من دفاتر أكاديمية مغتربة

Synopsis:

This article is an attempt to break my long silence on a crisis that does not only concern me as an immigrant academic in the UK but it has to do with a wide range of immigrant and refugee academics and professionals with expertise, knowledge and higher degrees. Those professionals have found themselves trapped within a limbo where they have to find a compromise between their intention to settle in Europe and an endless struggle to gain admittance to academia and related professions. Their crisis is exacerbated on a daily basis as they simply cannot take “any other job.” However, they sometimes find themselves in a position where they cannot say “No” to jobs unworthy of them, for the sake of survival.

Artwork ©Hayv  Kahraman

الباحثة أنغام عبد الله

هي محاولة لكسر حاجز صمتي عن معاناة صعبة لاتخصني وحدي كأكاديمية مغتربة في بريطانيا بل تخص مجموعة كبيرة من الأكاديميين وأصحاب الخبرات والشهادات العليا من اللاجئين والمهاجرين. أولئك الذين وجدوا أنفسهم في دوامة لاتنتهي وصراع لا يخف بين سعيهم للاستقرار في أوروبا ومحاولتهم لإثبات وجودهم في ساحة العمل الأكاديمي لأنهم وببساطة لايتقنون غيره حتى وإن أضطرتهم الظروف أحيانا للقبول بأي عمل لضمان بقائهم واستمرارهم واندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة.

هي كلماتٌ طال صمتها فوددت أن أمنحها صوتاً هنا…

كلمات عن غربتي …ولست أتحدث هنا عن معنى الغربة والحنين وذلك الشعور بالذنب الذي ينتاب المغترب وسؤاله الأزلي عن جدوى وثمن الأغتراب الذي يدفعه في أثناء سنوات وجوده في الغرب والكثير من الأسئلة التي قلما يجد لها المغترب جواباً بل قد لايجد لها جوابا أبدا. بلّ أتحدث عن أزمتي كأكاديمية في أوروبا وتلك المرارة التي أجدها في عيون الكثير من أصحاب الخبرات والشهادات العليا وسنوات طويلة من العمل في مجالات ومؤسسات علمية رصينة في بلادهم الاصلية. 

بدأت أزمتي مع أول رفض لطلب عملي  للتدريس في احدى الجامعات في انكلترا بعد حصولي على شهادة الدكتوراه من جامعة يورك التي أعتقدت (خطأ) أنها ستتّوج رحلتي التدريسية التي استغرقت أكثر من 15 عاماً في جامعات ومعاهد في العراق ودول عربية أخرى. لا أخفي كم كانت صدمتي الاولى صعبة وأنا أستلم رفضا˝ دون مبررات. ولكن سرعان ما أستجمعتُ قواي  وقدمتُ طلباً أخر لجامعة أخرى وأخرى وأخرى وتوالى الرفض وتوالت الصدمات. وشعرت عندها أني  لن أقوى بعدها على استجماع أية طاقة ايجابية لانها نفذت كلها بين مراحل  التقديم وملأ الطلبات ومراحل انتظار الردود والرعب الذي يتخللها…

وأدركتُ بعدها وكما يدرك الكثيرون أن سيرتي الذاتية التي تحوي تجربة تدريسية تفوق سنوات تدريس أولئك الذين يرفضون طلبي تفتقر إلى الكثير من البحوث والكتب المنشورة. هذه حقيقة لا أنكرها بل وبدأت جديا˝ في العمل عليها… لكني لا أنكر أيضاً أن مسيرتي التدريسية (كحال غالبية المغتربين أمثالي) لم تكن مفروشة بالورد بل كانت حالة من حالات عدم  الاستقرار المكاني والذهني الذي فرضته علينا الحروب والحكومات وما إلى ذلك من معاناة نفسية ومادية ووقتاً وجهداً في محاولات للحصول على فيزا هذا البلد وإقامة في البلد الاخر وعقد عمل في مكان ثالث وسنوات من الانتقال من بلد الى بلد أملاً في مستقبل أفضل.

