إرحلي أو ابقي ساكنة

للكاتبة علياء هيكل

أحسّت بنفسها تطفو في الهواء خفيفة بلا قيود، تراهم جميعا وهم يلتفّون حولها منتحبين وهي ممدّدة على السرير..!  كانت تراهم من أعلى نقطة بالغرفة تحاول ان تنادي عليهم بلا جدوى، فلا أحد منهم يسمعها ولا صوت يخرج منها..  حاولت ان تقترب منهم عائدة بلا فائدة فهي لا تستطيع التحكم في نفسها.. نظرت الى جانبيها لتجد شخصين فارعي الطّول يرتديان البياض يغطّي وجهيهما قماش ناعم شفاف يخفي بعضاً من ملامحهما غير انها كانت تحسّ بابتسامتهما، كانا يكلّمانها بلا صوت فتسمع صوتهما يتردّد داخل عقلها و تجيبهما بالطريقة ذاتها.

– هل آن أوان الرحيل..؟ 

– ( والدموع تخنقها ) لا أريد الرحيل أريد أن أبق. 

– ان بقيت فبلا جسد, هكذا ستبقين.. 

– اريد البقاء على ايّة حال.. 

تركها الكائنان الغريبان وتراجعا للخلف و هما ينظران اليها حتى مرّا من الحائط و كأنّ الجدار هواء لا حجرا. التفتت ثانية نحو أبنائها محاولةً مرات عدة ان توصل لهم صوتها لكن لا فائدة على الاطلاق.  يئست واكتفت بمتابعتهم وهم يقومون بغسل الجثمان ولفّه بطبقات  من القماش الأبيض ليحملوه بحزن عميق الى مثواه الأخير. خلا البيت من الجميع بينما بقيت هي تحوم داخله متنقلة بين الغرف تنتظر عودتهم,  وما ان مضت ساعة حتى عاد الجميع الى البيت بعدما واروا جثمانها الثرى.

 بدأ المعزّون بالتّوافد.. جلست ابنتها ذات العشرين عاما في زاوية من الصالة على احد المقاعد التي رصت لاستقبال المعزين. كانت تبكي بحرقة بينما  السيدات من حولها يواسينها بكلمات مكررة معهودة في مثل تلك الحالات . اقتربت من ابنتها , جلست على مسند  الكرسي ولفّت ذراعها لتحتضن رأسها لكنّ يديها مرّتا عبر رأس ابنتها دون أن تتمكّن من لمسها أو احتضانها فقالت في أسى : لا تبكي يا حبيبتي فأنا لم أرحل. سأبقى معك. لا تبكي فدموعك تؤلمني .. لم تسمعها ابنتها بالطبع ولكن الغريب انها هدأت وكفّت عن البكاء فيما بقي الحزن يسكن عينيها ..

بعد هذا اليوم الطويل المرهق عاد ولداها التوأم الى البيت  بعد أن  تلقّيا العزاء بالمسجد في قاعة الرجال وجلسا الى اختهما التي ظلّت صامتة لا تتكلم و كلّ منهم يفيض داخله بالمرارة  لفراق الحضن الحاني والقلب الطيب.  كانت هي تجلس أمام الثلاثة  تحاول ان تواسيهم بكلمات لا تخرج منها. ظلّت على تلك الحال ثلاثة ايام بلياليها لا تنقطع عن مواساتهم دون جدوى فلا حياة لمن ينادي ..!

أصابها حزن مشوب  بالغضب فكيف لا يسمعون صوتها و هي امّهم الّتي طالما حدثتهم واحتضنتهم و كيف لا يشعرون بها ؟ في محاولة منها للفت انتباههم راحت تحرك بعض قطع الاثاث الصغيرة و الاواني والأكواب وهم يتناولون الطعام على المائدة لكنّ هذا أصابهم بالهلع والفزع و لمّا استمرّ ذلك,  لم تعد ابنتها قادرة على ان تنام في البيت فالأمر لم يعد طبيعيا ..أشار أحد الاصدقاء عليهم باستقدام أحد الشيوخ لقراءة القرآن بالمنزل لعله يصل الى علّة ما يحدث … 

دخل الشيخ الذي بدا عليه الوقار هادئا واثقا و أخذ يتلو بعض آيات القرآن الكريم بصوت رخيم عذب بينما  الأم والأبناء جميعهم يستمعون اليه في سكينة وهدوء ولكنها حدثت نفسها اسفة : هل تقرأون القرآن خوفاً مني .. هل انا روح مؤذية..؟  كل ما اريد ان تعرفوا انني هنا .. معكم ولم اترككم ..

صمت الشيخ فجأة  وكأنه يريد ان يمعن الانصات الى شيء ما .. ثم انتهى من التّلاوة وقام مستأذنا.. قبل ان ينصرف همس الى احد الولدين قائلاً : ” أمك رحمة الله عليها ما زالت هنا متعلقة بكم تأبى الرحيل .. وهي من تفعل كل ذلك “ 

..ذهل الولد من كلام الشيخ ..!  

