Hafsa Al-Omary ~حفصة العمري

Co-Writers: Basil Thanoon Al-Khayat and Asdaa A.Hamid Al-Tuhafi

Abstract

This article sheds light on the personality of an Iraqi woman whose martyrdom in the Al-Shawaf revolution in Mosul 1959 sparked a wide debate in different media. Her martyrdom was also an inspiration for writers and poets. The great poet Badr Shaker al-Sayyab has honoured this martyr as one of his legendary symbols in modern poetry.

The martyrdom of Hafsa al-Omari gave rise to mixed reactions. The story of her martyrdom was subjected to different political currents, each reflecting its own perspective. In order to identify the reality of this historical event, of which there are numerous versions, face-to-face  interviews were held with her sister and brother, who witnessed the tragedy and lived to tell the tale. Six decades after her death, they are her apologists. In this article they give a precise account of the reality of her family at the time.

The article also discusses the relationship between the Hafsa’s family and the royal family in Iraq and some reactions to martyrs, martyrdom and their legacy. It also presents three poetic models of poems dedicated to her, as well as some rare historical pictures.

في الذكرى الستين لاستشهادها

بقلم: الأستاذة أصداء عبد الحميد التحافي

والأستاذ باسل يونس ذنون الخياط

الملخص

تُسلّط هذه المقالة الأضواء على شخصية نسائية عراقية أثار استشهادها في ثورة الشواف في الموصل سنة 1959 جدلا واسعا في أوساط مختلفة، و ترك بصماته على جوانب سياسية وثقافية وأدبية مختلفة، كما أنّه كان مُلهما للأدباء والشعراء. وقد وظّف الشاعر الكبير بدر شاكر السياب هذه الشهيدة ضمن رموزه الأسطورية في الشعر الحديث.

لقد كان لحادث استشهاد الشهيدة حفصة العُمَري ردود فعل متباينة، وخضعت قصة استشهادها لأمزجة التيارات السياسية المختلفة: كلٌّ يعرضها وفق منظوره الخاص. وبغية التعرّف على حقيقة ذلك الحدث التاريخي الذي تعددت رواياته، فقد قمنا بإجراء  لقاءات شخصية مع أخت الشهيدة وأخيها اللّذين شهدا وقائع تلك المأساة وعايشاها ليقدّما شهادتهما الحية بعد مرور ستة عقود على استشهادها، و ليعطيا صورة دقيقة عن واقع عائلة الشهيدة في ذلك الوقت 

كما تتحدث المقالة عن علاقة عائلة الشهيدة مع العائلة المالكة في العراق وبعض ردود الأفعال لاستشهاد الشهيدة ونصبها التذكاري، وتُقدَّم ثلاثة نماذج شعرية لشعراء كتبوا عنها، كما تُنشر صور تاريخية نادرة ذات علاقة غير منشورة من قبل.

في أواسط القرن العشرين تعرضت الموصل الحدباء الى محنة كبرى نتيجة لصراع تيارات سياسية قومية ودينية من جهة وماركسية شيوعية من جهة أخرى ، وتحول الصراع السياسي إلى صراع دموي رهيب واسع النطاق. كان الثمن الذي دفعته الموصل باهظا يتمثل بفقدها العديد من أبنائها وبناتها وتشرذم أعداد أخرى وهجرتهم الى مدن أخرى داخل العراق وخارجه. في يوم السبت 9 آذار 2019 مرت علينا الذكرى الستون لاستشهاد شهيدة العراق البطلة حفصة العُمَري التي دفعت حياتها وهي تتصدى للغوغائيين دفاعاً عن والدها وبيتها.

