بيروت والقاهرة ~ Beirut and Cairo

Faraway Talent, Holy Trinity and Intellectual Property Rights

Emily Porter

Through my travels to the Middle Eastern Arab countries I realised I should tackle the issues mentioned in the above title.  In this title, I explained to the reader that I enjoyed the culture in both countries and it was a pleasure to meet Egyptian and Lebanese intellectuals with whom I discussed the above.

 المثمر البعيد – الملكية الفكرية – الثالوث المقدس 

قلم وتصوير إيميلي بورتر

المقدمة/ الجزء الأول

قبل أن أدخل في تفاصيل الكثير مما دار ما بين بيروت – القاهرة وبيروت ومنها الانغمار في النشر والمشاريع والنقاشات والتي وضعتها ضمن نقاط أو علامات ( بيروت/ القاهرة/ بيروت/ نتاج مثمر بعيد/ الثالوث المقدس/ حقوق الملكية الثقافية)، أعود بكم لما حكيت سابقاً عن مشاريعي، وهذه سطور عن ملصق “جدران بيروت تحكي” الذي سيصدر قريبًا أعيد تذكيركم بها، قلت

 بيروت تغمر القلب بالنشوة والبهجة. إنها الشابة اللعوب التي لا تنفك تغريك بأرضها المفروشة بالمواويل والخضرة، وتنتشي ثملاً بتلاطم أمواج بحرها التي تصدح بنغمات الميجانا والمجوز

كتبت ذلك عندما وجدت أن جدران بيروت ليست صماء خرساء، بل أنها تتحدث كثيرًا بطلاقة ولا تتوقف، كلّما أمر بشارع وأين ما كان، تتلقفني تلك الجدران وتفرض عليَّ نقاشًا حاداً، أحيانًا أجدني لست أهلاً له فأحاول تجنبه وأحيانًا أتعاطف معه مما يجعلني أقف مبهورة بتلك الحكاية التي ترويها لي الجدران. بلهفة وقبل أن أفقد الحكاية، أخرج كاميرتي لألتقط ما يقوله أي جدار لي ولا يهمني من ينتبه لي إن كان سائرًا أو راجلاً يستغرب وجودي

تجرّني بيروت وجدرانها بصخبها وضجيجها، وأزمة السير فيها إلى أن توقعني في فخ عشق حديث الجدران، حديث يتوزع ما بين الهم والضحك والتحدي، يحكي بذكاء ما يخشى الإنسان أن يقوله بصوته ليسمح للجدران المليئة بالخطوط والألوان أن تنوب عنه في بث شكواه، لوعته، حبه أو رفضه.أستمر العمل لمدة سبع من السنين في هذا المشروع بين إخفاقات وتلكؤات وتردد

 الآن أمامي عتاب من مدن أخرى: بغداد أولًا. وبغداد تدعوني وتقول لي

 “أمّا أنا فكما علمت         فهل لوصلك من معاد”

الموصل التي جرحت ونزفت قد رفعت رأسها متكبرة شامخة بعراقتها تغريني وتدللني قائلة: “يردلي يردلي سمرة قتليتني خافي من رب السما وحدي لا تخليني”

 ولكنّي أردّ قائلة أنّ جدران بغداد مجبولة بطين سومر وأكد، الطين المعمد بماء دجلة والفرات. لم يبقَ الكثير من طابوق بغداد على يد المغول ليكتب عليه، لكن الطين المملوء كتابةً يملأ أرض العراق كله، من جباله إلى سهوله، فأول مكتبة من الطين كانت في العراق، ومثلها في سجل بيوت سومر في أور فأغلبها غنية بكل المعلومات المكتوبة، لو نبشت أرض العراق في كل مكان، فستكلّمك  بلغات شتّى، برموز لغة ما قبل التاريخ وبالسومرية والأكدية والآشورية والكلدانية والحضرية والآرامية المندائية والسريانية. تحدّث العراق بكل لسان وحكى الكثير لذا سيكون ملصق بغداد غير الملصقات

أمّا القاهرة، فأنا أنتشي فيها. ذهبت إليها عدة مرات كزائرة فقط، نويت أن أتسلل خلسة، وأن أسرق اهتمام القارئ المصري من دون أن يعي وجودي،أكون كلصّة محترفة تعرف كيف تخترق العيون لتسرق الاهتمام وتصيده، حاملة كتبي التي نُشرت وطُبعت في القاهرة كطُعم للصيد، بهذه الحجة أقترب من جدران القاهرة لأستخلص منها حكايا.. إنْ وجدت