– كيف هذا يا مولانا؟

– هكذا هو كما أقول لك . ان شئت صدقتني وان لم تشأ  كأنك لم تسمع شيئاً..

ثمّ انصرف.

 لم يحدث ما هو  غريب في تلك الليلة ونام الجميع بسلام لكن الابن ظلّ يفكر فيما قاله  الشيخ حتّى استسلم اخيرا للنوم هو الآخر. في الصباح قاموا فزعين على صوت ارتطام الأواني بالمطبخ وموقد الغاز قد اشتعل من تلقاء ذاته . على منضدة الطعام وجدوا الأكواب موضوعة كما كانت تعدها لها أمهم من قبل..  انطلقت صرخة هلع من الابنة وارتعب الولد الثاني بينما وقف الذي حدثه الشيخ ساكناً لا يتكلم وهو يتذكر كلمات الشيخ بالأمس موقناً أن كلامه جد حقيقي وليس كلاماً مفبركاً..

 كانت هي تقف عند الموقد تحاول حمل اناء الزيت الثقيل لتفرغ منه بالمقلاة لكن الاناء كان ثقيلا للدرجة التي لم تتمكن قدرتها وطاقتها الغير المرئية من حمله . حاولت عدة مرات وفشلت حتى ثار غضبها وألقت بالمقلاة على الأرض فهرعوا جميعا خارج المطبخ فزعين .. لم يعد الحال يحتمل حتى أنّ ولدها  الذي كان يعرف بوجودها لم يستطع التكيف مع الأمر أو التعايش معه. وكيف سيقنع أخوته بسبب كلّ ما يحدث؟ انّهم حتما لن يصدّقوه.  أصبحت هي  تزداد عنفا وغضبا يوماً بعد يوم, أمّا أولادها  فلم يعد أي منهم يستطيع النوم واصابتهم حالة من العصبية وهجرهم الناس بعد أن اصبح الجميع يخاف الدّخول الى بيتهم الذي اشيع عنه انّه مسكون بالأرواح والعفاريت. 

 ساءت حالة البنت وتدهورت يوما بعد يوم وخشي الأخ ان يفقد أخته كما فقد أمه. و ذات صباح طفح الكيل .. فما  كادت البنت ان تخلد الى النوم بعدما تناولت المهدئ الذي وصفه الطبيب حتى كاد قلبها يتوقف من شدة الفزع  وهي ترى النوافذ تفتح والستائر تسدل في حجرتها فراحت تصرخ بهستيريا. كانت الأم تريد فتح الشبابيك وادخال النور الى الغرفة في محاولة لاخراج ابنتها  من تلك الحالة قائلة : ” هيا قومي حبيبتي, لا تبقي هكذا , أنا هنا معك و لن أتركك.  حبيبتي , لا تخافي ابداً “

وكلما صرخت ابنتها كانت تشير لها الّا تصرخ وتحاول احتضانها  وتهدئتها  ولكن دون جدوى فهي لا تسمعها ولا تشعر بها . أغضب صراخها المتواصل الأم فبدأت الطرق على حافة السرير وعلى دولاب الزينة فاهتزت المرآة بعنف حتى كادت ان تنكسر و الأمّ تصرخ: ” اصمتي.  أنا أمك. لا تصرخي .. “

دخل الابن في هذه الاثناء مهرولاً , قفز الى السرير واحتضن اخته التي كانت فزعة تحملق بكل ما يحدث حولها, ربت عليها في حنان بالغ قائلاً : ” لا تخافي حبيبتي لا تخافي.. “  هدأت قليلاً لكن ظلت انفاسها تخرج متسارعة من صدرها وهي تئنّ .. 

نظر الابن حوله على غير هدى نظرات مشتتّة في كل الاتجاهات والتقت نظراته صدفة بعين امه فظنت انه يراها أخيراً. صاح  غاضبا: ” اما ان ترحلي أو تبقي ساكنة فنحن نخاف منك يا أمي ..! “

كانت الكلمات قاسية.. احزنتها رغم أنها كانت تعرف انه محق.. 

في تلك اللحظة ظهر الشبحان الطويلان الملتحفان بالبياض و الابتسامة الهادئة المطمئنة ذاتها ترتسم على وجهيهما.. فتخاطرا معها متسائلين : ” أما آن أوان الرحيل ؟ “ 

نظرت بأسى الى ابنائها الثلاثة الذين كانوا يحتضنون بعضهم وعادت لتنظر للشّبحين ثمّ أومأت موافقة على الرحيل لتجد نفسها تسبح معهما في الهواء متراجعه بخفة وهي تنظر الى ابنائها نظرة مودع لتمرّ من الحائط و آخر كلماتها :

                                    ” لا داع للبقاء .. سلاماً أولادي .. “

 

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s