The Killing of History ~ قتل التاريخ

Roger Kimball روجر كمبول

ترجمة: خالدة حامد

عوِّد أطفالك دائماً على هذا : إذا حدث شيء عند نافذة معينة وهم يقولون، عند سرد ذلك الحدث، انه حدَث عند نافذة أخرى، فلا تسمح بتمرير هذا الأمر، بل عليكَ أن تتابعهم باستمرار فأنت لا تعرف إلى أين سيقود الانزياح عن الحقيقة………………حياة جونسون لبوزويل

لا توجد حقائق، بل تأويلات فقط.؛ فريدريك نيتشه

لماذا النسبية مغلوطة؟

أين نجد الدكتور جونسون حينما نحتاج إليه؟ كيف يتأنى لنا تحقيق أعلى فائدة من شكوكه حينما يتعلق الأمر بقضية الحقيقة. فنحن نعيش في زمن تتعرض فيه الحقيقة، في كل مكان، إلى الهجوم. أنا لا أتحدث هنا عن شيء خفي أو عصي على الوضوح، بل عن الحقيقة الواقعية الجلية تماماً، كما في” معركة ايجنكورت () التي حدثت في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1415″ أو (بعمومية أكبر)،” الوثائق التي تدعم ادعائي ولا تدعم ادعاءه”.

أجرؤ على القول أن قلة من الناس يتناولون بجدية ادعاءات الذين ينكرون الهولوكست لكن المهم هنا هو الطريقةالتي يتم بها إبطال مثل هذه المذاهب المتطرفة. وثمة ميل متزايد إلى إنكارها، لا بوصفها أكاذيب ضارة ـ وهو ما أصر عليه الدكتور جونسون ـ بل بوصفها” منظورات” أو” وجهات نظر” بائسة، أي أن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن كل شخص متمسك بهوايته بغض النظر عن مدى اختلافه مع الحقيقة. ومع ذلك فان مثل هذا الموقف لا يحط من قدر الحقيقة فحسب، بل يقوض مشروعية الرأي الجاد أيضاً.

خذ مثلاً الأفلام السينمائية الأخيرة التي أخرجها أوليفر ستون Oliver Stone، فكل من يشاهد أفلامه يعلم أن تصوراته للرئيسين كندي ونيكسون هي ممارسات في الفنطازيا السياسية (اليسارية). ومع ذلك فان شعبية مثل هذه الأفلام لا تشهد فقط على الالتزامات السياسية لأنصار أفلامه، بل تشهد أيضاً على شهوة الجمهور الشديدة إلى” إعادة البناء” التاريخي؛ أي : الشهوة إلى تمجيد التاريخ من دون الحاجة إلى سرد الحقيقة ـ أي: التاريخ”المتحجر”، ولعل الدكتور جونسون لم يرغب بالتاريخ المتحجر.

لا شك أن ثمة أسباب كثيرة وراء هذا التطور وهناك سبب مهم وهو الدرجة التي تنصلت بها النخب الفكرية الغربية ـ في الصحافة وعالم الثقافة، والأهم من ذلك الأكاديمية ـ من التزامها بالحقيقة. ولهذا التنصل تراث طويل ومعقد تم حسمه بأشكال ودرجات مختلفة، بدءاً بمختلف أنماط الانفصال الرسمي إلى الطلاق البائن، في الحالات المتطرفة. ومثلما يحدث دائما في عالم الأفكار، ليس المهم هنا وجود مثل هذه الالتزامات إلى حد كبير، بل درجة تأثيرها وانتشارها. وفي الحالة الراهنة، وصل الموقف المتعالي من الحقيقة إلى نسب وبائية، وصار جزءاً من الأثاث الفكري لعصرنا، أي صار من المسلمّات بدلاً من أن يكون موضع نقاش.

والعلامة المحزنة على هذا الوضع هي الرعب المطلق الذي يتم فيه تناول فكرة” الحقيقة الموضوعية” في أوساطنا الأكاديمية الحديثة اليوم. وثمة علاقة أخرى هي انتشار الميل إلى النزول بالوقائع إلى مستوى الآراء ـ وهو ميل ينبع عادة من رفض الحقيقة الموضوعية. ويتضح ذلك في الافتراض السائد، على نحو لافت للنظر، ومفاده أن الحقيقة” نسبية”، أي أن حقيقة ما يقال تعتمد بالدرجة الأساس على مصالح وتحيزات، بل حتى جنس أو عرق المتكلم بدلا من اعتمادها على حقيقة أو زيف ما يقوله. والفكرة الأساسية هنا هي أن الحقيقة مُختَلقة، إلى حد ما، وليست مُكتَشَفة. والمثال على ذلك هو الشكوى النسوية من الابستمولوجيات” الذكورية التمركز” التي تصدر عنها ادعاءات زائفة بالموضوعية أو الكليّة universality(وهي كلمة أخرى تثير الرعب).

