موسوعة تاريخ البصرة ~ The encyclopaedia of Basra

Researcher Ahmed Burhan-ul-Deen Bashayan has released volume one of the Basra Encyclopaedia. This in-depth study covers the prehistory, the Ummayad and Abbasid Era, Mongolian and Turks; Ottoman and Persian Fight over Basra, the second Othman empire. Then it discusses the world wars and British rule. The revolution and what followed are recounted too. Not only are the references authoritative, but the researcher has studied the personal letters and documents of his grandfather and relatives —the well-known family of Basra, Bashayan. 

The research also covers the political and social life in Basra at all levels. 

أحمد باش أعيان

صدر عند حلول عام ٢٠١٩ عن دار الحكمة في لندن للدكتور أحمد برهان الدين باش أعيان “موسوعة تاريخ البصرة” بجزئها الأول دراسة ممحصة عم البصرة وتاريخيها الحضاري منذ ما قبل التاريخ وحتى يومنا هذا مستعرضاً وبتمعن الحضارات التي قامت على أرضها. إعتمد الدكتور على مصادر عربية وأجنبية بالإضافة إلى المراسلات الخاصة بأجداده وهم من أعيان البصرة تلك الني دارت بينهم وبين المسؤولين. ويجدر بالذكر أنّ الدكتور أحمد باش أعيان حاصل على الدكتورا في الرياضيات واللوغاريثمات من جامعة برايتون في بريطانيا

المقدمة

(بسم اللّه الرحمن الرحيم، والحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيّين، سيّدنا محمّد (ص

كانت (البصرة)، بالنظر لما تتمتّع به من الثروات المائيّة والزراعيّة الهائلة، والموقع الإستراتيجي على طرق التجارة والملاحة بين بلاد (فارس) (الهند) و(الصين) والخليج العربي وبادية شبه الجزيرة العربيّة و(العراق)، ذات أهمّيّة تجاريّة وعسكريّة وسياسيّة متميّزة على مرّ العصور، ممّا جعلها أيضاً مسرحاً من المسارح الرئيسيّة في العالم العربي  والإسلامي للحروب والغزوات والصراعات

بدأ العصر العبّاسي في العالم الإسلامي بتولّي (عبداللّه بن محمّد الكامل بن علي السجّاد بن عبداللّه بن العباس بن عبدالمطّلب (رض))، المكنّى ب(أبي العبّاس)، والملقّب ب”السفّاح”، سدّة الخلافة عام 132ه\751م، في (الحميمة)، وآنتهى بمقتل الخليفة العبّاسي السابع والثلاثين، (المستعصم باللّه)، إبن الخليفة (المستنصر باللّه)، على يد قائد المغول (هولاكو) وجيشه التتاري، عام 656ه\1258م، في (بغداد). وهكذا، فقد دام العصر العبّاسي مدّة تربو على الخمسة قرون، تعاقب خلالها على سدّة الحكم سبعة وثلاثون (37) خليفة، فيما تعاقب على ولاية (البصرة) خلال هذا العصر العبّاسي خمسة وتسعون (95) والياً

ورغم كون الدولة العبّاسيّة بعيدة كلّ البعد عن النموذج الإسلامي المثالي الّذي تجسّد في فترة النبوّة الشريفة والخلافة الراشدة في (المدينة المنوّرة)، فإنّ (البصرة) برزت وآستمرّت على مدى القرون الخمس من عمر الدولة العبّاسيّة، كمركز إقليمي، بل، في بعض الفترات، حتّى كمركز عالمي أحياناً، للعلم والثقافة والآداب والفنون، بما فيها العلوم الدينيّة. فقد أنجبت طائفة كبيرة ومتنوّعة من الفقهاء والأدباء والشعراء والفنّانين والعلماء في شتّى ميادين وفروع الحياة. وهذا يعود إلى قدرة المدينة وأهلها على إعادة تكوين أنفسهم وتجديد النسيج الحضاري للمدينة بعد كلّ كارثة وواقعة كانت تحلّ بالمدينة