 كم تغمرني الفرحة عندما يستقبلني في مطار القاهرة الناشر الأستاذ إسلام شمس الدين بعد منتصف الليل أو في أي وقت ويهيئ لي لقاءات تلفزيونية ثقافية غنية لها ثقلها الثقافي والمعرفي وأتشرف بها. أولها كان عن روايتي (البلابل لا تغرد)، وثانِ عن كتاب (رسائل والدي)، وآخرها عن (الأميرة البابلية) الذي صدر في حلته الجديدة عن دار شمس ولاقى الكثير من الاهتمام. إلى هنا أكتفي وسأعود إلى تفاصيل أخرى بعد مرافقتكم في جولة بيروت ثم القاهرة

في بريطانيا حيث أستقرّ، أستمتع بالمسرح البريطاني بكلّ أبعاده وكل ما حولي من نتاجات ثقافية غنية جداً أدبية أو فنية، بعضها من دول أوروبية أو أجنبية، فبريطانيا مرتع خصب لتعدد النتاجات على اختلاف مناشئها وأصولها. المعارض تملأ الدنيا وكذلك العروض الموسيقية وحفلاتها التي تلائم تعدد الأذواق واختلافها، فأعيش ملء رغباتي غير محرومة من أي بعد فني ثقافي يغنيني في أي مجال، ولكن هناك دائمًا غصة في القلب تسأل: تُرى هل الإنسان العربي في بلده يتمتع بما هو متاح لي؟ أشدّ الرحال إلى بيروت ومنها إلى القاهرة لأستكشف أجواء ثقافية مختلفة ممتعة يبطنها الحنين ويغلفها حبّ الاستطلاع

معارض بيروت وصالاتها الفنية تملأ الدنيا بنتاجات متنوعة جدًا. هذا ما يزيد من متعة الحياة في مشاهدة أي معرض. لحسن حظي وبالصدفة دخلت قاعة عرض ووجدت لوحات أعادتني إلى صباي في بيروت، حيث أقمت أول معرض لي في غاليري وان Gallery One للشاعر المعروف يوسف الخال بتشجيع من الصديق الشاعر بلند الحيدري. حينها لفتت لوحاتي الاهتمام، فقد كان هناك خيط تشكيلي يربطني بفنان لبناني لم أعرفه ولم أسمع باسمه من قبل للأسف. في ذلك الوقت لم يكن الإنترنت يخطر على البال حتى في الخيال. جاءت الصحف تبحث عن شابة ترسم بشكل قريب من أعمال بول كراغوسيان الفنان اللبناني المعروف فالتقينا لأول مرة وتحدثنا بوجود الصديق الشاعر بلند الحيدري —الصديق الحميم لزوجي المرحوم يوسف

الآن، بعد هذه السنين الطوال، أدخل هذه القاعة وأجد أعمالًا فنية متميزة أعادتني صدفة إلى بول كيراغوسيان من دون أي سبب رغم أن أسلوبها مختلف وفيها الكثير من التجديد ومحاولات حداثية جريئة طليعية فعلاً. عندما استفسرت من مديرة القاعة عن تلك اللوحات قالت لي: هذه الأعمال لفنان ممتاز ومجدد، والده كان من الفنانين المعروفين والده اسمه بول كيراغوسيان. كم أنت رحبة يا دنيا صغيرة ومدهشة

