الخزاف وسام حداد ~ Ceramist Wissam Haddad

حاورته: لبنى ياسين

“الإنسان الرافديني فنان بالفطرة” 

“عدم الاهتمام بفن الخزف أدى إلى قلة الخزافين”

“أحب أن أعطي تقنيات الزجاج نكهة القدم وعوامل التعرية”

خزاف له لونه الخاص، يخلط خزفياته تارة بالخط العربي، وأخرى بتكاوين تجريدية تمنح أعماله خصوصية عالية الجمالية تجعل من السهل تمييزها، كما لو كانت توقيعه السري، مولع بالخزف، وأعماله تحمل سرّ هذا الولع، أقام العديد من المعارض، وشدّت أعماله الأنظار، حيث كان يحمل دفء بغداد في قلبه، وبرد الشمال الأوروبي بين عينيه، مما أعطاه تفرداً أشاد به مشاهدو أعماله. إنّه الفنان وسام حداد الذي كان لنا هذا الحوار معه:

 

لبنى ياسين: كيف إكتشفت شرارة الفن في نفسك ومتى؟ 

وسام حدّاد: يعود ذلك إلى فترة مبكرة من طفولتي حَيْث كنت أسكن مع عائلتي بالقرب من منطقة التل في مدينة المشتل وقد توفرت لي فرصة رائعة بأن أرى فريقاً من الآثاريين يأتي كل يوم ويقوم بإستخراج اللقى الآثارية والدمى الفخارية والكثير من الأواني المنزلية من باطن الأرض، والكثير من هذه القطع مشغول بإتقان ومهارة كبيرة وتزينها بعض الكتابات المسمارية والرسومات الحيوانية منفذة بطريقة غائرة مدهشة وألوان أوكسيد الحديد الأحمر مسيطرة على الجو العام لهذه القطع الجميلة والمكان (التل) بأكمله، حيث كنت أنا وأصدقائي نتابعهم من خلف الأسوار المشبكة التي كانت تحيط المكان، وبعد أن ينتهوا من عملهم اليومي كنّا ندخل خلسةً لنرى بأم أعيننا ونلمس بأيدينا ماكنا قد شاهدناه من خلف الأسوار. جمال هذه القطع الفخارية وسحرها الأخاذ كان له الوقع الكبير على نفسي وروحي وذاكرتي حتّى هذه اللحظة، ففي حينها كنت آتي بالتراب من المكان ذاته وأخلطه بالماء في محاولة لجعله (طيناً) لأقوم بتقليد هذه القطع الرائعة ولكن دون جدوى. لقد ولّد هذا في داخل الطفل إحباط كبير من جهة، وتحدٍ أكبر ليجلس في يوم من الأيام خلف دولاب الخزف وينجز ماأنجزه أجداده! ولله الحمد تحقق حلمي في دخولي إلى معهد الفنون الجميلة ومن بعدها إكمال دراستي في كلية الفنون الجميلة في بغداد، وتخصصي في دراسة فن الخزف الذي أعشقه حد الجنون، وهنا لا يفوتني ذكر الفضل الكبير لأستاذي وصديقي ووالدي الحبيب المرحوم سعدي الحدّاد في كل توجهي لدراسة فن الخزف وكذلك إكمال مسيرتي فيما بعد.

لبنى ياسين: الخزّافون قلة في الوطن العربي ، فلماذا إخترت الخزف دون غيره من الفنون الأخرى التي تدرس في كلية الفنون ؟

وسام حدّاد: نعم الخزّافون قلة في الوطن العربي، وذلك راجع لعدّة أسباب أهمها عدم الاهتمام بهذا الفن النبيل أبتداءً من رياض الأطفال مروراً بالدراسة الإبتدائية والمتوسطة والثانوية. في بلد مثل النرويج من المستحيل أن تجد مدرسة أو رياض أطفال ليس فيه مشغل كامل للخزف، وهنا علينا أن نقف ونتسائل لماذا كل هذا الاهتمام بهذا الفن؟ ببساطة شديدة فأن هذا الفن ينمّي القدرات الذهنية وينمّي الذائقة الجمالية ويشجع على الخلق والإبداع ويزرع البذرة ويفتح الطريق للكثير من المواهب التي من الممكن أن تصبح مشاريع لفناني المستقبل. أما فيما يخص سبب إختياري لفن الخزف فذلك عائد كما ذكرت لولعي المبكر بهذا الفن العريق، فهو قريب وملامس ومحاكي لكل ضروب الفن، فالقطعة الخزفية فيها الشيء الكثير من (النحت والرسم والكرافيك والتصميم واللون والمسرح والقصة). كلّ هذه الفنون وغيرها تجتمع في هذه القطعة الخزفية، كذلك فإنّ على الخزّاف أن يكون نجّاراً وحدّاداً ومصمّماً وكهربائيّاً ليتمكّن من إنتاج عمل خزفي متقن، وحيث أنني كنت قريباً من الكثير من هذه المهن كان من السهولة لي أن ألج هذا الطريق، بحكم مرافقتي لوالدي الذي يعد من رموز الصناعة في العراق في ذلك الوقت.

