من رحم الرعب يولد الأمل ~ Hope through Horror

paranormal light art by ©Jane Parviainen

صالح الطائي

يبدأ وجود الإنسان الحقيقي من حيث تبدأ إنسانيته، فالبحث عن الأنسنة كان جزء من مشروع أسلافنا البدائيين القدماء، بعد أن استشعروا الأمان بوجود الآخر معهم، وما كان للبشرية أن تتطور لولا هذا الشعور الاجتماعي الأخاذ؛ الذي كان السبب في نشوء المجتمع والتمدن والتحضر.

والظاهر أن هناك من أدرك قيمة هذه الممارسة، ولذا راهن عليها من أجل أن يوظفها ليحقق من خلالها مكاسب شخصية أو فئوية، وقد نجح بعض هؤلاء في مصادرة الأمل من النفوس، ولكنهم عجزوا عن المحافظة على مكاسبهم، فروح الإنسانية أقوى من المصادرة، ولطالما حققت الانتصار حتى في أحلك الظروف، فخلال الحربين العالميتين اللتين أوصلتا العالم إلى حافة الانهيار، شاع اعتقاد لدى الناس أن الحياة لن تستقيم ثانية، والبشرية لن تجتمع بعد اليوم على رأي، ولكنها استقامت، ونجحت في التقدم، وأسست لمثابة انطلاق نحو المستقبل، فمن رحم المعاناة يولد الأمل. بعد أن أدرك الإنسان أن الشعور بالضياع الذي ينتابه حينما يبتعد عن المجموعة، هذا الإحساس المشترك لدى الجميع، وبعد أن أدرك أن هذا الشعور الإنساني الواعد، وظف من قبل أشرار كانت لديهم مشاريعهم، بثوا الرعب والخوف من خلال مناهج التخويف التي تبنوها، ساعدهم في ذلك الحاجة التي يشعر بها الإنسان.

إن هذا الأنموذج التطوري تمكن من الرسوخ في طباع البشر، وأعاد تجديد نفسه مرات عديدة في حقب مختلفة من تاريخ البشرية في بؤر ساخنة، كانت ترسم أمام الإنسان طريقين كلاهما ترتسم علامات الرعب على ملامحه، بحيث يشعر الإنسان أنه لا يملك خيارا سوى أن يرضخ للمشيئة الماثلة أمامه، ويسير في أحدهما أملا في أن يصل إلى مرحلة الانعتاق، وهي الرحلة التي لم ينجو منها سوى قلة، والمرحلة التي لم يفز بالوصول إلى نهايتها سوى الأقل.

وإذا ما كان هذا الأسلوب متاحا وفاعلا في الأزمنة الماضية بسبب محدودية الوعي الفردي والجمعي، ومحدودية عوامل التواصل، فمن الغرابة بمكان أن يتمكن من العمل في أجواء القرن الحادي والعشرين، تحت أي غطاء وأي شعار وأي دافع ومحفز، بعد أن وصلت الإنسانية إلى الحدود العليا للتحضر النموذجي. ولكنه مع ذلك مع كل تلك الموانع التي ظنها البعض حصينة، تمكن في جغرافيات محدودة من عالمنا من التسلل عبر منافذ الجمود؛ التي اتخذها بعض العرب والمسلمين ملاذات وعقائد للنجاة الأخروية الكاذبة التي يحلمون بها، حيث سواقي الخمور ومشاعية الجنس، فولدت الحركات الراديكالية المتطرفة، السلفية، الإخوان المسلمين، التكفير والجهاد، الجهاد والهجرة، القاعدة، داعش، تلك التنظيمات التي زرعت الرعب في النفوس على أمل الفوز بالجنان، فخلفت وراءها سيولا من الدماء والأشلاء والخرائب.

إن العالم لن يتخلص من مأزقه التاريخي إلا بعد ان ينجح في أنسنة بعض الشعوب والجماعات، وتخليصها من رواسب ماض ملوث بالكراهية والحقد، والرغبة في سفك الدماء، لأن حدود حرية الإنسان تقف اليوم امام مفترق طرق خطير بقدر ما يزرع فيها من الأمل، يزرع فيها من الرعب ما يتهدد وجودها.

ويبقى الأمل في أن تنتصر البشرية من جديد وتثبت أنها تستحق العيش بكرامة وحرية بعيدا عن كل أنواع الإكراه

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s