إيميلي بورتر في الحسين، القاهرة-مصر

في القاهرة وقتي مشبع بالكثير من الزّيارات جديدة أو مكرّرة.  في زيارة سابقة كنت محظوظة بالتعرف على جورج البهجوري العبقري ومَثَلي الأعلى في الفن، كما حضرت عروض الأوبرا والتنورة ومسرحيات ومعارض أقل ما أقول عنها باذخة غنية. فتحتُ عيني على المجهودات الكبيرة والجادة في تقديم أعمال ناضجة شهية. تعرفت على ناس من مختلف الجنسيات، وكونت صداقات غنية. كنّا نقضي وقتنا نتواصل ونتناقش . السيدة سميرة ماضي لبنانيّة لا تخفي تعلقها بالقاهرة، استمتعنا بزيارتنا للأهرام ووسط القاهرة والغوري وعرض التنورة. أمّا الجلوس معها في الحسين فقد كان متعة لا توصف. تعرّفت على هنري البرازيلي الّذي جاء بوالدته السبعينية لتتنعم بحضارة مصر. كان الحديث معهما شائقًا ومتشعبًا عن الحضارات ومنبعها والمحافظة عليها ومبادرتي المسماة “أوقفوا المتاجرة بآثارنا” وسعيي المرهق الذي زرعته في أرض جدباء يباب، فالإنسان في بلداننا آخر ما يهتم به هو التاريخ والحضارة والآثار التي لو استثمرنا وجودها في بلادنا لأزددنا غنىً ماديًا ومعنويًا. ما زلت ألهث وأحضر مؤتمرات وألقي بريق ناشف محاضرات عن إرثنا الحضاري والتشبث به قبل أن يمحى من ذاكرتنا

مع البرازيلي هنري وأمه تحدثنا عن حريق المتحف في ريو دي جانيرو والألم الذي سببه لمصر والبرازيل. وعن متحف الفنون الإفريقية في ساو باولو وتأثيرات الفنّ الأفريقيّ في الفنون الأوروبية. الحديث عن الرقّ والغائه في البرازيل -رغم الكره للرق- قادنا لذكر الملكة الشابة التي منعته. كانت ملكة شابة بعشرة أسماء منها اليزابيث، ضحكنا كثيرًا من أن يكون لشخص ما من الأسماء عشرة. أما المتحف الوطني بعمارته البسيطة المبهرة في ساو بالو، فقد استحوذ على كل تقارباتنا الفكرية، هل ننسى بوليستينا افينو؟ إن ذلك الشارع لبلد بحاله

تغنيني سفراتي كلها، ولكنّ هذه السفرة كان لها مذاق خاص مطعم بالكثير والمثير، فلقد التقيت لأول مرة بالأستاذ الشاب محمد نبيل، كم كنت متلهفة للتعرف على الشباب ونشاطاتهم، من خلاله

اغتنيت بمعرفة هؤلاء الشباب وتجمعاتهم واهتماماتهم الثقافية الناضجة. حضرت مناقشة ديوان شعر، إذ أن محمد نبيل -الذي لا بديل لرفقته-  قال لي وهو يدعوني لمرافقته لمناقشة ديوان “سأمضي إلى العدم” في حديثنا العابر السريع والعميق إذ قلت لمحمد نبيل: إنّ جيلي والجيل الذي سبقني خذلناكم يا شباب، لم نؤثث لبنيان ونرسخه ونبنيه بأساس قوي عميق ركيز؛ بلّ، كنّا نطوف ونحلّق بأحلامنا ونرفع رايتنا وصراخنا للتأييد أغلب الأوقات أو نصمت وننزوي في أبراجنا أو في الزنزانات التي رمي بعض منا فيها، لم نعرف ولا السلطات عرفت أهمية التخطيط، كل شيء كان آنيّاً ارتجاليّاً. لم نحسب حساب المستقبل، وندخل أو نقتحم وجدان الإنسان وفكره. أعتذر منك ومن جيلك يا محمد نبيل، فقد سلّمناكم لقمة سائغة لجيوش الفكر الظلامي

 في رسالة له قال لي الصديق محمد نبيل: “عزيزتي إيميلي هذا آخر ديوان للشاعر الفلسطيني الكبير موسى حوامدة ستتم مناقشته غدًا بالمركز الدولي للكتاب في تمام الخامسة مساءً، وسوف أحضر المناقشة؛ فهل تحبين أن تأتي معي؟…” إنه بجوار دار القضاء العالي امتداد شارع شامبليون مع شارع 26 يوليو.

