..في البلاد التي ~ In the Land that..

Talib ©Abdul-Aziz

Painting ©Khalid Al Mudallal

Something is forcing you to stay in the land that has been destroyed because of series of wars and neglect.  It’s not a mere piece of mud you inherited from your father, but  the earth I kiss; the piece of land I call  “Mom”. 

طالب عبد العزيز

لوحة ©خالد المدلل

في البلاد التي يقضم الملح أطرافها مرتين في النهار والليل، في البلاد التي يلحف بائع العتيق بحنجرته الزنخة، منادياً على بضاعته في سككها وأوديتها، ويساومك الشرطي على مدفن أخوتك وأهليك، في البلاد التي إنْ عدّدت أسماءَها خانتك لغتك، وخذلتك المعاجم ما وجدتْ اليكَ سبيلاً، وفي البلاد التي ليس عليك إلا أن تبكي شرفاتها، وكانت منامة الشمس، وسادة الألم الخالدة، ثمة من يُجبرك على البقاء فيها، ثمة من يصيح قِطارُه بروحك: أرحلْ، إذهبْ..  ففي الارض منأى للكريم عن الاذى.

لكنها، ليست قطعة الطين التي ورثتها عن أبيك، ولن تكون كوخ السعف والجريد، الذي وُلدت في زاويته الميتة، أبداُ، وهي ليست المسافة القاتلة بين بقائك ورحيلك، لطالما حدثتني بحديث البقاء، ولطالما حدثتك بحديث السَّفر والهجرة، ثم أنني شرّقت وغرّبتُ في بلاد الآدميين، ووقفتُ على الصخور النائية بين المتوسط والاطلسي، على مياه الخزر وشواطئه الزرق، وهبطت وديان لا يعرف لها غور وركبت الفيلة في الغابات، وفي الاقفاص تضايقت من رائحة القتلة وفضلات الوحوش، فلم أجد العالم إلا فسحة ضيقة للأمل، سرعان ما تتقلص وتتلاشى، فقل لي إلى أين أذهب؟ كان محمود البريكان الشاعر يقول: “أوثر أنْ أظلَّ على جوادي، من مهبِّ ريح إلى مهبِّ ريح..” .

  لكنْ، ها أئنذا، من نافذة غرفتي أسمع صوت الجرّافة تزمجر، وأتطلع الى النخلة وهي تستسلم هاوية الى الارض، يُفزعني الصوتُ فألوذ بالستارة، كتانيةً وبتراب كثير، ومثل مفجوع بابنه تنفرط حبّات روحي على التراب، أروّضها بكأس من العَرَق القاتل، لكنْ، لا أحد يفزع معي، ليلمُّ  عنّي ما تطاير على الارض من دم السعف والشماريخ، يتامى الجذع المفرد أمام الحديد، وهم يقتفون خطو أمّهم في حزمة العروق والسعف والتراب، ومثلما يحُول المشيّعون بين أمٍّ ونعش ابنها، على طريق سبخة الى المقبرة، كانت الجرّافات تحول بين النخلة وفسائلها، تفصل هذا عن ذاك، وتمرّغ بالطين والحطب والحلفاء ما ظل يتفصد تباعاً على الجادة، لطالماً كنت آخذها الى الشط الكبير، بين عطر يُتفادى وبلابل تسبقني الى هناك.

أنا، كلُّ سكّة بلل المطر ترابها الى هناك، كل ترعة ملأها السكان الجدد بقناني الماء الفارغة والاطارات، أنا الحارس الذي خذلته اليقظة في ليل الشامتين، حامل المناجل الى هاجرة السباخ، حيث لا احد يحمل عنه الفوانيس الى هناك، بي من النأي ما لو فرقته على السكك التي بأبي الخصيب والزبير لوسعتها، وعندي من المجاذيف ما لو تناهبته الانهار لأخذ كل نهر ضالته منها، وبما لا يدركه الموج عندي من الشِّباك، الفّها كل ليلة على كواسج روحي وأنام، ما يتفلت منها يكفي لالتهام كلاب الصمت الذي تحيطني. هل أقول بانني ما زلت امسك طرف الحبل الغليظ الذي أوثقه السادة الخصيبيون الى شجرتهم الأولى؟ هل أستقوي بنخلة يأسي وهي تُقتلعُ وترمى؟ 

أنا السكون الذي يرين على ماكنة السقي، التي أوقفها صاحبُها يا ئساً على النهر، يوم حشرجَ الملحُ في قناتها التي بين القصب، والتي لم يبلغ السفرجلُ حائطها يوماً. أبينكم من يعي ما أقول؟ أبينكم من غرس فسيلاً ثم، وبعد ثلاثين حولاً شهد لحظة يبسه وموته؟ أدخلتم معي كوخ القصب والجريد، أرأيتم فاجعة ما أنا فيه، وقد وقفتُ بين منخلع من النخل ومهجور من المناجل والمذاري والثياب؟ بين صادق من الشجر ومكذِّب لما يحدث، بين سعفة وأخرى تقول لصاحبتها: أينك؟ بين قمر يتلعثم في الفضاء الذي انفتح تواً، أيَّ ثرى ألثمهُ لأقول له يا أمي؟

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s