لقد قدم مؤرخ هارفارد” سيمون شاما”Simon Schama تعبيراً ألطف عن هذا الموقف من الحقيقة في خاتمة كتابه” ثوابت ميتة”Dead Certainties  1991 الذي حقق مبيعات هائلة. فهو يؤكد لقرائه” ضرورة تقويض المزاعم بالمعرفة التاريخية تقويضاً نهائيا دائما من خلال شخصية ساردها وتحيزاته”، أي بعبارة  أخرى، تعمل محددات المؤرخ على جعل مسألة تحقيق الحقيقة التاريخية أمراً مستحيلاً. فما عدد المثقفين الذين يجرؤن اليوم على الانشقاق عن هذا التوكيد؟ لقد تكبد السيد شاما مشقة إنكار أن يكون موقفه” نسبياً بسذاجة”، ومع ذلك لا يعدو زعمه سوى إطناب مهذب لإعلان نيتشه الشهير عن العدمية :” لا توجد حقائق، بل تأويلات فقط”. ومن سوء الحظ أننا نفتقد جماعة الدكتور جونسون : فقد يتمكنون، ربما، من معالجة الموقف إلى حد كبير من خلال تطبيق سلسلة من الدحوضات كتلك التي تم تقديمها ضد فلسفة الأسقف بيركيلي المثالية. ولعل النتائج ستكون صحية حتما باستثناء حالة ميشيل فوكو الذي ربما كان مولعاً جداً بطريقة الدكتور جونسون بالدحض.

ومن غير المدهش أن تكون للهرب من الحقيقة عواقب وخيمة على الأكاديميين، فقد أدى ذلك ـ من بين أشياء أخرى ـ إلى تقويض تكامل الكثير من الحقول المعرفية الأكاديمية، وتفاقم أثره سوءاً في مجال تقويض فكرة” الحقل المعرفي” الأكاديمي، أي بمعنى آخر حقل الدراسة الذي فيه موضوع متفق عليه وأدوات بحث مشتركة.

ويعد التكاثر المضطرب لبرامج” الدراسات” علامة مهمة على هذا الانحلال. فهناك دراسات المرأة، ودراسات المنحلين، والدراسات الأفرو-أمريكية، ودراسات الشيكانو()، دراسات السلام، الدراسات النصية : أي أن ذيوع هذه الدراسات وغيرها من الموضوعات الزائفة في الأكاديمية لا يعد شاهداً على توسع الحقول المعرفية الأكاديمية، بل على انهيارها. ومن الجدير بالقول أنه على الرغم من تصنيف هذه البرامج في خانة” البرامج التي تصلح لجميع الحقول المعرفية” لكنها في الحقيقة مناوئة لها؛ فهي لا تتطلب إتقان الحقول المعرفية المتعددة بل الابتعاد عن الصرامة البالغة من أجل تعزيز الأيديولوجيا المنشودة.

ولعل” الدراسات الثقافية” هي الباراديم () الذي تنضوي تحته مثل هذه الجهود كلها، وأعني بها الوسط الثقافي الشعبي الذي لا يتصف بموضوعه فحسب ـ الذي قد لا يكون شيئا على الإطلاق ـ بل بموقفه. وتتألف الدراسات الثقافية من عنصرين رئيسين هما : 1ـ العِداء السياسي. 2ـ العداء للحقيقة الواقعية. أما” المضمون” فيكون متروكاً لما يراه المرء مناسباً، تماما.

ولحد الآن، يبدو الهجوم على الحقيقة في الأكاديمية هو الأكثر ضرراً بالنسبة لدراسة الأدب ويرجع ذلك إلى حد ما إلى مسألة أن هجر الحقيقة الواقعية لا يمكن كشفه بسهولة دائما حينما يكون الأدب هو الموضوع، وكذلك لان أقسام الأدب كانت من بين أوائل من أذعن إلى مثل هذه البدع المتقلبة والمدمرة مثل التفكيك والبنيوية والدراسات الثقافية في أشكالها المقيتة كلها. إلا أن قلة من الموضوعات، إن وجدَتْ، فلتت من قبضة الضرر. فالفلسفة والقانون وتاريخ الفن والسايكولوجيا والأنثربولوجيا والسوسيولوجيا كلها كانت تلعب لعبة عدوانية لمواكبة أقسام الأدب في هذا المجال. وحتى التاريخ ـ الذي نؤمن أن سبب وجوده هو التمسك بالحقيقة الواقعية ـ قد عانى من هذا الأمر. وكذا الحال مع العلوم الطبيعية : فنظرية العلم وفلسفته ـ إن لم نقل تطبيقه أيضاً ـ أصبحت، وعلى نحو متزايد، رهينة لمختلف أشكال التهور الابستمولوجية حينما صار الخلط، متعمداً، بين منطق العلم وجوهره من جهة وسوسيولوجيا العلم من جهة أخرى. وتبعاً لما جاء به بعض المراقبين، بدأت مثل هذه الأفكار تشق طريقها في كليات إدارة الأعمال والمحاسبة. ومما يؤسف له أن يحدث ذلك بين محاسبيّ” خدمة العائدات الداخلية”. وثمة شخص رائع اسمه نيكولاس فوكس Nicholas Fox يحاضر في كليات الطب الإنكليزية، ربما قدّم هذا الأسبوع ذروة البنائية constrnctivsm الاجتماعية؛ فهو يؤكد للقراء في كتابه”ما بعد الحداثة والسوسيولوجيا والصحةPostmodernism, Sociology and Health. (1993) أن مصطلحات من قبيل” مريض” و” مرض” هي” تخيلات سوسيولوجية” يمكن توضيحها من خلال عناصر النظرية النسوية ومفهومي الاختلاف والتناص عند دريدا”.