هذا رقم هاتفي

من الممكن أن نتواصل وآتي إليك ونذهب سويًا

من الممكن أن تبقي المدّة الّتي تناسبك ثم تذهبي إلى مواعيدك ونكرر اللقاء ثانية

كيف لي أن أرفض هكذا طلب؟

 حضرت ومحمد نبيل، وجدته واقفاً بباب المركز ينتظرني. انغمرت في جو مليء بالنقاشات ومفعم بالطروحات العميقة النفاذة المؤثرة، مناقشات عن الصياغة وأبعاد النص ومجريات القصيدة وما تضمر أوتعلن

بعدها كان عليَّ الذهاب إلى الفندق لأستعد للمقابلة التلفزيونية المتفق عليها مع قناة النيل الثقافية. النبيل محمد نبيل لم يتركني لوحدي، هو الذي أوقف التاكسي بعد أن ساعدني في أن أتبضع قطعة ضرورية لوضع نسخ كتابي (الأميرة البابلية). إنها ليلتي الأخيرة وأنا أستعد للسفر يوم غد. أوقف التاكسي قائلًا للسائق: أوصلها بسرعة، إنها غالية علينا

إيميلي بورتر أحمد سعيد المصري ود. أياد يوسف في النادي اليوناني، القاهرة-مصر

أما أحمد سعيد المصري، فكان منقذي من الملل والمجاملات غير الضرورية، إذ أن صحبة ما فُرضت عليَّ لم تمنحني سوى الاستمرار على رفض ما يماثلها وتجنبها بسبب مجاملات أقرب منها إلى النفاق. تحملتها بصبر وطول بال قدر الإمكان. كم تمنيت لو أعلمت مسبقًا بما كان قد خطط لي، اذاً، لاخترت الرفض تمامًا. كذلك فُرضت عليَّ سهرة لاحتفالية بالأوبرا مع ذات الصحبة المفروضة. في البدء اعتبرت دعوتي للأوبرا كرمًا ومجاملة رقيقة جدًا، إلاّ أن البرنامج الذي قدم كان غير محبب ولا رغبة لي فيه مطلقًا. لا يربطه بالأوبرا سوى المبنى. لقد كان أبعد ما يكون عن ذائقتي الموسيقية والغنائية. تحملته بمضض واستخفاف أو بتجاهل أغلب فقراته المملةخاصة الأخيرة، بشيء من المزاح وبكثير من الحقيقة: بصوت عال نسبيًا قلت للجمهور وأنا أضحك: يا ناس لا أعرف ولم أسمع بهذا المغني الذي تلهبون أكفكم تصفيقًا له، من هو؟ من يكون في قاموس الأغاني العربية الغنية وخارطتها؟ هنا سمحت بل رجوت لدمي الإنكليزي البارد أن يطغى، وأن أتصرف ببرودة مشوبة بالفكاهة الإنكليزية المعروفة، بقوة سيطرت على دمي العراقي الحار جدًا. قلت: لم أسمع بهذا الرجل. أنا أبعد ما يكون عن هذا النوع من الترفيه. إن ما يطربني هو كلمات وألحان وأصوات هؤلاء الّذين قدموا الفن الرّاقي: محمد محسن وعبد الرحمن محمد ومحمود صبح وشافية أحمد ومحمد منير وشادية وعبد الحليم حافظ  وسيد درويش. كما  تشدّني كلمات أحمد فؤاد نجم وزاهد محمد وسيف الدين ولائي وأحمد الخليل والشيخ إمام ومحمد عبد الوهاب وكل جديد موزون ذو قيمة عالية مثل فنّ فيروز وماجدة الرومي وناظم الغزالي، يوسف عمر، سمير بغدادي (وديع خوندة)، رضا علي، القبنجي، سليمة، مائدة نزهت، نهاوند، سعاد محمد، فائزة أحمد، ملحم زين، وديع الصافي، نصري شمس الدين،ِ مروان خوري والقائمة تطول لتشمل كل من يجيد المقام العراقي والقدود الحلبية والمواويل المصرية

 طاولت ذلك الوقت وصبرت عليه بحشو أذني بمانعات السمع وقلت: لنسلم الأمر لله عزّ وجلّ —والصبر طيّب

الوقت مع أحمد سعيد المصري رائع وثمين، متنوع يطرد الملل بعيدًا جدًا. معه زرت جامع أحمد بن طولون وملويته الّتي أعادتني إلى شوقي ولهفتي إلى سامراء وقصر العاشق والملوية، وإلى ما قبل التاريخ وفخاريات فسامراء ووجه الفتاة على جرة وغمزة عينيها الّتي ما زالت تشعل الرغبة فيَّ بأن أواصل دراستها والكتابة عنها ..ولي معها حكاية في الجزء الثاني

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s