كيف لهذا الذي يرفض طلبي أن يفهم معنى أني  حصلت على شهادتي العليا الأولى تحت القصف الاميركي وظروف مادية قاسية نتيجة الحصار الاقتصادي؟ هل ستدرك لجنة تصفية طلبات التقديم أني وفي مرحلة بحث الماجستير لم أكن أجد أية مراجع تخصّ بحثي بسبب الحصار الثقافي على البلد ورغم هذا تمكنت من كتابة أحدى البحوث المتميزة في تخصصي؟  كيف لي أن أشرح أني غادرت بلدي بعدها مباشرة الى اليمن هرباً من الحصار الاقتصادي الذي أنهكنا لأواجه حياة أقسى وأصعب وحيرة مابعدها حيرة؟ هل ياترى  سيفهم أني بدأت مسيرتي التدريسية في جامعات اليمن وكنت أُمّا˝ لطفلتي الاولى التي لم أجد دار حضانة لها أو حتى مربيّة؟ لأن مفهوم المربيّة التي تعمل  في منزل (الأجانب) عيبا˝ في المجتمع اليمني. كيف سأشرح لهم أني كنت ممزقة بين رعايتي لأطفالي وعملي ومعاناتي الشخصية ووضع بلدي الذي أكلته الحروب والحصارات وانتقالي من بلد لاخر؟ 

وهل ياترى سيفهم هذا الذي يزدري سيرتي الذاتية أني أكملت دراسة الدكتوراه وأنا  أعتني بأطفالي الثلاث بمفردي؟ أتخيله وهو يتفحص سيرتي الذاتية ويقرأ (شهادة دكتوراه في أدب الحرب العراقي النسوي) وثم يقرر أن يرميها في سلة النفايات التي تضم الكثير مثل سيرتي. كيف سأشرح له عما مررت به من خوف ويأس وأخطار وأنا أحاول أن أجمع مصادر بحثي بين الموصل وبغداد في أصعب فترة مر بها العراق بعد الاحتلال الاميركي والانذارات والتفجيرات في كل مكان. هل سيدرك أني أستغرقت عامين كاملين لأتوصل الى نصوص البحث التي لم تكن منشورة ؟ هل سيصدق أني سافرت من يورك الى الاردن لليلة واحدة فقط لأجري مقابلة تخص البحث مع أحدى الكاتبات التي كانت هي الأخرى تنتقل هربا من ظروف العراق؟ لن يدرك ذلك المسؤول عن طلبات التقديم أنني مررت بكل هذا وأكثروأني وفي أثناء دراستي للدكتوراه في بريطانيا فقدت والدي ولم أتمكن حتى من  السفر لحضور مراسم الدفن والعزاء وبعدها بأسابيع خسرت بيتي الذي أملكه في الموصل ومصدر عيشي وكنت فعليّا تحت مطرقة اكمال الدراسة وسندان المرارة النفسية والمادية الأمر الذي دعاني للتقديم للجوء في بريطانيا.   

أضحك كثيرا عندما أقرأ قائمة متطلبات العمل (الجوب دسكريبشن) وماتضمه من شروط خاصة بالعمل تحت الضغوط والقدرة على تحمل الأعباء الوظيفية والتعايش مع الاخرين. أضحك منها لأننا نحن المغتربات الاكاديميات عاصرنا الحروب وعملنا تحت الغارات وأكملنا دراستنا بكل فخر في الظلام وفي سراديب المنازل احتماءاً من الغارات.  في وقت الحصار كنا نذهب الى عملنا في الصباح ونعود في المساء لنعد الخبزوالطعام على موقد بسيط وتحت درجة حرارة تفوق ال50 مئوية لنتفرغ بعدها لتحضير دروسنا لليوم التالي مع انقطاع التيار الكهربائي وصوت صفارات الأنذار وسيارات الأسعاف التي تنقل الجرحى والموتى هنا وهناك. ولكن أية بحوث تلك التي كنا سننشرها ونحن على كفة الموت في كل لحظة؟ 

