أسيرة الحب والحرب

Painting by Dr. Ala Bashir

بقلم: مائسة ماجد بطاينه

في إحدى المساءات الماطرة وفيما كان البرق يملأ السماء وهجاً ليردفه صوت الرعد الذي يشتد غضباً، وعلى إيقاع صوت الانفجارات العسكرية القادمة من خلف التلال المجاورة، كانت مريم تجلس على ضوء شمعتها الخافت وبأناملها الرقيقة كان قلمها مطيعاً لرغبتها المشرعة في الكتابة، ويبدو أنها تُسجل مذكراتها عند حواف لحظة اخيرة، وحيث كانت جليسة سريرها كانت تتناثر من حولها أوراق يبدو أنها مملوءة بالذكريات الموجعة، وفي خيالها إله العسكر (المارشال مارس) هو من يثير تلك الحروب خلف التلال القريبة، وكأنه وجنوده على وشك الاقتراب من باب غرفتها الموصد باليأس.

 يبدو أن أوزيس إله الرعد والمطر غير راضٍ عن الأحداث التي يثيرها مارس المتمرد لينهال عليه بالزمجرة والمطر الغزير علّه يمنع وصوله، لكنّه وعلى ما يبدو عبثاً يحاول! فمارس المتهور رتّب موعداً مع الأب و زوجته (هيرود وهيروديا) من أجل إحياء مساء مخمورٍ بالغواية استعداداً منهم لاستقبال هرمز (إله الرحيل والتجارة والسفر واللصوصية) لإتمام زواجه التالي من أفروديت (الحسناء المطلقة مريم).

الأب وقد أغرته زوجته الألعبان يطمح في تزويج مريم من الثري المسنّ الشيخ عودة (هرمز)، وماذا عساها أفروديت أن تفعل إزاء كل هذا الطوق من التغطرس الذي يحيق بها؛ الأب المغلوب على أمره، وزوجة الأب التي تريد التخلص المجدي من ابنة ضرتها المتوفاة، والأخ غير الشقيق المراهق ضعيف الشخصية؟ السماء تزمجر، والامطار غزيرة، ومارس القادم مازال يستأنف المسير لبلوغ المساء الملعون. 

مريم منهمكة بالكتابة كأنها تسابق الزمن، بينما أبوها وزوجته والاخ غير الشقيق في الطابق الاسفل على أهبة الاستعداد لاستقبال ضيفهم الموعود، الأب الذي يرتدي بدلة رمادية تقليدية ورباطاً رمادياً مقصباً يخاطب زوجته: (لماذا لا تستعجلين مريم ؟) الزوجة التي تضع حجاباً على رأسها وترتدي ثوبا مطرزاً بشكل تقليدي يبدو من فراهته أنها استعارته من إحداهن، تجيبه وهي توجه نظراتها الآمرة: (كلامي ثقيل عليها، بإمكانك استعجالها بنفسك أو إرسال ابنك لذلك).

مريم التي اتخذت من علوّ نافذتها ركنا تطلّ منه على فضاءاتها وعلى اشتداد أصوات الإنفجارات التي أصبحت تحسّها قريبة متخيلة مجموعة من السيارات العسكرية تحيط بالمكان محمّلة بالجنود الذين أصبحوا يتوزعون المكان هنا وهناك بشكلٍ نظامي لإحكام منع الدخول والخروج  من إطار الدائرة التي فُرضت على المكان، تعود مريم مرة أخرى الى أوراقها ويبدو أنّ فكرة قد لمعت في رأسها لتكتب: (لم يفلح اوزيس في إيقاف تقدم مارس، وفي ظلّ حضوره العسكري ستنجح هيروديا في إتمام صفقتها المشؤومة. مريم ستكون طعماً سائغاً لرغبات الشيخ عودة).

في فناء الحارة وبشكل منظّم اصطفت سيارات سوداء فارهة، يخرج الشيخ عودة من إحداها بعد أن يفتح له سائقه الخاص الباب، يتقدم وهو يتكئ على عكازه الأسود مرتدياً عباءته السوداء الفارهة وشماغه الأبيض والعقال المقصّب و خلفه مجموعة من الشبان ببزاتهم السوداء ويرافقهم شيخ الدين ذو العمامة البيضاء.