ولم يخضع الكثير من هذه الموضوعات للنقد والملاحظة على الوجه الصحيح. ففي بداية عام 1987، ومع صدور كتاب”غلق العقل الأمريكيThe Closing of the American Mind، لمؤلفه آلان بلوم Allan Bloom، ظهرت مجموعة صغيرة، لكن متواصلة، من الكتب والمقالات تتناول أبعاد معينة من الهجوم الأكاديمي على الحقيقة. أما كتابي أنا”أصول ثابتة Tenured Radicals” (1990) فهو ينتمي لهذه القائمة، وكذا الحال مع كتاب David Lehman ديفيد لهمان”علامات الأزمنة: التفكيك وسقوط بول دي مانSigns of the Times: Deconstruction and the Fall of Paul de Man(1991) وكتاب بول غروس  Paul Gross ونورمان ليفيت Norman Levitt الذي يخص التشريح المتعمق لما يسمى بـ” حروب العلم” والذي يحمل عنوان”الخرافة الأسمى : اليسار الأكاديمي ومشاحناته مع العلمHigher Superstition: The Academic Left and Its Quarrels with Science(1994). ويبدو الإسهام الأخير في هذا الصدد من بين أكثر الكتب تدميراً وتعقيداً فكرياً وسعة في مجال اتهاماته، وأعني به الكتاب الذي ألفه المؤرخ الأسترالي كيث وندشتل ويحمل عنوان”قتل التاريخ : كيف يعمل نقاد الأدب والمنظرون الاجتماعيون على اغتيال الحقل المعرفي()، هذه الطبعة الثانية من الكتاب، منقحة ومزيدة عن الطبعة الأولى التي صدرت في استراليا عام 1994، ولم يتم توزيع سوى الطبعة الثانية في الولايات المتحدة. وإذا بدا العنوان مثيراً إلى حد ما، فإن الكتاب بمجمله يشهد على براعة وندشتل في جعل قضيته تبرر ما يستعمله من استعارات قوية. ومع أن الدار التي نشرت هذا الكتاب مغمورة (وهي حقيقة تخبرنا بالكثير عن أولويات النشر الأكاديمي اليوم)، إلا أن هذا هو أهم عمل ظهر في السنة كلها في حقل النقد الثقافي.

ومن حيث الشكل، يبدو”قتل التاريخ كنوع من إصدارت دار بديكر ()الفكرية؛ فهو يأخذ القراء بجولة حية عبر الغرائبية التي أخذت تسود في أقسام الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في معظم الكليات والجامعات الناطقة بالإنكليزية. وقد انتقى وندشتل ـ بسبب عيشه بين أبناء بلده ـ عينته ضمن الإطار المحلي، فهو يعرف الكثير عن أمور مثيرة للفضول مثل السميوطيقا وكيفية عملها؛ كما أنه يفهم اللهجات المحلية الرئيسة ويستطيع أن يميز بدقة بين البنيوية وما بعد والتفكيك وما بعد الكولونيالية، والبنائية-الاجتماعية، كما يعلم أفضل الطرق عبر مجاهل” النزعة اللا إنسانية” عند ميشيل فوكو، وهو ماهر في تخليص نفسه من مستنقع النظرية الأدبية ما بعد الحداثية، والأهم من ذلك انه يسلح قراءه ضد المهووسين والدجالين والمشبوهين فكرياً الذين يقطنون مثل هذه الضواحي : لديه حكمة حصيفة للتعامل مع مروجي الشكوكية الراديكالية والنسبية العلمية، فضلا عن ميله الفطري إلى تحاشي أولئك الذين يتظاهرون بان التاريخ لا يعدو غير نوع من أنواع السرد.