ثورة الشّوّاف

هي حركة قام بها مجموعة من (الضباط الأحرار) في الموصل وكركوك بعد انفراد الزعيم عبد الكريم قاسم واستحواذه على السلطة بمساندة الشيوعيين. ففي فجر يوم الأحد 8 آذار 1959 من العام التالي لسقوط الملكية بانقلاب 14 تموز 1958 أعلن آمر موقع الموصل العقيد الركن عبد الوهاب الشواف (1916-1959) بقرار متسرع الثورة على الزعيم عبد الكريم قاسم، وارتكب الشواف خطأً فادحا حين بقي في مقرّه في الغزلاني، فقامت طائرتان بقصف مقر الشواف الذي اصيب ونُقل على اثرها الى وحدة الميدان الطبية، وتبعه الغوغائيون وقتلوه ففشلت الثورة.

   وفي يوم الاثنين 9 آذار 1959 تحركت مجاميع من فصائل متعددة من أطراف الموصل وسدّت الطرق المؤدية إليها ومنعت الإمدادات الى المدينة. بدأت حشود الميليشيات المؤيدة لقاسم بدخول المدينة ورمت بأنفسها في المعمعة ضد الموصل وأهلها الآمنين المسالمين، فانهار كل شيء بسرعة. استبيحت المدينة خلال ثلاثة أيام حيث شهدت أحداث عنف وفوضى وقتل وسلب ونهب وسحل جثث وتعليقها على أعمدة الكهرباء، وطال القتل الميسورين وعوائل وشخصيات معروفة، وكانت أياماً عصيبة وصعبة لا يزال يتذكرها كلّ من عاصرها.

عائلة حفصة العُمَري

حفصة العُمَري من عشيرة العُمَري العريقة، وتمتد بأصولها الى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أحد ابناء عشيرة العُمَرية رُشّح ليكون ملكاًعلى العراق، وهو هادي باشا العُمَري (1860- 1932)، لكنّ الانكليز فضّلوا فيصلاً عليه.  

جدها عبد الله رفعت العُمَري كان مديراً لبلدية الموصل وأديبا وكاتبا واشتغل في الحركة الوطنية. خلّف ولده الوحيد علي العُمَري وخلَّف علي العُمَري ثلاثة أولاد: حفصة (مواليد 1937) ودُرَّة (مواليد 1948) وعاصم (مواليد 1952).

كانت تربط عائلة علي العُمَري علاقة صداقة وثيقة مع العائلة المالكة في بغداد ويتبادلون الزيارات والهدايا، وعندما توفي عبد الله رفعت العُمَري سنة 1958 قبيل انقلاب 14 تموز بأشهر معدودة، جاء الملك فيصل الثاني إلى الموصل ووضع إكليلاً من الغار على قبره.

الشهيدة البطلة حفصة العُمَري 19371959

كانت حفصة العُمَري شابة في غاية الجمال والعفة والشجاعة، أبوها الحاج علي عبد الله رفعت العُمَري وأمها من العشائر السبعة في عقرة. وكانت حفصة متعلقة كثيرا بوالدها الذي رباها تربية خاصة وعلّمها الفروسية والرماية وركوب الخيل، كما كانت حنونة وتمتلك عاطفة جياشة ومثقفة ومولعة بالأدب والشعر.

كانت حفصة في سنة استشهادها ذات 22 ربيعا، مخطوبة الى الشاب وفيق الصابونجي وعلى وشك الزواج منه، وكان جهاز العروس (حمالتها) مشدودة في بيت أهلها ومهيّأة لنقلها الى بيت خطيبها لقرب موعد زواجهما. وكانت تسكن مع أهلها الميسورين في منطقة الغزلاني مكان شرطة النجدة الحالية، أما عائلتها فمسالمة مستقلة لا علاقة لها بالأحداث الجارية آنذاك.

بعد مقتل الشواف وفشل الثورة عمَّت الفوضى الشارع الموصلي وحدثت انشقاقات بين صفوف القوات المسلحة وبدأ الهجوم على بيوت الأغنياء ونهبها، وبدأ القتل والذبح في الشوارع، وبدأ التمثيل بالبشر المقتول وسحله في الشوارع تحت شعار (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة). 