وخلال الفترة الّتي توسّطت بين سقوط الدولة العبّاسيّة عام 1258م، وآحتلال الصفويّين الأوّل ل(العراق)، عام 1508م. أُغرِقَ (العراق) وماحوله من بلاد في دوّامة من الصراعات الدامية، والفوضى الإداريّة، والكوارث الأهليّة، فاقت في كمّها ونوعها كلّ ما كان قد مرّ بها حتّى خلال العصر العبّاسي المتأخّر

وقد قامت، ضمن هذه الفوضى العارمة والحروب الأهليّة والإقليميّة المهوّلة الـتي عصفت بالعالم الإسلامي عامّة و(العراق) خاصّة، أربعة سلالات مغوليّة-تركمانيّة حاكمة رئيسيّة، هي: الإيلخانيّة، والجلائريّة، ودولة “الخروف الأسود”، و”دولة الخروف الأبيض”. كما تخلّلت هذه الحقبة من تاريخ (البصرة) فترات من حكم وسيطرة (تيمورلنك) على (العراق) وما حوله. وكان نصيب (البصرة) من هذه المآسي والأهوال غير متكافئء، وذلك بسبب ما تتمتّع به من خيرات طبيعيّة وحضاريّة وآستراتيجيّة وبشريّة. ومن نتائج ذلك، تقلّص دورها العلمي والحضاري بشكل ملحوظ، رغم آستمرار وجود بعض العلماء والأدباء فيها، ورغم آستمرار البحبوحة الإقتصاديّة نسبيّاً في حياة أهلها

ظهرت الدولة العثمانيّة كدولة ذات آفاق توسّعيّة للمرّة الأولى في زمن (أرطغرل “الغازي”) عام 1231م (627ه)، وآنتهت رسميّاً في عهد الخليفة (عبدالمجيد الثاني)، عام 1924م (1324ه)، أي، أنّها دامت  سبعة (7) قرون. وقد تعاقب على سدّة السلطنة \ الخلافة العثمانيّة خلال تلك الفترة إحدى وأربعون (41) سلطاناً \ خليفةً. وقد خضع (العراق) للحكم العثماني على مرحلتين، كانت الأولى منها 1533-1623م (939-1032ه)، والثانية 1638-1914م (1047-1332ه)، كان مجموع طولهما ثلاثمائةً وستّةً وسبعين (376) عاماً. وقد تعاقب على ولاية (البصرة) خلال هاتين الفترتين من الحكم العثماني مائة وستّة وثمانون (186) والياً

أمّا الدولة الصفويّة، فقد كان أوّل ظهورها كدولة قائمة بذاتها في عام 1501م (906ه)، وذلك في زمن الشاه (إسماعيل الأوّل)، وآنتهت رسميّاً في عهد الشاه (إسماعيل الثالث)، الّذي عزله أحد كبار قادة جيوشه الأكراد، (كريم خان الزندي)، في عام 1773م (1187ه)، أي، أنّها لم تدم أكثر من قرنين وثلاثة أرباع القرن. وقد خضع (العراق) للحكم الصفوي أيضاً على مرحلتين، كانت الأولى منها 1508-1533م (913-938ه)، والثانية 1623-1638م (1032-1047ه)، كان مجموع طوليهما أربعين (40) عاماً. وقد تعاقب على ولاية (البصرة) خلال هاتين الفترتين من الحكم الصفوي ستّة (6) ولاة

لم تكن أصول الصفويين العقائديّة شيعيّة، كما أنّهم لم يكونوا من الفرس، بل أنّ كلا الدولتين، العثمانيّة والصفويّة، كانتا في الواقع من أصول تركمانيّة، وأنّه، بينما آعتنق العثمانيّون الإسلام قبل أن تصبح لهم دولة ومصالح سياسيّة، فإنّ الصفويّين تبنّوا المذهب الشيعي تحديداً عند إقامتهم لدولتهم

وخلال فترة الصراع الصفوي-العثماني هذه، أصبحت (ألبصرة) الجديدة بعد تأسيسها على أيدِ الأسر الرفاعيّة والعبّاسيّة وشيوخ (المنتفق) في مطلع القرن الميلادي الخامس عشر مركزاً دينيّاً وآقتصاديّاً وسياسيّا وعسكريّاً هامّاً، شبيهاً بمركز (البصرة) القديمة في العصرين الأموي والعبّاسي. كما انّها، نتيجةً لذلك، إستمرّت هدفاً لأطماع الحكّام والولاة والغزاة، المحلّيّين منهم والأجانب

