كوخ العم نجم

منتهى عمران

“كوخ العم نجم” رواية للكاتبة المغتربة فاتن الصراف، وهي ثاني إصدار لها بعد كتابها الأول “شجرة البمبر”.. الرواية واقعية تماما وتعتبر تسجيلا وثائقيا لفترة زمنية محددة ما بين ١٩٧٩ ولغاية ٢٠٠٨ تتمحور أحداثها عن شخصيات من مدينة الكاتبة وهي البصرة وما جرى عليهم في هذه المدينة من ويلات الحروب وتعسف نظام الحكم السابق وفترة ما بعد التغيير عام ٢٠٠٣. أدارت الكاتبة دفة روايتها بذكاء بربطها ما بين شخصية الرسام العالمي فان كوخ وبطل الرواية العم نجم وكوخه، مستغلة العامل المشترك بينهما وهو فن الرسم لتجعل الرواية تسير بخطين متوازيين ما بين البصرة وامستردام بانتقالات سلسة معتمدة على استرجاع الذاكرة للأحداث من قبل الراوي العليم وهو شخصية إيناس التي تعد من الشخصيات الرئيسة، إلى جانب صديقتها خديجة.
لم تشتغل الكاتبة على التوصيف التفصيلي المطوّل سواء للأماكن أو الشخصيات ولم تتكئ على طرح الأفكار والطروحات النقدية بل كان جل اهتمامها ينصب على الحكاية وسرد الأحداث معتمدة على عنصر التشويق والأحداث المفاجئة المتسارعة مختصرة فترة طويلة مشحونة فيها من التفاصيل الدراماتيكية ما يجعلها مجموعة روايات داخل رواية واحدة، لكنها تجنبت الوقوع في فخ التفاصيل المملة أو الفراغات والفجوات التي ترهل النص الروائي أو تجعله غير مقنع فجعلت لها بداية قوية مثيرة للتساؤلات ونهاية أقوى لبطل الرواية العم نجم.
أما عن الكوخ فقد وظفته الكاتبة جيدا وجعلته محورا مكانيا مهما تنطلق منه معظم خيوط الرواية منذ بدايتها حتى النهاية. هذا النوع من الروايات الذي ينتمي الى الواقعية يعد التاريخ جزءا مهما فيها وهو عادة ما يكون مكتوبا للأجيال القادمة التي تحاول أن تستكشف الماضي وما جرى فيه وستكون وثيقة مهمة بهذا الإتجاه وهو ما دأب على الاشتغال عليه الكثير من الساردين العراقيين.
سجلت الكاتبة بهذه الرواية حضورها في الوسط الأدبي ولا سيما الروائي وستكون فاتحة لها لروايات أخرى فقد تمكنت من تقنياتها السردية وفتحت أبواب السرد لتلعب أكثر على عناصر تقنية جديدة دخلت إلى رواية الحداثة وما بعدها. فالكاتبة اعتمدت على ذاكرتها كبصرية وعلى علاقاتها في دول الاغتراب للاستفادة منها في كتابة الرواية وربما كونها امرأة عملية بصفتها مهندسة جعلها تهتم كثيرا بحبكة الرواية التقليدية واهملت جوانب أخرى أظنها ترغب بقولها والتعبير عنها لو اتسع لها الوقت. لكنها غرست بذورا ستغدو اشجارا نقطف ثمارها في روايتها المقبلة.
رواية كوخ العم نجم لن تستغرق طويلا لتقرأها ولن تحتاج الكثير للكتابة عنها فهي من نوع الروايات التي تطرح نفسها بوضوح غير قابل للتأويل والتفسير المتعة في القراءة ميزتها الأهم وقد نالتها بجدارة.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s