ومن أجل هذا كله يعد وندشتل محقا في قوله ان قتل التاريخ” ليس كتاباً مملاً آخر عن النظرية”. ونلاحظ أن تركيزه الشديد هو على حقل التاريخ : أي، على ما ينبغي ان يكون، والكيفية التي يعمل بها أولئك الذين ينكرون دعوى الحقيقة الإمبريقية على تقويض جوهر التحليل التاريخي. فقد كتب في توطئة كتابه

خلال معظم الـ(2400) سنة الأخيرة لم يعدو جوهر التاريخ غير ضرورة محاولة سرد الحقيقة، أي وصف ماحدث حقا بأفضل صورة ممكنة. وظهر بعد ذلك عدم صواب وعناد الكثير من المؤرخين، بل كانوا مخطأين بالمرة، إلا أن نقادهم شعروا أنهم ملزمون بإظهار خطأهم في ما يخص حقيقة الأحداث التي وقعت، أي أن مزاعمهم بشأن الماضي كانت مختلفة عما حدث فعلاً. أي بعبارة أخرى، مازال النقاد يعملون على افتراض أن الحقيقة كانت في قبضة المؤرخ

أما اليوم، فقد تم رفض هذه الافتراضات إلى حدبعيد، حتى بين البعض من الناس الذين يعملون بصفة مؤرخين. ففي التسعينيات، أكد المنظرون المهيمنون الجدد في حقل الإنسانيات والعلوم الاجتماعية استحالة سرد حقيقة عن الماضي أو استعمال التاريخ في إنتاج معرفة ضمن أي معنى موضوعي على الإطلاق، وهم يزعمون أننا لا نستطيع رؤية الماضي إلا من منظور ثقافتنا نحن، وبذا فان ما نراه في الماضي هو اهتمامنا ومصالحنا المنعكسة علينا. وما عاد للنقطة المركزية التي يستند إليها التاريخ أي صحة : إذ لا يوجد فرق أساسي بين التاريخ والخرافة البتة.

ومثلما يقر وندشتل، فان هذه الهجمة على المعرفة التاريخية ليست جديدة، بل تعود في جوهرها إلى نيتشه، على الأقل،(بقوله : لا توجد حقائق بل تأويلات فقط). أما الجديد فهو المكانة التي تتمتع بها مثل هذه الأفكار؛ فخلال العقد أو العقدين الماضيين، وصلت إلى صميم المهنة أفكار مثيرة للنزاع جدا كانت تتواجد سابقاً عند حافة التأمل الأكاديمي حيث تنتمي هناك (وكان أفضل عمل لها هو بوصفها نوعا من المهيجات الفكرية). وما عاد الهجوم على معرفة الحقيقة مقصوراً على ثلة من الميتافيزيقيين الساخطين، بل صار الأمر شائعا جداً بين المؤرخين السائدين وناشريهم الأكاديميين. وان كان هناك كثرة من المؤرخين الذين يؤمنون، بهدوء، بمعايير البحث التاريخي التقليدية في عملهم، فإن قلة قليلة منهم ترغب بانتقاد الهجوم الذي وصل إلى حقلهم المعرفي. وهذا يرجع، إلى حد ما، إلى رذيلة الجبن ـ أو بالأحرى الوباء المتفشي بين الأكاديميين ـ لكنه يرجع أيضاً إلى حقيقة ان الكثير من المؤرخين من ذوي النظرة التقليدية قد بدءوا على طريق اللاامبريقية، أي انهم مثلما يقول وندشتل، غير واعين بأنهم” يعتنقون افتراضات لها القدرة على إبطال أي شيء ترمز إليه. هذا الكلام ليس مبالغة، والفكرة هي ان الملاحظة والاستدلال الاستقرائي لا يقدمان أسسا مشروعة للمعرفة التاريخية وأن الحقيقة نسبية بمعنى أن اللغة هي سجن من نوع ما تشير إلى ذاتها دائما، لا إلى الواقع. ان وندشتل محق تماما في قوله” إذا سمح المؤرخون لأنفسهم بالانقياد عبر هذه الهاوية النظرية، فانهم سيدفعون أنفسهم وحقلهم المعرفي إلى الانقراض”.

وكما هو الحال مع الدراسات الأدبية، ثمة خدعة شائعة تقول أن الجدل الدائر كله دليل على” الصراع بين الأجيال” وان الاعتراضات على المناهج الجديدة” هي محض ثغاء يردده الرجعيون القدامى الذين يقاومون” تجديد” الثوريين. ومثلما أشار وندشتل، فان معظم ما يسمى بـ” الأفكار الجديدة” روّج لها الباحثون في أربعينياتهم وخمسينياتهم؛ ويلاحظ أن” مُحركيّ ومفعليّ هذه الحركة هم زمرة اليسار الجديدة القديمة من الستينات … ويبدو أنها لم تكن جديدة جدا آنذاك لكنها كانت متمسكة بأخر الموضات مثلما كان عليه الحال أيام الهيبز بقلائدهم وبنطلوناتهم البرّاقة”. لكن الاختلاف هوانه في الستينات احتلت مثل هذه الشخصيات هامش الأكاديمية، لكنها الآن هيمنت عليها :” فمنذ عام 1985، وسّع المنشقون من منطقتهم إلى حد كبير. مع أنهم ما زالوا يرغبون بتصوير أنفسهم بصفة الدخلاء المستعدين للمعركة، لكنهم الآن يقومون بالحركة كلها : انهم هم من يبتكر الدروس الجديدة، ويتعاقد مع الناشرين، ويشغل الوظائف الجديدة، ويجذب الطلاب الخريجين”. أما الأساتذة الذين قد تقودهم قناعاتهم الفكرية والأخلاقية لمحاربة هذه التطورات فيكونون عموماً” شديدو الانشغال أو شديدو التعب أو شديدو الإرباك” إلى الحد الذي لا يستطيعون فيه الاعتراض، وأدت سلبيتهم إلى إضفاء صفة الشرعية غير المألوفة على خصومهم مما يسمح لهم بتعزيز سلطتهم ومتطلباتهم.