في الوقت ذاته، تنامى دور الطرق الصوفيّة في العالم الإسلامي خلال تلك  الفترة ليصبح عاملاً محوريّاً في الحياة السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة والثقافيّة في المجتمع الإسلامي. وفي (البصرة)، كانت الطريقة الكوّازيّة أكثر هذه الطرق الصوفيّة عمليّةً وديناميكيّة، حيث أنّها أولت عناية خاصّة بالفقراء والمساكين والضعفاء في المجتمع، وكانت تعيش ظروف عصرها السياسيّة والعلميّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة، وتتبلور وتتفاعل معها ميدانيّاً. وعليه، فقد تبلور دور الأسرة العبّاسيّة-الكوّازيّة في (البصرة)، (آل عبدالسلام العبّاسي، باش أعيان لاحقاً)، ليصبح محوريّاً وحيويّاً في حياة أهل ولاية (البصرة) العظمى بأسرها، وكذلك في المناطق المجاورة

كذلك، شهد منتصف القرن الميلادي السادس عشر بداية ظهور القوى الأوروبّيّة، لا سيّما (البرتغال) و(بريطانيا)، وإلى حدّ ما (هولندا) و(فرنسا) أيضاً، في المنطقة العربيّة-الإسلاميّة، كقوى آقتصاديّة-عسكريّة، وبداية تبلورها كقوى آستعماريّة-آستيطانيّة

وفي العصر العثماني الثاني، كانت من الأحداث الهامّة الّتي شهدتها (البصرة) هي نهاية حكم آل (أفرأسياب) في عام 1669م (1080ه)، بعد عهد دام أكثر من سبعين (70) عام. كما أنّ الصراعات المحلّيّة والإقليميّة في داخل ولاية (البصرة) وما حولها على السلطة وعلى النفوذ في الولاية والمنطقة إستمرت طيلة القرون الثلاث الّتي حكم فيها العثمانيّون (البصرة) للمرّة الثانية، ممّا تزامن مع ظهور شخصيّات وسلالات محلّيّة وإقليميّة جديدة، لعبت أدواراً متنوّعة في مجريات الأمور وفي مصائر الناس في (البصرة)، سياسيّاً وآقتصاديّاً وآجتماعيّاً وثقلفيّاً ودينيّاً

كذلك تنامى صراع القوى الغربيّة الكبرى على الخليج العربي بصورة عامة، و(العراق) و(البصرة) بصورة أخصّ، خلال هذه الفترة العثمانيّة الثانية. وكان اللاعبان المتصارعان الرئيسيّان من بين هذه القوى الغربيّة الكبرى في الخليج العربي في بداية الأمر هما (بريطانيا) و(البرتغال). وقد كانت (بريطانيا) قد بدأت بإرساء نفوذها السياسي في الخليج العربي منذ تأسيس شركة (الهند الشرقيّة) البريطانيّة في عام 1600م. وسرعان ما تبلور لهذا النفوذ دعم عسكري بحري خطير. وقد تطوّر هذا النفوذ ليتّخذ، ولو بشكل شبه خفي وغير مباشر، بعداً سياسيّاً، في (العراق) عامّةً، و(البصرة) خاصّةً، منذ مطلع القرن الميلادي الثامن عشر، حيث أخذت (بريطانيا)، من خلال الشركات التجاريّة العاملة في (بغداد) و(البصرة)، ومن خلال سفرائها في (إسطنبول) وقناصلها في (بغداد) و(البصرة)، وكذلك من خلال الرحّالة الّذين زاروا المنطقة، بجمع معلومات دقيقة عن أحوال (العراق)، بما في ذلك (البصرة). ورغم تضاهرها بالوقوف موقف المحايد من الأحداث السياسيّة والإجتماعيّة في المنطقة، فإنّ تدخّلات (بريطانيا) الخفيّة بين الحين والآخر في مجريات الأمور كانت في كثير من الأحيان ما تؤدّي إلى تأثيرات هامّة في أوضاع المنطقة. لذا، فإنّه، حتّى قبل آندلاع الحرب العالميّة الأولى بثلاثة قرون من الزمن، وحتّى قبل سوء العلاقة بين (بريطانيا) والدولة العثمانيّة، بدأ النفوذ السياسي والإقتصادي البريطاني، وبدعم عسكري غير مباشر، يظهر في (العراق)، وخاصّة في (البصرة