لبنى ياسين: كيف تفسر قلة فنّاني الخزف نسبة إلى الفنون الأخرى ؟

وسام حدّاد: يعود ذلك للكلفة العالية لمواد فن الخزف، والأفران الخاصة بهذا الفن من جهة، ووجوب إيجاد ستوديو خاص لمزاولة هذا الفن من جهة أخرى، بعكس الفنون الأخرى التي يمكن مزاولتها في أي مكان كفنّ الرسم مثلاً. كما أنّ كلفة المواد الأوّليّة المستخدمة في هذه الفنون لا تقارن بتكاليف فن الخزف. وللأسف هذه الأسباب وغيرها أعاقت عمل الكثير من  الشباب الذين كان يمكن أن يصبحوا أسماء مهمّة في ساحة الفن التشكيلي.

لبنى ياسين: هل يمكن أن تشرح لنا بطريقة مبسّطة ماهو خزف الراكو وما الذي أضافته لعملك هذه التقنية؟

وسام حدّاد: ببساطة شديدة كلمة الراكو هي كلمة يابانية الأصل ومعناها السعادة والمتعة. وخزف الراكو هو أحد أهم أنواع الخزف الأصيلة والمتطورة، ويختلف عن الخزف الإعتيادي بكل المراحل إبتداءاً من الطينة الخاصة التي يجب أن تتحمّل الصدمات الحرارية أو التغيّر السّريع في درجة الحرارة كالتبريد السريع والمفاجيء، كما أنه يفخر في أفران صغيرة لها غطاء محكم يمكن رفعه بسهولة ويسر وتتراوح درجة حرارة الاحتراق الأولى (البسكت) بين٧٠٠ – ١٠٠٠ م، أمّا الزجاج فيجب أن يصل إلى درجة الإحمرار فضلاً على الإعتماد على النظر، فعندما يصيرالزجاج صقيلاً ولامعاً يرفع غطاء الفرن و توضع القطع الخزفية في وعاء معدني خاص معدّ لهذه العملية، على أن يكون مملوءاً بمواد قابلة للاشتعال مثل نشارة الخشب، ثم تغلق الحاوية المعدنية وتترك لتدخن لبضع دقائق. خلال هذه العملية تمر هذه القطع الخزفية في حالات اختزال ثانوية قوية تؤدي الى سحب الأوكسجين من أكاسيد التلوين لتتحول إلى ألوان البريق المعدني، ولخزف الراكو خصوصية رائعة لألوانه المثيرة التي لايمكن توقعها، وأنا شخصياً طرقت أبواب هذا الفن الساحر (خزف الراكو) في فترات متقطّعة من حياتي الفنية لا سيّما في سنوات الدراسة في معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون الجميلة في بغداد، وكذلك خلال بعض أوقات المنافي خارج الوطن، ولحبي الكبير لهذا الفن، فللوهلة الأولى يجد المتلقي في أعمالي التي أنجزتها في العقد الأخير أنها أعمال راكو، لكنّها في الحقيقة ليست كذلك لا سيّما فيما يخص تقنيات اللون والزجاج الذي أحرص أن أعطيه نكهة القدم وعوامل التعرية، ومؤاخذتي الوحيدة على خزف الراكو صعوبة إنجاز الأعمال الكبيرة الحجم الذي أعشق تحدياته وهذا هو سبب ابتعادي عنه في فترات متقطّعة. 