يبدو أن لوندشتل في”قتل التاريخ” هدفان طموحان؛ أولاً لوصف الهجوم على الحقيقة الواقعية في أشكالها الخفية كلها. ثانياً : لإظهار إمكانية دراسة التاريخ بطريقة موضوعية، وانه لا توجد هناك عوائق فلسفية تقف بطريق السعي وراء الحقيقة والمعرفة بصدد العالم الإنساني، على الرغم من كل المزاعم الراهنة بحدوث العكس”

وبخصوص الهدف الأول يقدم وندشتل رحلة ذكية وواعية جدا بالنظريات الكبرى التي تسعى الآن للهيمنة في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية؛ وستكون معظم هذه المادة مألوفة لكل شخص يتابع المناظرات الحديثة بخصوص مصير التعليم العالي. لكن حتى هنا نجد أن لوندشتل الكثير ليقدمه؛ إذ مثلما يوحي العنوان الفرعي لكتابه، فهو يبين، بتفصيل أكبر مما نفعله هنا، كيف ان الهجوم على التاريخ تواصل إلى حد كبير بفعل التاريخ غير المتأثر بالخارج، أي النظريات الأدبية فرنسية الإلهام مثل التفكيك (عبر أنثربولوجيا كلود ليفي شتراوس) والبنيوية. كما بيّن، على طول الكتاب، كيف أن اللهجة البربرية والكتابة الغامضة التي تميز الكثير من الإصدارات الأكاديمية المعاصرة ليست وليدة عمق التفكير أو التمحيص الأكاديمي، بل نوع من الخدع. فهو يلاحظ ان” الغموض طريقة ذكية لتوليد” الأتباع” لأن الكثير يفترضون ـ خطأً ـ أن الكتابة الغامضة مؤشر على عمق التفكير، ولهذا تجد أن ثمة شيء دائم بخصوص الإدمان على الغموض فالطلاب الذين جهدوا لإتقان لغة صعبة خاصة بهم خاصة بهم سيكونون مترددين عادة بالاعتراف بالخواء الفكري للغة التي بذلوا جهداً كبيراً بتعلمها. وفضلاً عن ذلك، فان أولئك الذين يغريهم الغموض غالبا ما يُبدون رذيلة مصاحبة له تتمثل بافتراضهم سطحية أو رداءة كل ما هو واضح، وأبرز مثال على ذلك هو أحد اتباع دريدا واسمه Masd Zavarzadeh حينما شجب أحد نقاد أستاذه بسبب” أسلوبه غير الإشكالي ووضوح عرضه” ـ أي السمات التي نقرأ أنها صارت”الأدوات المفهومية للنزعة المحافظة”. يا للرعب ! 

ولعل أهم إسهام حقا يقدمه وندشتل في هذا الكتاب هو دفاعه عن الموضوعية والحقيقة الواقعية. ولابد من القول انه يتحدث بالدرجة الأساس بوصفه مؤرخ عامل، لا فيلسوف. بمعنى انه على الرغم من التعقيد الفلسفي الذي تنطوي عليه مناقشة وندشتل (ولا سيما عند مقارنته بعمل معظم خصومه)، نجد ان اهتمامه الرئيس ليس بالإمكانية المجردة للحقيقة الموضوعية، بل بتحقيقها ـ أو الفشل بتحقيقها ـ في أعمال تاريخية محددة. هذه في الحقيقة إحدى مكامن قوة كتاب”قتل التاريخ؛ فالمؤلف يضفي القوة على قضيته من خلال الإفادة من” أعمال مؤرخين حقيقيين في دحر خصومهم النظريين”.

