه…

رآها منذ شهر فوجد صعوبة في التعرّف عليها – بل قل وجد ألما في أن يصدّق أنها هي- لأن صورتها المتوهّجة التي حفرت في داخله عبر الأيام أبت أن تنطبق على ما رأى… فقد ذوت وردة وذبلت بعد أن تهاوى ربيع كان مزهرا بوجهها وانطفأ البريق الذي كان بعينيها وغارت تلك النضارة التي كانت تكسوها وتمنحها توهّجا وحسنا يأسر القلب ويسبي العين…

لم يتمالك أن يقول : يا لهول صنيعك أيّها الزمن حينما تحوّل النجم إلى.. تُراب!؟… عادت به الذاكرة إلى صورة لها أثيرة لديه…عندما قدمت لزيارة صديقة لها هي قريبته.. وكان نورها على الكرسيّ ورائحتها الطيّبة تملأ الغرفة…عندها وجد في خاطره أغنية لوردكاش التي ارتبطت لديه بها ارتباط الإسم بمعناه…

آمنت بالله

نور جمالك آية

آية من الله

نور جمالك للسقيم

 لو رآه يصبح سليم

ويعود في جنّات النعيم

 ..تخيّل وردة يانعة صقيلة الأوراق بديعة اللون تكللها قطرات الندى.. وقد انتصبت على ساقها.. فيأتي أحدهم ماسكا سيفا بقبضة من حديد فيرفعه و..يهوي به على الوردة قاطعا ساقها.. باترا صلتها بالأرض ونسغ الحياة فيها.. بضربة قويّة من شفرة حادّة في سيف صقيل.. فترتفع وتعلو وتتناثر قطرات الندى عن أوراقها وتدور دورات في الهواء قبل أن تهوي على الأرض ويتعفر خدّها بالتراب وقد جُعل ليلثمه النسيم العليل ويتضوّع ريحه في الهواء فيعطّره..!؟

إنه الحُسن الذي يستقبل شفرة السيف عاريا برقبته الرّقيقة.. فلا هو يملك ردّها ولا القبضة المتحكّمة بالسيف تدرك أنه آخر أسلحة الشجعان.. أوّل أسلحة الجبناء!؟

البعد الثالث.. أو العمق من أهم مكتشفات الرسّام الكبير بيكاسو الذي اشتهر بتكعيبيّته التجريديّة…فلو سألناه: افترض صلة مّا بين الوردة والسّيف وعبّر عنها رسما…لعلّه كان سيرسم قطرة دم قانية تتوسع وتتوسّع وتنتشر لتغطّي جميع اللّوحة.. وساعتها تخرج من عمق اللوحة أشجار خضراء خضراء.. داكنة الخضرة رائعة الجمال فتعلو وتعلو وتغطّي اللوحة..

الدم : جرم الإنسان المشهود.. الأشجار: خيريّة الحياة وأملها…واللّوحة: فصول من الرّحلة الدامية وآلام الطريق ومعاني الوجود…فأين توقيعك يا…بيكاسو؟!

يتنادون في العتمة

كانت تصرخ لا من وجع إنّما من قهر.. لا صراخها توقّف ولا أسباب قهرها زالت.. كانت في غربتها غريبة وسط مجتمع يسأل الناّس فيه بعضهم البعض : أين أنت؟!

والكلّ ضائع عن نفسه قبل ضياعه عن غيره.. لكأنهم يتنادون في العتمة ولا يملك أحدهم أن يقترب من الآخر أو يسكن إليه!!

ربطت علاقة برجل متزوج لفرط وحدتها وعزلتها.. أثمرت العلاقة حملا تردّدت في التّخلّص منه وودّت لو تحتفظ به لتجرّب أمومة حرمت منها بينما رفيقاتها قارب أولادهنّ العشرين.

كانت تحدّث صديقتها الحميمة التي وقفت إلى جانبها ورتبت لها عملية الإجهاض، قالت:

– كأنّ عمليّة الإجهاض تمّت وسط روحي ولم تقع بجسدي؟!

أنوثة..

جمعتهما المصادفة  ذات مناسبة اجتماعية بعد أن تنافستا على حبّ رجل وبذلت كلّ واحدة منهنّ ما في وسعها للفوز به زوجا ورفيق درب.. تحقّق ذلك لواحدة منهنّ ..غير أنّ زواجها منه لم يدم أكثر من سنة.. وافترقا.. تعمّدت الاقتراب من تلك التي نافستها على زوجها السّابق.. حتّى إذا كانت إلى جانبها.. قالت لها بنبرة استفزازيّة يتقنها هذا النّوع من النّساء.. “ألم أقل إنّه لا أمل لك في الفوز به ما دمت أنا منافستك؟!

قالت: “نعم لقد فزت به غير أنّ أنوثتك لم تكن كافية لتحافظي عليه وقد تركك ليرتبط بغيرك!؟”

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s