زيارة خاصة لعائلة الشهيدة الخالدة حفصة العُمَري

 

Assim Ali Al-Omary.png
Sheikh Assim Al-Omary

لقد تشرّفنا بالتعرف الى الشيخ عاصم علي العُمَري، الشقيق الأصغر للشهيدة حفصة وشيخ عام عشيرة العُمَرية في العراق وأمين أنسابها، وقد التقينا به وبشقيقته دُرَّة في داره في الموصل للاطلاع عن كثب عما جرى يوم استشهاد أختهما  المصادف يوم الأثنين 9 آذار 1959والموافق 29 شعبان 1378هـ.

وكانت لهذه الزيارة أهمية خاصة للتعرّف على حقيقة ذلك الحدث التاريخي الذي تعددت رواياته حتّى أصبحت قصة الشهيدة أشبه بقميص عثمان: كل جهة ترويها وفق مصالحها ومزاجها، حتى وصل الأمر الى إذاعة “صوت العرب” من القاهرة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ومذيعها الشهير أحمد سعيد (1925- 2018)م أيام المد الناصري. والشيء الذي يدعو الى الأسف قيام بعض المحسوبين على الموصل بتقديم تبريرات سخيفة لقتلها لا تنسجم مع المنطق ولا الواقع بدلاً من تقديم الاعتذار عن تلك الجريمة النكراء.

تحدّث الشيخ عاصم العُمَري بألم شديد ومرارة عن ذلك اليوم الأسود حيث كان عمره سبع سنين، وذكر أنه كان في بيتهم الواقع قرب باب معسكر الغزلاني هو ووالده الشيخ علي أفندي العُمَري ووالدته وشقيقتاه حفصة ودُرَّة. وكان بيتهم من القصور الراقية تبلغ مساحته 1200 متر مربع في مقدمته تمثال وسنادين على شكل كفة ميزان، وكانت واجهته جميلة وأنيقة تضم أعمدة من المرمر الأبيض. أما جهته الخلفية (الطَوْلة) فكانت مخصصة للحيوانات وفيها خيول عربية أصيلة وكلاب (سلوقيّة) للصيد وطيور من أصناف نادرة.

 يقول الشيخ عاصم العُمَري: في ذلك اليوم الأليم تجمهر الغوغائيون حولنا بقصد نهب البيت، وفيهم مسلحون بأسلحة يدوية وبنادق صيد، واقتحموا الجهة الخلفية للبيت وكسروا الباب وقتلوا الكلاب السلوقيّة وبعض الحيوانات ثم سرقوا الخيول. كما قاموا بحرق سيّارتنا الحديثة آنذاك، وهي سيارة فورد رقمها 37، ثم كسروا الباب الكبير للبيت، عند ذلك تصدى لهم والدي علي أفندي العُمَري وبيده مسدّسه تحسّبا لحماية بيته وعِرضه ومعه أختي الكبرى حفصة وبيدها بندقية برنو قصيرة لتحمي والدي.

 أطلق الوالد اطلاقات تحذيرية فوجّهوا النيران اليه فخرّ صريعا، ثم حملوا صخرة وشجّوا بها رأسه ثم بتروا كتفه من الأعلى. وأرادت حفصة الدفاع عن والدها فأصابوها بإطلاقة في صدرها أردتها في الحال، ثم قاموا بقطع اصبعها ليسرقوا خاتم الخطوبة الماسيّ. أما ذراع والدها فعلقوه على عمود كهرباء في منطقة باب الجديد، وأما جثّته فسحلوها ثم علقوها أمام باب معسكر الغزلاني.

وأما عن مصير باقي أفراد العائلة المنكوبة فيقول الشيخ عاصم العُمَري: وقفنا أنا وأمي وأختي دُرَّة  مذهولين مرعوبين من ذلك المشهد المرعب المخيف وأنا ابن سبع سنين، ثم بدأت اطلاقات من بندقية صيد تتوجه نحوي، فوضعتُ كفي الأيمن والأيسر على وجهي لحمايته، فأصابتهما خراطيش، وقد أراني كفَّيه الأيمن والأيسر فوجدتُ فيها مناطق متقرّنة بسبب تلك الخراطيش.