وانطلاقا من سلسلة من دراسات معينة للحالة التاريخية، يخضع وندشتل النظريات التاريخية الجديدة إلى نوع من” اختبار الطريق” لمعرفة كيف تتدبر أمرها” عند المناطق الوعرة من المادة التاريخية  الفعلية”. وتتضمن الأحداث المعنية الاكتشاف الأوربي لأمريكا والاحتلال الإسباني للمكسيك، والاكتشاف البريطاني لجزر الهادئ واستكشافها لها، وتأسيس المستوطنات في استراليا وتاريخ المصحات العقلية، والمستشفيات، والبوليس الجزائي في أوربا، وسقوط الشيوعية عام 1989. وتعد الأحداث التي يتناولها وندشتل ملائمة لأنها جذبت اهتمام الكثير من الاتجاهات ومعظم ممثلي النظريات المهمين الذين يرغب بانتقادهم. ويتمثل إجراءه بتقديم عرض لحدث تاريخي معين من منظور” النظرية” ومن ثم تسليط الضوء على مكامن قصور ذلك العرض من خلال الإفادة من أعمال أكثر المؤرخين تقليديةً. وإذا علمنا أن هدف وندشتل هو استعادة الحقيقة التاريخية، لا يمكن ان نندهش عندئذ أن يقف الأصوليون على رأس القائمة في أي حال. ومن الجدير أن نلتفت إلى العناية وعمق التفكير اللذان يتخذها وندشتل في معالجته للموضوع؛ فهو يتكبد مشقة كبيرة في تقديم عروض الخصوم بشمولية وعدالة ولا يهدف من ردوده إظهار مقاصده بوصفه مناقش، بل صياغة اعتراضات منطقية على” النظرية” والنسبية الثقافية التي لها تطبيقات تتجاوز الحالات المحدودة التي يناقشها.

خذ مثلا الطريقة التي يتناقش بها أكاديميو اليمين خلال العقد الماضي اكتشاف كولومبس للعالم الجديد، والاحتلال الإسباني للمكسيك. لم يقتصر الأمر على وجود ملفقين لقصص تاريخية قوية وسليمة سياسيا كتلك التي قدمها كيركباترك سيل Kirkpatrick Sale الذي انتهز فرصة تصوير كولومبس كقاتل شرير، وصوّر الهنود كمخلوقات بريئة حساسة بيئياً كانوا يعيشون في تناغم رائع مع بعضهم ومع الأرض. وفي عام 1992 صدر عن مطبعة جامعه أوكسفورد كتاب” الهولوكوست الأمريكي : كولومبس واحتلال العالم الجديد”American Holocaust: Columbus and the Conquest of the New World لمؤلفه ديفيد ستانارد  David Stannard  جاء فيه، بحسب ما ذكره وندشتل :” كان الطريق إلى أوشفتز () يقود مباشرة إلى قلب الأمريكيتين” ـ وهذه المقارنة هي التي يرفضها وندشتل بقوة” لأنها لا تنطوي على مفارقة تاريخية فحسب، بل لأنها بغيضة”. ولتزامن الذكرى الخمسمائة على اكتشاف كولومبس للأمريكيتين مع تصاعد مد تيار الإصلاح السياسي والابتهاج النظري، فإنها استدعت إثارة كل أشكال الشك بين نقاد الأدب والمؤرخين والأنثروبولوجيين وغيرهم من الأكاديميين المتلهفين للتفوق على خصومهم في مجال الانتقاص من الإرث الأوربي (والولايات المتحدة أيضاً) والاحتفاء بفضائل سكان البلاد الأصليين الذين وقعوا ضحية.

وقد قدم السيموطيقي البارز والمنظر الأدبي تزفيتان تودوروف واحداً من أكثر التوقعات إحباطاً في كتابه” احتلال أمريكا”The Conquest of America(1982). وتودورف لديه القليل من كل شيء. وقد استمتع الأكاديميون المهووسون بتأكيده” أن كورتيه Cortes تمكن من إحكام قبضته على الإمبراطورية المكسيكية القديمة من خلال إتقانه للعلامات”.(ما عليك من مسألة ان التكنولوجيا العسكرية والإسبانية كانت متفوقة كثيرا على أقوام الأزتك ()). كما تناغم الإصلاح السياسي مع شجبه للإمبريالية الأوربية وتوكيدات من قبيل :” لقد أدام القرن السادس عشر أكبر إبادة جماعية شهدها تاريخ الإنسان”. وأضاف أيضاً ثرثرة أخرى عن كولومبس ـ والثقافة الأوربية عموماً ـ بقوله أن كولومبس كان عاجزاً عن التعامل بصورة ملائمة مع” الآخر”، أي مع” وجود بشر آخرين تماماً.. أي مع شيء غير قادر بنفسه على إيجاد دولة كاملة له.

ومثلما يلاحظ وندشتل، فان واحدة من المشكلات الكثيرة لتودوروف وغيره الذين يمجدون شعوب الأمريكيتين الأصلية ضد محتليهم الأوربيين هي” الممارسة واسعة الانتشار للتضحية الإنسانية التي سادت إبان الاحتلال الإسباني. فالأزتك والمايا ()والأنكا ()والكايت Caytes وأبناء غينيا وقبائل الباوني والهورون Huron()في أمريكا الشمالية كلهم مارسوا التضحية البشرية وغالبا ما يكون ذلك على نطاق واسع (فقد قتل الأزتك وحدهم عدة آلاف في سنة واحدة)، ويكون ذلك مصحوباً، أحياناً، بأكل لحوم البشر؛ فأفراد قبائل الكايت، مثلاً، كانوا يأكلون لحم أفراد طاقم أية سفينة برتغالية يعثرون عليها. ويذكر أحد الأنثروبولوجيين الذي ذكره وندشتل” أنهم أكلوا في وجبة واحدة، الأسقف الأول لمدينة باهيا ()واثنان من الكهنة والقائم بأعمال الخزانة الملكية البرتغالية واثنان من النساء الحوامل وعدة أطفال”. ويختتم وندشتل قوله بان تودوروف : 