من سيفهم أن رحلتي الأصعب بدأت حينما انتهت رحلتي مع الدكتوراه لتبدأ رحلة البحث عن العمل وضرورة اثبات تواجدي في ساحة العمل أمام مركز العمل أو( الجوب سنتر) الذي يمنحني الحق في العون المادي الشهري لي ولأطفالي. كيف لي أن أنشر بحثا أو حتى أن تخطر في بالي فكرة غير تلك التي تؤرق مضجعي وتلح بسؤالي عن (ماذا بعد هذا؟) وأحساسي بالمرارة وانا أتوجه الى الجوب سنتر كل اسبوع . ويالهُ من احساس بالعجز وأنا اقف بين طوابير العاطلين عن العمل والمدمنين وغيرهم لأتلقى نفس نبرة السخرية او الشعور بعدم الجدوى التي كنت أراها في عيون العاملين في الجوب سنتر كل مرة اذهب الى هناك. ويالها من خيبة عندما يطلب مني أحد هؤلاء العاملين في المركز أن أجد أي عمل … أي عمل أو قد أفقد حقي في اية مساعدة مادية …

هذا الالحاح وتلك النظرات دفعاني للقبول بأول فرصة عمل لاتمت لي و لتخصصي بِصِلة في أحدى الشركات في أكسفورد لأجدني بعد 9 أشهر في مركز العمل أقف بين طوابير العاملين و أبحث عن فرصة عمل من جديد. وأنا في وسط كل هذا الأحباط أستلم رسالة من الجوب سنتر تبلغني أن المبلغ الذي استلمه شهريا والذي بالكاد يغطي مصاريف السكن والخ قد تم تقليصه و أن علي أن أجد (أي عمل) لكي يرضوا عني تماما!!! وهم بهذا يدفعوني من جديد للقبول بأية فرصة حتى ولو لم تكن مناسبة ليجدوني بعدها في طوابير العاطلين من جديد. فأي منطق هذا؟ و أية أجواء نشر و أية بحوث هذه التي  سأتمكن من أعدادها مع كل هذا؟

وها أنا اتبعت كل الخطوات  التي من شأنها (اعلاء شأن) سيرتي الذاتية وتلميعها من كورسات خاصة بكتابة السيرة الاكاديمية الى ورش عمل خاصة باسلوب كتابة رسالة التغطية المعروفة بال(كفرينك ليتر) والنصائح الخاصة بمقابلات العمل وغيرها الكثير. وأرسلت اول بحث أكاديمي للتقييم مع يقيني التام أن كل البحوث الاكاديمية تخضع لمراحل من الرفض والتدقيق حتى يصل البحث الى بر الامان ويكون مقبولاً للنشر. وبدلاً من أن أتلقى ملاحظات من شأنها تطوير بحثي وتعميق رؤيته والخ  تلقيت قراءة (عنصرية وغير أكاديمية) لبحثي الذي يدور حول الكتابات الروائية للمرأة العراقية اثناء الحروب  حيث ركزّ المقيّم فيها على كلمة (عراقي) و(عراقية) وأ رسل لي مايشبه بمحاضرة في الأخلاق الحميدة والوطنية لأني لم أتحدث عن (قوميات أخرى) وكيف لي أن أتحدث عن قوميات أخرى في أطار بحث أكاديمي يتناول نصوص بعينها في مراحل الحرب الثلاث؟