لبنى ياسين: ما الصعوبات التي تتعثر بها في عملك كفنان خزف؟ 

وسام حدّاد: لا يخفى على الجميع صعوبة مزاولة هذا الفن المعقد الذي يحتاج الكثير من الصبر والخبرة المتراكمة والتجريب، حيث يمر العمل الفني الخزفي بمراحل كثيرة إلى أن يجد طريقه إلى المتلقي. ولكن بعد مزاولتي هذا الفن لأكثر من خمسة وعشرين عاماً فأنا لا أواجه صعوبات كبيرة في عملية إنتاج العمل الفني وأعتقد أنّه عندما تجتمع الموهبة مع الدراسة الأكاديمية والحرفية  بقدر كافٍ يصبح من السهل إنتاج عمل خزفي مميز، ومع البحث والتجريب تكون هناك شخصية واضحة وإسلوب مميز للخزاف وللعمل الخزفي معاً.

لبنى ياسين: هل يحضى هذا الفن بما يستحقّ من الاهتمام  سواء بالعرض أو الاقتناء أو النقد ؟ 

وسام حدّاد: خلال العقود الأخيرة من الزمن أصبحت لفن الخزف مكانة خاصة ومميزة، إبتداءً بمراحل التعليم المختلفة وصولاً إلى أقسامه الخاصة في الكثير من معاهد الفن وكلياته وأكاديمياته. كما تخصص الكثيرمن المعارض الفنّيّة (الكالريهات) والمعارض التي تقام بشكل دوريّ (البيناليات) والمهرجانات بفن الخزف المعاصر ممّا أسهم في حضور مميز لفنّ الخزف أسوة بباقي الفنون من رسم و نحت وكرافيك وصولاً إلى الفنون المفاهيمية الحديثة وغيرها. أمّا عن الاقتناء، فهناك جمهور واسع يواظب على حضور معارض فن الخزف واقتناء أعماله و قد دخلت أعمال الخزف بقوة في التصميم الداخلي والخارجي للكثير من البيوت والمباني الخاصة والحكومية ربّما لأنّ له خاصية تميّزه عن باقي الفنون ألا وهي عدم التأثر بعوامل الزمن.

 فيما يخص موضوعة النقد فلا أعتقد بأنّ فنّ الخزف قد أخذ حقه منه بما يوازي اهتمام شعوب الأرض كلّها به خلال الحقبات الطويلة التي عاشتها البشرية و لطالما  كانت البقايا الخزفية الواصلة الينا من تلك العصور والحقب مفتاحاً لمعرفة خفايا الحضارات المختلفة وأسرارها. 

لبنى ياسين: مالذي أضافه لك مخزونك الثقافي كابن بلاد الرفدين العريقة إلى عملك؟ 

وسام حدّاد: عندما يتعلق الأمر بالتأثيرات والمرجعيات التي تخص تجربتي الفنية، فأنه من البديهي والطبيعي أن أتأثر بكل ما تربت عليه ذاكرتي الذهنية والبصرية في كل ما يخص عناصر بناء العمل الفني من الشكل ومايحتويه من رموز ورسومات متكررة (motives) ودلالات لونية إلى آخر ذلك، فعندما نتكلم عن بلد اسمه العراق فإننا نتكلم عن سومر وأكد وآشور وبابل ونينوى وسامراء وبغداد… هذا الإرث العظيم لبلد علّم البشرية الكتابة واخترع عجلة الخزف وسنّت فيه أوّل القوانين التي تنظم حياة البشر وامتلأت متاحف العالم الشهيرة بقطعه الآثارية ، هذا كله يجعل الإنسان الرافديني فنّاناً بالفطرة . إذا تكلّمنا عن الألوان في الشرق و عن ألوان بغداد نجد الأخيرة قد تميّزت بقباب مساجدها الخضراء والزرقاء والشذرية وألوان الذهب التي تتوهج في أشعة شمس بغداد الأبدية . وبالعودة إلى تجربتي الفنية فقد ظلت ألوان بغداد الجميلة ورائحتها وعبقها حاضرة بقوة في تناغم حداثوي جميل مع ألوان بحر الشمال الباردة والشفق القطبي الساحر , وكان حضور لون الطين قوياً في معظم الأعمال التي أنتجتها منذ بداياتي المبكرة وحتّى الآن ، وهذا اللون له عندي دلالات رمزية وقصدية ، إذ أنه يرمزإلى بلدي الحبيب العراق الذي كنت غالباً ما أجسّده بلون الحرف العربي الذي كان هو الآخرذا حضور في معظم أعمالي، وحتى بعد وصولي إلى النرويج كان حرصي الكبير أن يكون هذا اللون موجوداً في كل الأعمال .