مريم، ما زالت أمام نافذتها التي لم يخفَ عليها أن الشيخ عودة يفوح بالثراء والبذخ ، ويريد الحصول على إفروديت قرباناً تهدأ من بعده كلّ أصوات الإنفجارات، وقد خمدت نيران البرق واصوات الرعد، تقول في قرارة نفسها: إن اوزيس تخلّى عن إفروديت بعد أن هدأت ثورته نزولاً عند ارادة المحارب مارس الذي ينتصر لإسعاد هرمز. 

يصل الشيخ عودة ليجلس متصدراً مضافة البيت وحسب السائد من العادات العربية يضع فنجان القهوة امامه، يتوجه الأب إليه لتأكيد التحية موحياً للشيخ عودة أن يشرب قهوته دليلا على موافقته على طلبه. مريم لا تزال في غرفتها تطلق تنهيدة أعمق من صوت انفجارٍ، ساطعة كبرق، مدوّية كرعد، بينما تسند ظهرها إلى جدار بجانب سريرها الذي اصبح مرتباً وفي قرارة نفسها تفكّر: (يبدو أن جنود مارس اقتربوا)، ليتمازج مع صوت تنهيدتها صوت الجنود وهم يصعدون مدججين بالعدة والعتاد،  (يبدو أن هيروديا نجحت باقناع هيرود بالتخلص من مريم ليسّلم إفروديت النضِرة لهرمز قرباناً لذكورته الشائخة!). يُسمع طرق قوي على باب غرفتها. قائد الجند يستعد لكسر الباب ومريم لا يتحرك لها ساكن لينتشلها من خيالها صوت والدها الذي يستعجلها للخروج لاستقبال الضيوف.

في الأسفل الشيخ عودة يطلب الى رجل الدين أن يبدأ اجراءاته الرسمية وهو يخرج من جيبه صورة عن هوية مريم ينفذ رجل الدين الأمر فورا وهو يردد: على بركة الله، على بركة الله.

لم يستغرق الامر دقائق حتى أطلت مريم وهي تنزل الدرج مرتدية ما يشبه ثياب العروس حاملة بيدها اليمنى لفافة اوراق لِما كانت تدونه، الشيخ عوده يقف ليستلم عروسه فيمسك بيدها اليسرى التي انتزعها من يد والدها ويكمل نزول الدرج الخارجي وسط تجمهر من رجال ونسوة الحي مصحوباً بالزغاريد وأغاني زفّة العريس التي يؤديها الرجال تكراراً (يومن طلع الامير حمية الشوبه). إحدى النساء تهمس: (يبدو أن عمره الف عام!) أخرى إلى جوارها: (ربّما الفان!)  وتدلف ثالثة: (هي مطلّقة على كل حال!) طفلة من بين الحضور: (هل هو أول شخص يخلق؟)

الرجال تختلف حساباتهم فها هو أحدهم يهمس (كبير بالسن! لكنه غني!) يرد عليه آخر: (تقصد أنّ البيعة رابحة!)، إحدى الجارات: (يبدو أنها كانت خانقة لزوجة أبيها)، لتردّ عليها أخرى (ألا تعتقدين أنها مازالت صغيرة؟) تردّ ثالثة: (لكنها مطلقة!).

وسط هذا الكم من الهمس واللمز يصل الشيخ وعروسه لسيارته الفارهة ليفتح لهما السائق الباب الخلفي. يدخل عروسه ثم يدخل هو ويغلق الباب وهو ينظر إلى الحي الذي امتلا بالزينة ومظاهر الفرح والرجال والنساء المحملقين من النوافذ، الأب وزوجته على مقربة من السيارة. يتحرك بانحناءة نحو عروسه لتمتد يده نحو زر نافذه السيارة الاخرى بجانب العروس، يفتحه وهو ينتشل لفافة الاوراق من يدها ويلقي بها للخارج ! و يطلب من السائق المضي.

تتهادى الأوراق أمام صمتها الفاضح حد الذهول. (وكأن أوزيس أذعن الى إرادة المريشال الذي بدوره انتصر لرغبة هرمز وقد أسلَمت إفروديت للصمت ذكرياتها). تقول في سرها، يعود صوت الرعد والبرق والمطر المصاحب لأصوات الانفجارات القادمة من خلف التلال ليغسل حبر أوراقها فيما تنطلق السيارة لذات الاتجاه الذي تنبعث منه الإنفجارات المحتفلة بزواج هرمز من إفروديت. 

لا يزال المطر ينهمر غير أنّ أوزيس أصبح غائباً عن المشهد بعد أن حلت إفروديت أسيرة للحبّ والحرب.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s