 جعلتني هذه القراءة أتساءل مراراً عن جدوى أن نتلقى تعليمنا في أوروبا أو أن نخوض تجارب أكاديمية في بلد متحضر إن كنا لانقوى على التحضر أنفسنا. للأسف أدركتُ بعد هذه القراءة سّر ما آلت اليه أوضاعنا بعد سلسلات من الحروب والمصائب التي مررنا ولانزال نمر بها. أسفتُ على هذا التفكير المتدنّي أكثر من أسفي على بحثي الذي قررتُ ان لا أنشره في هذا المكان وأبدأ نشره في جهة أخرى… وأنا في وسط كل هذا أقرر أن أنشر أطروحتي بعد أن أجريتُ عليها الكثير من التعديلات والتغييرات التي تجعل منها كتاباً وليس بحثا أكاديمياً. وبين دور نشر مستغلة وأخرى جشعة وثالثة يجذبها العنوان ولاتفهم من المحتوى شيئا أجدني متعبة ومنهكة وغير قادرة على الاستمرار في هذه الدوامة المفرغة. وكالعادة أستعيد طاقتي من جديد وأتمكن من نشر بحثي الأكاديمي ومقالات  وترجمات هنا وهناك وأجد لي ناشراً يحترم مشروع كتابي، لأتمكن أخيراً من تلميع سيرتي الذاتية.

لكني وبعد كل هذا أجدني أفقد رغبتي تماماً في تقديم طلبات عمل للجامعات والمؤسسات الاكاديمية لأني أدركت تماماً أنّ رفض طلبي لم يكن (فقط) خاصا بسيرتي الذاتية وبحوث النشر والكتب. أدركت (كما قد أدرك الكثيرون) أن لوني وأسمي وانتمائي العرقي والديني  وحتى تاريخ ومكان  ميلادي كلها أسبابا تقف وراء رفض طلبات عملي . فهل يعني هذا أن عليّ أن ألتف على طلبات التقديم الإلكترونية وأخفي انتمائي العرقي وأغير تاريخ ميلادي وأخفي مكان ولادتي وديني؟ وماذا عن أسمي و اسم عائلتي؟ وكيف لي أن أغير لون بشرتي أو لكنتي العربية؟

نعم فقدتُ رغبتي في العمل في تلك الجامعات وأفقدها كل يوم وأنا أسمعهم يتحدثون عن التحديات التي تواجه تدريسيي الجامعات في بريطانيا والضغوط النفسية التي يتعرضون لها من جراء مقولة (أنشر أوأندثر)  التي تحولهم إلى مايشبه الروبوتات الالكترونية في سعيهم المحموم نحو الاحتفاظ بعقودهم والاعمال الادارية وغيرها التي تنهكهم وتستهلكهم. أفقد رغبتي وأنا أجد كمّاً هائلا من النفاق الاجتماعي والاكاديمي في المؤتمرات وجلسات الحوار وما إلى ذلك من نشاطات توسيع دائرة المعارف الأكاديمية التي تعرف (بالنت ووركينج) التي لا أقوى عليها بل لا أطيقها. فهذا “النت ووركينج” لم يُخلق لمثلي لسبب بسيط جدا  فأنا أمضي أول النهار في الانضمام الى كورسات تعليمية ومهنية من شأنها توسيع مداركي الثقافية وفتح نوافذ أخرى للعمل وأمضي منتصف النهار في ملىء  طلبات عمل وتحضيرلآمتحانات ومقابلات عمل. أما في المساء فغالبا˝ ما أجري عمليات حسابية لا تنتهي  في موازنة المساعدة المادية التي تتقلص شيئا˝ فشيئا˝ مع إيجار السكن وقوائم الماء والكهرباء وقوائم التسوق وغيرها.

 أفعل كل هذا لكي أحتفظ بآدميتي ولا أضطر أن أقبل بأي عمل يُرضي “الجوب سنتر” ويستهلك روحي ولكي لا أتحول إلى روبوت أكاديمي يعمل بلا هوادة فتصدأ أطرافه ومفاصله ولايُستبدل أو ُيجدّد الا اذا ما تآكل وأهترأ… 

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s