لبنى ياسين: هل مر عملك بمراحل حتى اتخذ الشكل الحالي؟ 

وسام حدّاد: يمكن لمن يتابع منجزي الإبداعي أن يلمس بوضوح كيف تطوّرت أعمالي الخزفية ونضجت على مستوى البناء والشكل والمضمون، وكذلك في تقنيات اللون ومعالجاته وتوظيفه لخدمة العمل لإيصال الفكرة إلى المتلقي. لكن مع كل هذه المتغيرات وتغير القناعات والمعالجات بقيت الروح هي ذات الروح في كل ما أنجزته منذ دخولي معهد الفنون الجميلة حتّى هذه اللحظة و مثال ذلك تمسّكي بقناعاتي بالسطوح الخشنة  واللعب على تغيّرات الطّين الفيزيائية من تشقّقات وندوب، وكذلك إبراز عوامل التعرية التي يتعرض لها العمل الفني وكل ما موجود في هذه المعمورة .

المتابع لمراحل تطور تجربتي الفنية سيرى بوضوح تأثري بفن العمارة بشكل عام وبالعمارة البغدادية بشكل خاص ، فالأشكال الهندسية وما لها من دلالات رمزية وجمالية ونفسيّة ظلت القاسم المشترك لمعظم ماأنجزته من أعمال  في محاولة مني لمزج التراث بالمعاصرة ، كما يلحظ المتابع لأعمالي أنني بعيد كل البعد عن الأشكال والقوالب المصقولة والناعمة والمشذّبة شكلاً وعن الألوان اللامعة والواضحة والمباشرة ، وهذا مردّه  بعد هذه الأمور عن قناعاتي الفنية والنفسية.

لبنى ياسين: هناك خط عربي في أعمالك الخزفية. ما سبب ذلك، أهي جمالية الخط العربي  أم أنه الانتماء؟ وهل يمكن إستعمال لغة أخرى لتنتج المفهوم الجمالي ذاته؟ 

وسام حدّاد: لقد ظلّ الخط العربي ملازماً لتجربتي الفنية منذ بداياتي المبكرة وحتّى الآن، فقد كان معرضي الشخصي الأول تحت عنوان (البسملة) الذي كان ضمن فعاليات مهرجان بغداد العالمي الثاني للخط العربي، حيث استعرضت مراحل تطور الحرف العربي منذ ظهور الإسلام وصولاً إلى ما يسمى بالحرف الطباعي، أو نسخ المطابع، في ١٠٠ خزفية للبسملة نفّذت كألواح وجداريات  في تجربة كانت الأولى من نوعها، هذه التجربة ألقت بظلالها عليّ ورسخّت حبي الكبير لفن الخط العربي وجعلتني أبحث وأجرب الكثير من الخطوط التي طوّرتها ووظّفتها فيما بعد لخدمة تجربتي الفنية  سواءً كنصّ مكتوب أو حروفي، بإستعمال الحرف العربي كعنصر من عناصر العمل الفني، ومما لاشك فيه فإن للحرف العربي جمالية وخصوصية وسحراّ أخاذاً، فأنا أجد متعة ما بعدها متعة في توظيف جماليات الحرف العربي، وهذا ما ظهر جليّاً في مجموعتي الأخيرة (أبجدية طين الذهب)، فقد تعاملت مع جميع أنواع الخطوط العربية، ولكني أجد الخط الكوفي المصحفي، أو ما يسمى بـ(كوفي القرن الهجري الأول)، أقرب الخطوط إلى قلبي وأكثرها خدمة وطواعية مع مادة الطين. بالعودة لموضوع الإنتماء، فيجدر بنا أن نستلهم جماليات الشرق ونعمل عليها، وماأكثرها، وليس آخرها الحرف العربي فقد بتنا حديثاً نرى الكثير من فناني الغرب يوظّفون الحرف اللاتيني أوالعربي في أعمالهم المعاصرة.