كانت فكرة آحتلال (بريطانيا) ل(البصرة) قد أثيرت للمرّة الأولى عام 1906م (1323ه)، اي، قبل آندلاع الحرب العالميّة الأولى بثمانية أعوام. وقد كانت مسألة تقاسم أملاك الدولة العثمانيّة بين الدول الكبرى موضع تأمّل ودراسة في الأوساط البريطانيّة أيضاً حتّى قبل آندلاع الحرب العالميّة الأولى، أي، حتّى قبل نشوب العداء العسكري السافر رسميّاً بين (بريطانيا) والدولة العثمانيّة. بل وإنّ (بريطانيا) كانت منذ عام أو أكثر قبل اندلاع تلك الحرب قد قرّرت الإستحواذ على (العراق) تحديداً من بين تركة الدولة العثمانيّة، فور زوالها

وكما ذكرنا أعلاه، فقد كان البريطانيّون أخذوا في التعرّف على التكوين الإجتماعي والسياسي والسيكولوجي لجنوب (العراق) بشكل علمي ومفصّل منذ القرن الميلادي السابع عشر. يضاف إلى ذلك أنّ أبرز عوامل قوّة المشروع الإستعماري البريطاني كان الإيمان البريطانيّ الراسخ والواسع النطاق بشرعيّة وأحقّيّة القضيّة الّتي تكمن وراء ذلك المشروع، وهي قضيّة الإمبراطوريّة البريطانيّة كقوّة إستعماريّة عالميّة. وكانت من أبرز نقاط الضعف الّتي آستغلّها الغزاة البريطانيّون في (العراق)، هي وجود عناصر متنوّعة وشائعة من أصحاب النفوس الضعيفة ذات الإستعداد السهل للخيانة والغدر والتخلّي عن قضيّتها بل وعن أهلها لغرض الحصول على مكاسب مادّيّة أو سلطويّة. فكان الإنكليز، بدهائهم الفطري، يتلمّسون التصدّعات والتشقّقات الموجودة أصلاً بين العرب أنفسهم، وكذلك بين سائر المسلمين أنفسهم

كان المحرّكان الفوريّان لقرار (بريطانيا) آحتلال (البصرة) هما النفط والتنافس مع (ألمانيا) في النفوذ الإقتصادي والعسكري حول العالم. من جهة أخرى، فقد فوجيء البريطانيّون، كما تفاجأ بعض العراقيّين أنفسهم، من روح التضامن الصلبة والصميميّة بين شرائح عراقيّة تنتمي إلى خلفيّات متباينة، مذهبيّاً ودينيّاً وعرقيّاً وطبقيّاً وقبليّاً وجغرافيّاً، في آتّحادهم المتماسك للتصدّي للعدوان البريطاني على أراضيهم

وقد كان هناك، طيلة فترة الإنتداب البريطاني على (العراق)، تيّاران رئيسيّان في أروقة السلطة البريطانيّة في (العراق)، أحدهما يرى في إقامة دولة مستقرّة ومزدهرة وحليفة ل(بريطانيا) هدفاً آسترتيجيّاً للمصالح البريطانيّة، والثاني يرى في ذلك خطراً ينذر بخروج (العراق) عن سيطرة (بريطانيا). ورأينا كيف حاول التيّار الثاني وضع عراقيل وعقبات أمام تكوين ونموّ الدولة العراقيّة الناشئة الّتي أقامتها (بريطانيا) بوصايتها، ولكنّ الغلبة كانت للتيّار البريطاني الأوّل. إضافة لذلك، جرت محاولات لفصل (البصرة) عن سائر (العراق) من قبل بعض الشخصيّات العراقيّة الّتي كانت تتوجّس من الفوضى والظلم والفساد الّلذين سيسودا دولة عراقيّة عربيّة مستقلّة مقرّها (بغداد) وتكون (البصرة) جزءاً منها. في الوقت ذاته، إستمرّت محاولات بعض الإتكليز في (البصرة) التحكّم، ولو بشكل خفيّ وأدقّ من ذي قبل، في مجريات الأمور، وكذلك في إثارة النعرات المذهبيّة والدينيّة بين الأهالي

