ملكوت الروح

صالح الطائي

لوحة الكتاب د. مصدّق الحبيب

قد لا تكون للعمر علاقة بالحكمة، ولكن إذا تجاوز المرء العقد السادس من عمره، فمع كل ما يقرأ ويبحث وينجز ويتابع، لابدّ أن تتفتّح له تجلّيات المعرفة التي تجعله يخترق مناطق اللّاشعور ويغوص في لجج اللّاوعي ليرى أسرار الرؤى التي لم يكن يراها من قبل ولم يرها من هم أصغر منه عمرا وأقلّ تخصّصا. لقد كنت على مدى أكثر من خمسة و أربعين عاما غارقا في دنيا البحث والتقصي، أركض خلف الآية والرواية والحديث والرأي والقول والحكمة، أنقِّرُ في الموروث أملا في أن اصل إلى نتيجة تتكشّف من خلالها التعقيدات التي تحيط بنا، التعقيدات التي جعلت الأخ يختلف مع أخيه، والابن لا يتوافق مع أبيه، لأني مع انصرام كل عام، كنت أشعر أن الهوة تتسع، والمسافات تنفتح، والبعد يتضاعف، حتى اختفت الضفاف التي كنت أنظر إليها عندما كنت في بدايات الطريق.

اليوم أجلس أحيانا أفكر مليا في ذلك العمر الذي أنفقته طوعا، وأطيل النظر إلى مؤلفاتي التي ناف عددها على الأربعين كتابا، واسأل:  ترى هل نجحت في قول ما يمكن أن يُقرِّب الشطآن إلى بعضها، أم زدت التباعد بينها؟ والآخرون هل أفادوا ممّا أعطيت؟ أم أنهم تجاوزوا ذلك، بدليل أنهم لم يصلحوا أوضاعهم!

إنها الحيرة التي وضعتني أمام امتحان لابدّ من خوضه أو الغرق، وهنا لم أجد أمامي سوى خيار التحدي والمجازفة، مستعدا لتحمل جميع النتائج، لذا قررت نشر بعض الرؤى التي كانت تراودني، انشرها على شكل ومضات لأترك للآخرين الحكم عليها واحصل على النتيجة، إذ لا ينكر أن هناك اعتباطاً وضحكاً على الذقون واستغفالاً للآخرين يفوق الخيال، يملأ الساحة منتشراً كالنار في الهشيم، وكأن هناك  مؤامرة كبرى هدفها قلب المفاهيم وتغيير القيم لكي لا تقوم للعراق قائمة إلى يوم يبعثون؟! ولذا أعتقد اني من خلال هذا الكتاب بالذات قد انجح في كشف ملامح غبش الصبح الذي ننتظر، أو في الأقل؛ الذي أنتظره أنا منذ سبعين عاما!.

إن الشيء المميز في هذا الكتاب، أنه مجموعة نصوص نثرية متفرقة لا رابط بينها سوى الهدف والقصدية، تهدف جميعها إلى إحداث صعقة قد توقظ الضمير، مثل قول: “اللهم إني لا أخاف الموت غفلة .. ولكني أخاف الغفلة عن الموت” ومثل: ” لا

تخلو الحياة من الروائع فهنالكَ دائما شيء رائع وجميل حتى في الظلام.. إنه يجعلك تشتاق إلى النور”

ملكوت الروح / نصوص نثرية، آخر مؤلفاتي، وقد صدر عن دار ليندا ـ السويداء ـ سوريا، في 212 صفحة، تزين غلافه لوحة للفنان العراقي الدكتور مصدق حبيب 

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s