في عام ٢٠٠٧ كانت لي تجربة مميزة ورائعة مع الحرف في معرضي (جلجامش … أجنحة الطين والنار)، حيث وظفت الخط المسماري في ٢٥ عمل جداري مستوحياً مجموعة من نصوص ملحمة جلجامش (أول نص أدبي كامل في تأريخ البشرية).

لبنى ياسين:  كفنان مغترب، ما الذي أضافته الغربة إلى عملك وإلى مخزونك الثقافي كفنان؟

وسام حدّاد: شخصياً أعتقد بأن الغربة سلاح ذو حدين، فأما أن تأخذ الفنان وتسلخه من جذوره، وأما أن يوفق الفنان في المزج بين ثقافتين، وهذا ما حصل معي  إذ استفدت من كل المزايا والفرص الثمينة التي وفرها الإغتراب، وللأمانة فأن وجودي خارج الوطن مكّنني من تطوير تجربتي الفنية، مستفيداً من التكنولوجيا المتقدّمة التي شملت كل نواحي الحياة. إن زيارة المتاحف والمهرجانات ومعارض الفنون الدورية أو الدائمة والاطلاع على تجارب الفنانين المهمّين والمؤثّرين والاحتكاك بها وبهم كان له الأثر الكبير في إنضاج تجربتي الفنية، كما أن ّ توفر المواد الأولية من أطيان وزجاج وأفران وكل مايحلم به الخزاف كان له الأثر الإيجابي بهذا الخصوص على نقيض ما هو في بلدي الحبيب إذ على الخزاف أن يقوم بكل شيء من تحضير الطين وتحضير الزجاج وبناء الأفران الخ … وهذا سيأخذ الكثير من وقته وتفكيره وجهده.

لبنى ياسين: النار والماء والتراب والهواء… العناصر الأربعة الأساسية كلها موجودة في فن الخزف. هل يمكن أن يكون للعمل الخزفي بعد فلسفي أكثر من كونه عملاً فنياً جميلاً ؟

وسام حدّاد: لا شكّ أنّ هناك أبعاداً فلسفية كبيرة لهذه العناصر الأربعة التي يتكون منها فن الخزف (النار والماء والتراب والهواء)، إذ لو تخلف أو سقط واحد من هذه العناصر الأربعة فلن نرى شيئاً اسمه (فن الخزف)، وهذا ماينطبق أيضاً على حياتنا كبشر، فبتخلف واحد من هذه العناصر الأربعة ستكون حياتنا شبه مستحيلة. وقد دغدغ هذا الفن الساحر مشاعر الإنسان منذ أقدم العصور وامتلأت متاحف العالم بكنوز هذا الفن وبرغم كل النظريات والفنون المعاصرة حافظ هذا الفن الأصيل على وجوده وديمومته وانصهر في مدارس الحداثة والتجديد. ويعد فن الخزف من أهم مرتكزات فنون الحداثة وما بعدها لتداخل معطياته الشكلية على نحوما مع فنون التشكيل الأخرى من نحت وعمارة ورسم وكرافيك.

لبنى ياسين: هل يمكن للفن أن يكون عامل تحوّل في الحياة والمجتمع  أم أنه عالم جمالي فقط؟ 

وسام حدّاد: لاشك في أن الفن هو من أهم ماترك الإنسان على وجه الأرض وقد ساعد كثيراً في تطور البشرية للأفضل ومن الإرث الفنّيّ تقاس حضارات الشعوب وتقدمها والثابت هو أن  الحضارات القديمة جميعها تركت كنوزاً من النحت والخزف والتصوير. للفن دوره الكبير في حياة الإنسان، حتى وإن تصور عكس ذلك، فتأثر الإنسان بالموسيقى والرسم والخزف والمسرح وباقي الفنون واضح وجليّ، إذ يعمل الفن كوسيلة مهمّة في تكوين وعي الإنسان بالقضايا الكبرى المتعلقة بالإنسانية والوطن. وللفنون دور مهمّ في الصحة النفسية للإنسان فمتذوّقو الفن أقلّ ميلاً العنف وأكثرالتزاماً بالقانون كما أثبتت الكثير من الدراسات العملية والعلمية المتخصصة، لذا تعمد العديد من المؤسسات التربوية إلى تقديم الأعمال الفنية كوسيلة لتحسين الطبيعة النفسية للبشر. ويتجلى دورالفنّ كذلك في المجتمع في إدخاله إلى النظام التعليمي كمادة أساسيّة للتلاميذ ليشكّل مدخلاً أساسيّاً من مدخلات المعرفة وهنا أنا أتكلم تحديداً عن دول إسكندنافيا في أقصى الشمال الأوربي حيث يتعلم الطالب أسس الرسم والخزف والموسيقى والمسرح عملياً ونظرياً وهذا مايطور من مهاراته الفنية ويكسبه ذائقة جمالية للاستمتاع بالحياة.