يريد أن يفرض حُكماً أخلاقياً على الاحتلال الإسباني ويَرغب، مع ذلك، بتهميش قضية الأضاحي البشرية حتى يبقي القارئ ينظر إلى الأزتك بأنهم الضحايا الذين يتمتعون بالفضيلة الأعظم ويستحقون المزيد من التعاطف. ولفعل ذلك نراه مجبراً على القول بأن المجتمعات الإنسانية كلها مذنبة بالقتل الجماعي المنظم، وان البعض منها فقط مذنبة أكثر من غيرها. لكن حالما يتبخر الفرق بين مجتمعات الأضاحي / الإبادة لا يبقى أمامه سوى مسألة الطبيعة الإنسانية المشتركة لكي يفسر نزعة القتل لدى البشر، والكتاب كله مصمم من أجل نفي هذه الفكرة.

 ويعد مزيج الانحياز المعادي لأوربا والإصلاح السياسي ومقاومة الدليل الإمبريقي سمة واضحة على الكثير من الكتّاب الذين يناقشهم وندشتل في”قتل التاريخ ففي الفصل الخاص بتأسيس استراليا، مثلا، يقدم وندشتل للقراء كتاباً من تأليف بول كارتر Paul Carter عنوانه”الطريق إلى خليج بوتانيThe Road to Botany(1987). ولاحظ جورج أورويل، حينما كتب عن المهاتما غاندي، ضرورة أن نعد القديسين مذنبون حتى تثبت براءتهم. ويتضح من ذلك ان ثمة مبدأ جيد يتم توظيفه عند التعامل مع كتب من شاكلة”الطريق إلى خليج بوتاني إلى الحد الذي تتمخض عنه توقيعات من قبيل ما كتبه إدوارد سعيد (” هنا مناهج بحث ثقافي أصيلة تثير الدهشة.. انه عمل مثير يتمتع بقوة فكرية عظيمة) أو ما قالته سوزان سونتاج (” انه كتاب ممتاز يناسب الكثير من الأذواق”) وعند الكتابة عن بداية تاريخ البريطانيين في استراليا، يقترح كارتر نوعا جديداً من التحليل التاريخي،” التاريخ المكاني أو الحيزي”، ليحل محل” التاريخ السردي، الخطي”(الذي يطلق عليه تسمية” التاريخ الإمبريالي”)  الذي قدمه كتّاب آخرون. ومن خلال تدعيم نصه باقتباسات من دريدا وجيل دولوز و(ليس من قبيل المصادفة) إدوارد سعيد وآخرين، سعى كارتر إلى استكشاف الكيفية” التي يتحول بها الحيز space رمزياً إلى مكان place، أي حيز له تاريخ”.

ويرغب كارتر، من بين أمور أخرى، إلى استعادة تجربة المجرمين البريطانيين الذين كانوا أوائل من سكن استراليا والذين ـ تبعاً لما يذكره كارتر ـ كانوا نموذجاً للتخريب لأنهم رفضوا إمبريقية عصر الأنوار والإمبريالية. وهو يجد صعوبته في أن نظرة العالم للمجرمين لا يمكن رؤيتها إلا عبر” المرآة المشوشة” لمن هم في السلطة لأن الروايات ـ مثلما يقول كارتر ـ والصحف التي كانت تدون تجارب المجرمين الأولى، قد ضاعت. والحل ـ برأيه ـ هو تطبيق” التاريخ الحيزي” على ما ورد في” مدونات الطبقة الحاكمة” للإفادة من منطق العلة والنتيجة الذي ساد في عصر الأنوار في استعادة شيء لم يدركه المنطق نفسه. ونحن نستطيع، بصورة خاصة، استعادة ذلك البعد من تجربة المجرم الذي تم تصميم قضية السجن والترحيل لغرض إقصائه بالدرجة الأساس، وهو : احتلاله لحيز تاريخي”. ومما لاشك فيه ان هناك الكثير مما يمكن قوله بخصوص ذلك النوع من الحيل التأويلية. إلا أن الحقيقة هي أن كارتر لم يكن بحاجة إلى التحَذلق، فهو يقول بضرورة إعادة البناء المتخيل لغرض استعادة تجربة المجرمين.

لكن، مثلما يشير وندشتل : 

أنتج المجرمون الأستراليون وثائق تدون ـ بكلماتهم هم ـ ملاحظاتهم وأنشطتهم، وأحلامهم، وما يكرهون وما يحبون أكثر مما كتبة طلاب آخرون في التاريخ. كما يوجد في استراليا الكثير من شهادات الدكتوراه والزمالات والمقاعد الدراسية في مجال التاريخ مأخوذة من هذه المادة المرجعية وليس من أي موضوع فردي آخر. لقد زوّد المجرمون الأكاديميين الأستراليين بواحدة من صناعاتهم الكبرى.

