متى يتّعظ الحاضر المتهوّر من الماضي الحكيم؟

ماري الحصري

وقف كلٌ منهما على أبواب المستقبل ينظر إلى الأفق الداكن بلونه الناري الأقرب إلى الإحمرار، يقترب منه الظلام رويداً رويداً.

أحدهما منتصب القامة، متأنّق بلباسه النظيف الذي لا تشوبه شائبة، مفتخر النظرة يشبك يديه خلف ظهره ويشدّ رأسه إلى الأعلى، معتزّ بنفسه… إنه الحاضر!

إلى جانبه، رجل كهلٌ أحنت ظهره سنوات من التعب والإرهاق والهموم، وخطّت الاحداث بحلوها ومرّها خرائط دهر، أو بالأحرى دهور، على محيّاه ويديه. يسند يسراه خلف خاصرته ورأسه مطأطأ ينظر إلى الأرض، إلى الجذور… إنه التاريخ!

يكسر الحاضر الصمت بينهما، ينظر إلى التاريخ بنظرة ملؤها العتب والأسى من جهة، والتكبّر والافتخار من جهة أخرى، ويقول: “كيف لك أن تنظر إلى المستقبل بعد كل ما فعلته بنا؟ ألا يكفي أننا اليوم نصلح ما أورثتنا إيّاه؟ فلولاي أنا لما كنا اليوم ننظر إلى المستقبل!”

بقي التاريخ صامتاً يصغي إلى حديث الحاضر، ثم تنهّد قليلاً، رفع رأسه لتظهر تجاعيده التي كادت أن تحمي ملامحه يلقي بنظره إلى الحاضر الذي لا يزال يقف باعتزاز وفخر!

فيسأله: “كم عمرك يا صغيري؟”

“كم عمري؟” يكرّر الحاضر السؤال باندهاش، ويسأل “لمَ هذا السؤال؟” وهو بالكاد يعرف الجواب، إذ لم يخطر في باله أن يحسب عمره.

يبتسم التاريخ ويقول “أسألك فضولاً، رغبة مني في معرفة خبرتك السنوية، اليومية أو حتى اللحظية!”

يرتبك الحاضر وتعلو وجهه ملامح الحيرة وقد انخفضت أكتافه المنتفخة وجاورت يداه جسمه المرتخي من اعتزاز الوقفة. لم يجد جواباً لسؤال التاريخ! وكيف له أن يجيبه وهو في كل لحظة وثانية يتبدّل عمره، أيحسب الدقائق الفائتة؟ ولكنها زادت من عمر التاريخ! أم يحسب الدقائق المقبلة؟ ولكنها تنقص من عمر المستقبل!

يعود الصمت ليكون سيد الموقف بينهما، فيعود التاريخ ويتنهّد ناظراً إلى الحاضر الحيران والخجلان، ويقول له “يا بنيّ إن عمرك لا يهمّ، فالعمر يقاس بالخبرات لا بالدقائق والأيام والسنوات. إن سألتني عن عمري فلن أتمكّن من الإجابة، وإن سألت المستقبل عن عمره، لن يجيب بدوره أيضاً! أترى ما فات من احداث؟ كلّها خزّنتها في دفاتر وكتب، ودوّنتها في سطور وخططتها بأحرف لوّنت بالأحمر أحياناً، والأسود أحياناً أخرى، وبعضها بالأبيض”.

تفاجأ الحاضر من كلام التاريخ ورمقه بنظرة ازدادت حيرة وفضولاً، وسأله بتعجّب: كل هذا ولا تعرف ما هو عمرك؟

يجيبه التاريخ “نعم، لا أعرف! وقد لا أعرف أبداً! فكل مرّة تنقص منك لحظة تزيد من عمري لحظة، وكل حدث يزيد من تجاعيدي ويحني ظهري أكثر!”

يبقى الحاضر يصغي بشوق إلى حديث التاريخ الذي يتابع: “لقد حفظت الأسماء والأوقات والاماكن والأحداث عن ظهر قلب. قدّمتها لك لكي تتعلّم منها! حافظت على المعلومات مصانة وحقيقية ووهبتك إياها لتتعظ منها! كشفت الأسرار والخفايا وجعلتها في متناول يديك لتتصرّف بها!”

يقاطعه الحاضر متسائلاً “وما دخل كل هذا بعمري؟ كيف لي أن أستفيد وأفيد إن كان لا عمر لي؟”

يبتسم التاريخ مجدداً ويقول له: “إن عمرك من عمري!”

فتزداد حيرة الحاضر، ويستدير نحو التاريخ فاتحاً يديه، منحنياً بجسمه، ويسأله “كيف يكون هذا؟ أنا شاب يافع وأنت رجل كهل؟ كيف لنا أن نكون في العمر نفسه؟”

يبقى التاريخ هادئاً ينظر هذه المرة إلى أفق المستقبل، ويجيب: “إنك جزء مني، فما قدّمته لك خالد في ذاكرتك، لذا فأنت تكمّلني! أنا غذاؤك اليومي، مني تستقي مواقفك وعليّ تلقي لومك، وبي تحقق أمنياتك وطموحاتك! من خلالي تصحّح الأخطاء وبفضلي تحتفي بالمناسبات وتحيي المهرجانات والاحتفالات! ولكنك لا تعي ذلك، لأنك يافع تهوى المغامرة، متسرّع أحياناً، وعنيد أحياناً أخرى. كم من احداث تكرّرت ولم تتعلّم منها! وهل عبارة التاريخ يعيد نفسه كانت مجرّد شعار لا ثوابت له؟”

يتابع التاريخ: “أترى؟ نحن في العمر نفسه ولكن الفرق أنك تملك المستقبل قبل أن تتحوّل إلى تاريخ، لذا إبحث في جوفك عن تاريخك لتبني مستقبلك بشكل أفضل”.

ينظر الحاضر إلى التاريخ وقد بدا عليه التعب وهو لا يزال حائراً، غارقاً في تحليل ما سمعه. يتكئ التاريخ على عصاه، يتحرّك ببطء ويستودع الحاضر، قائلاً: “ها قد زدت من عمري يوماً، حلّ الظلام وانتهى اليوم، ولكنك كسبت يوماً جديداً، استفد منه وأراك غداً في موعدنا اليوميّ هنا! عليّ الآن أن أحفظ ما حمّلتني إياه!”

وغادر التاريخ مثقل الخطوات وقد حمل معه الأحداث التي تركها الحاضر له، ليبقى هذا الأخير غارقاً في أفكاره أمام الأفق المظلم.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s