لبنى ياسين: ماهو دور الفن والفنان في المرحلة الراهنة من التردي الذي تعانيه مجتمعاتنا سواء على الصعيد السياسي أو الإجتماعي أو الفكري ؟ 

وسام حدّاد: مما لاشك فيه أن الفن والفنان يلعبان دوراً كبيراً في الوضع الراهن فهما يرتقيان بالإنسان الى السمو والجمال والإبداع. تعدّ الفنون وسيلة مباشرة ومؤثرة يعبر بها الفنانون عن مشاعرهم وأحاسيسهم، وهي تنّمي الجانب المعنوي للإنسان وتساعده في صراعه المرير مع جانبه المادي خصوصاً مع تحولات الوضع الراهن الذي تحكمه العولمة والمادة والمال، وهكذا يسهم الفن بإقامة توازن بين المظاهر الروحية والمظاهر المادية في حياتنا الإنسانية  وهذا يقود بدوره لمنع طغيان المال وتحكمه بعقول البشر، ويتحقّق هذا التوازن حين ندعم مجالاً للتفكير في الروح والجمال والحب والإنسانية وغيرها عبر قراءة الأدب وسماع الموسيقى وتأمل الأعمال الفنية، ونتوقف عن التفكير للحظات في المال والجنس والغنى وغيرها من الماديات، لذلك أرى أن للفنون أهدافاً سامية ويتوجب علينا جميعاً أن نمارس الفن دون  أن نهمل حاجاتنا المادية، وأنا أدعو إلى المساواة بين إشباع حاجاتنا المادية بالعمل وإشباع رغباتنا الروحية بالتمتع بمشاهدة الفن وممارسته. 

لبنى ياسين: ماهي مشاريعك المستقبلية؟

وسام حدّاد: هناك الكثير من الأحلام والمشاريع التي أحرص على إنجازها في هذه الرحلة الحياتية القصيرة  والتي مرت أسرع من السحاب  في خضم تنقلاتنا وترحالنا في أرجاء المعمورة بعيداً عن الوطن، فقد أنجزت مؤخراً قرابة ٢٠ نموذجاً (ماكيت نحت فخاري) يمكن تنفيذها ونصبها في بعض الساحات أوالأماكن الخاصة هنا في النرويج، وبأحجام كبيرة سواء كأعمال خزفية كبيرة أو من مادّة البرونز وقد فاتحت بعض البلديات التي أبدت إهتمامها الكبير، ونحن ماضون في هذا المشروع بقوة، لا سيّما أن المواضيع التي تحاكيها هذه الأعمال هي مواضيع إنسانية تخاطب الوجدان بحداثوية مثيرة، ويبقى حلمي الأكبرهو أن تسنح لي الفرصة بعد كل هذا الضجيج أن يكون لي أثر كبير في معشوقتي الأعز والأجمل والأزهى والأبهى (بغداد). كما إنتهيت مؤخّراً من إنجاز مشروع  معرضي الأخير (أبجدية طين الذهب) الذي احتوى على ٤٠ عملاً جداريّاً جسّدت بها ٤٠ مرادفاً لكلمة (حب) وقد بدأت بهذا المشروع مع بداية الاعتراف باللغة العربية كلغة أساسية سادسة في الأمم المتحدة، فأطلقت هذا المرادافات التي سحرتني وأجبرتني على إنجاز هذه التجربة فوضعت بها خلاصة تجربتي الفنية والتقنية وخاصة تقنيات اللون وطبقاته، مازجاً ألوان الشرق الحارة الساحرة بألوان بحر الشمال الباردة والمتجمدة، وهناك الكثير الكثير في قادم الأيام ، و عسى أن تمنحنا الحياة فرصة لإنجاز قسم من الأحلام المؤجلة.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s