ورغم كون أهل (البصرة) غير متحمّسين لآختيار (بريطانيا) للملك (فيصل الأوّل) وأسرته لحكم (العراق)، فإنّهم سلّموا بالأمر الواقع، وآنصرف عدد كبير منهم للمساهمة في بناء الدولة العراقيّة بكلّ مؤسسّاتها المدنيّة والسياسيّة. ونتيجةً لذلك، بدأت تظهر براعم بذور تأسيس الدولة العراقيّة الناشئة، والواعدة بمستقبل زاهر لكلّ العراقيّين، سياسيّاً وآقتصاديّاً وثقافيّاً وصحّيّاً، رغم كل تحفّظات العراقيّين المذكورة أعلاه، وآستيائهم من الغزو والإحتلال والإنتداب البريطاني وطريقة آختيار الملك أو الرئيس

وهكذا، ففي ظلّ هذه الظروف المركّبة، ورغمها، تبلورت مشاريع البنية التحتيّة والإنمائيّة وترسّخت مؤسّسات المجتمع المدني في (البصرة)، كما في سائر (العراق)، رغم كلّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة الّتي جابهت (البصرة) وسائر (العراق). وقد نضجت مؤسّسات الدولة العراقيّة الحديثة بشكل ديناميكي، حيث شهدت (البصرة) موجة إصلاحات وتطويرات هامّة على كلّ صُعُد حياة مواطنيها. كما أثبتت فترة الشهرين الّتي شهدت حركة (رشيد عالي الكيلاني) عام 1941م، والّتي كانت من أحلك الفترات في تاريخ (البصرة) منذ الإحتلال البريطاني عام 1914م، صلابة أبناء (البصرة)، وأعادت تأكيد وجود شخصيّات قياديّة ذات مباديء قويّة ومثل عليا، ساعدت المدينة على آجتياز المرحلة بسلام، رغم ما حدث فيها من آضطرابات وقلاقل وضحايا في بداية الأمر بسبب الفراغ الأمني والإداري، ورغم تنصّل وتخاذل البعض ممّن كان يفترض فيهم القيادة والصمود

وقد شكّل  آنقلاب 14 تمّوز 1958 منعطفاً مفصليّاً بعيد الأثر في مستقبل (العراق) عامّةً، و(البصرة) خاصّةً. فقد تغيّر تركيز الحكومات الإنقلابيّة من أولويّات وأهداف الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي، والّتي كانت ترتكز أساساً على بلورة مؤسّسات المجتمع المدني وتطوير البنى التحتيّة ونشر التعليم ورفع المستويات الصحّيّة والمعيشيّة لعامّة الناس، إلى الهواجس الإنقلابيّة ال”ثوريّة”، وهي هواجس أمنيّة وعسكريّة وسياسيّة، بما في ذلك خدمة الشعارات الأيديولوجيّة ومصالح السلطة العسكريّة والحزبيّة والفئويّة

ومن جملة ما يمكن أن يستدلّ منه على آثار هذا التحوّل على أوضاع (البصرة)، هو ضحالة ومحدوديّة إنجازات بلديّتها ومتصرفيّتها في فترة ما بعد الإنقلاب قياساً على ما كان الوضع عليه قبل الإنقلاب. هذا، علماً أنّ موارد الدولة العراقيّة النفطيّة بعد الإنقلاب أخذت في التزايد بآضطراد، كما أنّ مشاريع مجلس الأعمار الّتي وُضِعَت وصُمِّمت وخُطِّطَ لها وتمّ تنفيذ أكثرها خلال العهد الملكي، بدأت تأتي أُكُلها أكثر فأكثر حتّى ما بعد وقوع الإنقلاب بفترة طويلة. وهكذا، فبعد عقود الإستقرار الأمني والمعيشي والإزدهار الإقتصادي العام الّتي شهدتها (البصرة) في معظم فترة العهد الملكي، أصبح الجوّ العام فيها بعد الإنقلاب جوّ توتّر وآستقطابات وخوف ورعب وشكوك وأحقاد وكراهية وفوضى

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s