ويواصل الشيخ عاصم العُمَري حديثه قائلا: ثم دخل ناس شرفاء البيت وقاموا بتهريبي أنا وأمي وأختي دُرَّة  من الباب الخلفي وأخذونا الى منطقة باب جديد حيث أودعونا هناك عند عوائل ليس لنا معها معرفة سابقة.

لم أتمالك نفسي وأنا أسمع قصة تلك المأساة الكبرى وبقيت تلك الأحداث في مخيلتي لأيام عدة ولعنتُ كل أولئك الذين كانوا سببا في مآسي ومعاناة الشعب العراقي الصبور على طول تاريخه المليء بالمآسي والنكبات.

نصب تذكاري للشهيدة حفصة العُمَري

60265570_2553768971516833_7253799003840577536_n

لقد كان لحادث استشهاد حفصة العُمَري ووالدها ردود فعل قوية داخل العراق وخارجه، وعلى كافة الأصعدة الرسمية والشعبية فضلا عن الأدبية-الشعرية على وجه خاص- كما سنبيّن ذلك لاحقا. يقول الشيخ عاصم العُمَري إنّ الرئيس المصري جمال عبد الناصر أرسل للعائلة برقية بعد الحادث يدعوها للتوجه الى مصر والعيش فيها تحت رعاية الحكومة المصرية، إلا أن العائلة بقيت في الموصل.

تحدث الشيخ عاصم العُمَري عن النصب التذكاري الذي أقيم للشهيدة حفصة العُمَري في الموصل في التسعينيات والذي كان موجوداً قرب دورة الصديق في باب جديد، وذكر أنّ النصب تمّ عمله من البرونز الخالص في إيطاليا من قبل بلدية الموصل، وقد سُرق خلال أعمال السلب والنهب عند احتلال العراق سنة 2003 ونُقل الى الشمال ومنه الى خارج العراق.

الأسطورة حفصة العُمَري على ألسِنة الشعراء

   بعد استشهاد حفصة العُمَري بأربعين يوما كتب سليمان العيسى من حلب في 21/4/1959 قصيدة طويلة عنوانها “حفصة العُمَري” قال فيها:

الرصاص المسعور يحصد أهلي … ويغطي  بالحشرجات فضائي

 وضحى الموصل الجريح انتفاضٌ … يتلوى في قبضة الدخلاءِ

  ونداء الشواف، قصفة نسرٍ … عربي مُمزَّقِ الأصداءِ

وبيوتي التي تُغني أهازيجي … وتحيا في نجمتي الخضراءِ

لفها الصمتُ، فهي ترقب  عَبْرَ الصمت إطْبَاقَ غارةٍ حمراءِ

قبضت (حفصةُ) الزنادَ وشدّتْ … بيدها طعنةَ الكبرياءِ

لن يمر (التتار) في الدارِ إلا … فوق أوصال جثة سمراءِ

لَتردَّنَ غارة الحقدِ … فالرشاش في كفها سعيرُ إباءِ

لن يدوسوا مأوى طفولتها العذب … وخدر الريحانة العذراءِ

وانثنت (حفصةُ) تهز أباها … سقط النسرُ بعد مُرّ البلاءِ

سقَطَ النسرُ دون مأواه  لم يخفضْ جبيناً ولا انحنى لعَيَاءِ

زمجري يا خناجر الحقد حولي … وامطري يا قذائف الجبناءِ

بيدي مصرعي وشدّت على الصدر بقايا رصاصة خرساءِ

وهوت، تحتضن الطفولة والدار … ونعمى ربيعها الوضَّاءِ

 

ومن القصائد الرائعة التي خصّ فيها الموصل الشاعر المبدع المرحوم وليد الأعظمي (1930-2004) قصيدة “أم الربيعين”، وقد نظمها سنة 1959 عقب ثورة الشواف، وأشار فيها الى الشهيدة حفصة العُمَري وشهداء الموصل، نقتطف منها الآتي:

أم الربيعين أبسمي وتهلّلي … زهواً بتاريخ البطولة وارفلي

يا (حفصة الفاروق) في أيامنا … يا مضرب الأمثال في المستقبلِ

يا فتية الحدباء أنتم قدوة … للناهضين الأوفياء الكُمَّلِ

ماذا أعدّدُ من بطولات لكم … ستضيء آفاق الغدِ المستقبلِ

وبأي قافية أصوغ ملاحما … تُتلى على مرِّ الزمان بمحفلِ

شهداؤكم ملأوا الجنانَ فنصفها … للعالمين ونصفها للموصلِ

وقسمتم قيد الفخار فنصفهُ … للعالمين ونصفه للموصلِ

حفصة العُمَري وبدر شاكر السياب

ومن المواقف الرائعة التي تدل على عمق الأواصر بين شمال العراق وجنوبه ووحدة شعبه العريق قلبا وقالبا، ما قام به السياب من تمجيد لابنة الموصل حفصة العُمَري وتصوير مشهد قتلها المرعب دونما رأفة ولا شفقة ولا إنسانية. فقد استدعى السياب الشهيدة حفصة وسما بها الى الدرجة الأسطورية وربطها بأسطورة عشتار آلهة الخصب والحب عند البابليين.

يقول الدكتور عيسى بُلّاطة في كتابه الموسوم “بدر شاكر السياب: حياته وشعره”: “في 20 نيسان 1960، كتب السياب قصيدة عنوانها (رؤيا في عام 1956) ونشرها في عدد حزيران 1960 من مجلة (الآداب) وأراد أن يخدع الرقابة العراقية ويحملها على الاعتقاد أنه كان فيها يهاجم العهد الملكي، لا عهد قاسم، ولكن محتواها وتاريخها  برهان كافٍ عن غرضها الحقيقي”. 

   الفكرة الرئيسة لقصيدة (رؤيا في عام 1956) “أنّ الدم المراق في العراق في أول أيام الثورة سيجازى بالخصب والإزهار للبلاد وأن البعث الحقيقي لا يأتي إلا بعد الموت الحقيقي فقط”. وقد استمد السياب موسيقى القصيدة من عدة بحور، و زاد هذا في اضطراب الرؤيا التي ترويها. 

   يقول الدكتور بُلّاطة: “في هذه القصيدة يصف السياب رؤيا مؤلمة تنقضّ عليه كالصقر يرى فيها جنكيز يدمر بغداد: يرى حبالا تسحب شيخا وفتاة وعجوزا، ويرى ضلوعا محطمة وأثداء ممزقة ورأس طفل ونهد أم تنقره الديدان. ويرى منجلا يجتث أعراق تموز بقطع أعراق الدوالي. ثم يصبح المشهد المضطرب احتفالا طقسيِّا للخصب يحيه عابدو (الإله أتيس). ولا يُربَط تمثال الإله فقط على ساق شجرة وإنما يُربَط أيضا كل الأبرياء على كل ساق في العراق، وفيهم (الأم الشمالية)، والدم على شجرة الزيتون يصبح كأنه الشُقَّيق المزهر. وحفصة إحدى شهيدات مذبحة الموصل التي تُصلب على شجرة ويُدق مسمار في رحمها تصبح تجسيدا لعشتار ليباع لحمها بخساً بالأزقة، وثيابها يُمسح بها الدم عن سكين القاتل.. وشخنوب هو عامل الإسمنت المستأجر الّذي يتظاهر بالموت في الجنازة التي أرادوا منها الاحتجاج على بطش الجيش بهم، يقوم ماشيا مثل العازر عندما يسقط من النعش. وهنا تنتهي الرؤيا ويختم السياب القصيدة بقوله:

 (فإنّما الدماءْ توأم المطرْ)”.      

توظيف الشهيدة حفصة العُمَري في شعر السياب

من المزايا التي تمتع بها بدر شاكر السياب (1926- 1964) توظيف الرموز الأسطورية في شعره، ويعد ذلك من المنجزات المهمة في حركة الشعر الحر.

لقد قام السياب باستخدام الأساطير رموزا يوظفها في بناء القصيدة لتُعبِّر عن أفكار ومعان عميقة وعن رؤى ومضامين طريفة ومكثفة لم يألفها القارئ العربي قبل خمسينات القرن الماضي، وأخذت تحتل لدى الشعراء المتأثرين بالأدب الأوروبي حيزا كبيرا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي لا سيّما في الإنتاج الشعري إلى الحد الذي جعل خليل حاوي يعد استعمال الأسطورة في الشعر الحديث من أهم صفاته.

ففي قصيدة ” رؤيا في عام 1956″ التي كتبها ابن البصرة الفيحاء عن ابنة الموصل الحدباء، تتحول “حفصة العُمَري” تلك الفتاة الشهيدة إلى “عشتار آلهة الخصب”، تتحول دلالة الفناء حين صار مرادفا للإله (موت) وبالفعل بين الرمزين المتكاملين ينحو تموز في قلب دلالته أيضا إلى الفناء، وهذا لعَمْري تمثيل رائع يجعل للأسطورة توظيفاً فنّيّاً ويجعل للأسطورة معنى آخر منحرفا عن المعنى الشائع، يقول السياب:

عشتار على ساق الشجرة 

صلبوا دقّوا مسمارا

في بيت الميلاد – الرحم 

عشتار (بحفصة) مستترة 

تدعى لتسوق الأمطارا

تموز تجسّد مسمارا

من (حفصة) يخرج والشجرة

إن عشتار تصبح رمزا مكشوفا (لحفصة) التي يعد صلبها فداء وتضحية يوجب إقامة طقوس استنزال المطر، ومن المفارقة أن يتجسد “تموز” ويخرج من (حفصة) والشجرة، لكن السياب ما لبث أن حوّر طقوس الأسطورة القديمة وجعلها ذات مضامين جديدة فضلاً عن انه لفق أكثر من شعيرة طقوسية في القصيدة الواحدة: فبدلاً من أن تكون أغاني الطقوس مبهجة سعيدة  جعلها مخيفة تقوم على الدم والقتل.

وهكذا تحولت الشابة اليافعة حفصة العُمَري الى رمز للشرف والعفة والدفاع عن بيتها ووالدها لتكون ينبوعا تنهل منه الأجيال.

المصادر

لقد تم الاعتماد على عدد كبير من المصادر عند إعداد هذه المقالة فضلا عن العديد من شهود العيان الذين عاصروا الأحداث المذكورة فيها، ومن هذه المصادر:

قدري قلعجي، “الثورة العربية الكبرى”، بيروت 1993

خالد محمد الجنابي، “حركة الشواف أم مجزرة الموصل عام 1959″، نسخة محفوظة 31 ديسمبر 2017 على موقع واي باك مشين

صبحي عبد الحميد، “أسرار ثورة 14 تموز 1958م”، الدار العربية للموسوعات،1994م

جارلس تريب، “صفحات من تاريخ العراق المعاصر”، 2002م

ابراهيم خليل العلاف، “تاريخ الأسرة العُمرية في الموصل”، 2017

سيّار الجَميل، “العُمريون في الموصل: اكبر وأهم اسرة عربية في تاريخ العرب الحديث”، 2013

حنا بطاطو، ” الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية الحديثة في العراق”،  1978

الدكتور عيسى بُلّاطة، “بدر شاكر السياب: حياته وشعره”: كتاب منشور في 20 نيسان 1960

سليمان العيسى ، “النجم الأخضر وقتيلة الموصل”، حلب 21/4/1959

ديوان بدر شاكر السياب: الأعمال الشعرية الكاملة

ديوان شعر وليد الأعظمي، الموسوعة العالمية للشعر العربي، رقم القصيدة: 55135

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s