أي بعبارة أخرى أن” غطرسة كارتر بادعائه إنقاذ المجرمين من النسيان لا يوازيها سوى جهله التام بما كتبه المؤرخون الأستراليون خلال الأربعين سنة الماضية”.

ويقدم وندشتل خدمات مشابهة عن الكثير من النجوم الأكاديميين، لعل أكثرهم سطوعاً ميشيل فوكو؛ فجزء من النجاح الأكاديمي الهائل يحظى به مردّه موقفه من الراديكالية المعادية للبرجوازية وما يصاحب ذلك من إصراره على ان الحقيقة دائما وفي كل مكان مرتبطة بالسلطة. لكن تجدر الملاحظة إلى ان فوكو حقق سمعته لأول مرة بصفة مؤرخ لمؤسسات معينة مثل المصحات العقلية والمستشفيات والسجون، لكننا نجد في كل حالة ان طريقة فوكو الأساسية هي بتأكيده على أن جهود الأنوار وما بعد الأنوار الرامية لإصلاح هذه المؤسسات هي في الحقيقة ذريعة لتوسيع نطاق سلطة الدولة.

ففي كتابه الأول،الجنون والحضارة Madness and Civilization (1961)، مثلاً، يقارن فوكو الزمن السعيد في العصور الوسطى حينما كان المجانين يتجولون بحرية من مدينة إلى أخرى أو يسافرون، مجازاً، في سفينة المجانين على طول نهر الراين. ويؤكد فوكو أن مولد المصحة كان يوماً اسوداً بالنسبة للمجانين إذ لم يتم حجرهم فقط، بل تم تجريدهم من مكانة البشر أيضاً. ويقدم فوكو مزاعم مشابهة تخص المستشفيات والبوليس الجنائي. ويبين وندشتل في تفاصيل موسعة ان السرد الذي يقدمه فوكو غير دقيق إلى حد بعيد في كل حالة من الحالات. فعلى سبيل المثال، لا توجد سفينة للمجانين كالتي يصفها فوكو؛ كما أن التواريخ التي يذكرها مغلوطة بقرن أو اكثر. أما بخصوص معالجة المجانين، إذ يوضح المؤرخ اندرو سكال Andrew Scull :” حينما يتبين أن المجانين مثيرون للمتاعب، فانهم يتوقعون الضرب أو الحجز، وبعكسه يتم السماح لهم بالتجول أو البقاء في أماكنهم. وفي كلا الحالتين، فان المقارنة السطحية بين الاضطهاد النفسي وما سبقه من تعذيب فوضوي تقريباً لهي مسالة وهمية بالتأكيد”. ويقدم وندشتل حالة اكثر عمومية :” صار المجنون من شؤون الشرطة العامة مع نهضة المجتمعات الديمقراطية المطالبة بالمساواة ويرجع ذلك بالدرجة الأساس إلى أن هذه المجتمعات تقبلت المجنون لا بوصفه” الآخر” أو شخص خارج نطاق الإنسانية، بل بوصفه إنساناً آخر، أي فرداً له المكانة الأساسية نفسها التي يتمتع بها أي شخص آخر”.

ومع أن معظم الأمثلة التي يذكرها وندشتل في”قتل التاريخ تأتي من اليسار الأكاديمي، تجدر الإشارة إلى أن اليسار لا يتمتع بأي احتكار على اللاامبريقية. خذ مثلاً أطروحة” نهاية التاريخ” الشهيرة لفرانسز فوكوياما أواخر الثمانينيات لتفسير سقوط الشيوعية. لقد جاءت الفكرة الفلسفية الكبرى لفوكوياما عن أطروحته من الفيلسوف الألماني جورج هيغل، لكن وندشتل يبين كيف أن نظريات” نهاية الـ(الفن، الفلسفة، التاريخ، أو أي شيء آخر) كانت تسم المفكرين اللاإمبريقيين الشيوعيين بدءاً بالإسكندر كوجيف Alexandre Kojeve حتى ارنولد غيلن  Arnold Ghelen،وهو سايكولوجي اجتماعي للرايخ الثالث كتب عن الفن عام 1961 مؤكداً لقرائه ان” سيرورة التطور اكتملت تماما، وما سيأتي هو حاصل الآن فعلا : إنها التوفيقية المشوشة للأساليب والإمكانات كلها ـ أي : ما بعد التاريخ”.

ويلغي وندشتل أطروحة” نهاية التاريخ” ملاحظاً أن 

إحدى أهم نتائج المقارنة الإمبريقية هي عدم إمكانية تحديد التاريخ. فالسيرورة التاريخية ليست شيئا يتحرك ـ بلا هوادة ـ في اتجاه واحد أو نحو أي هدف أو غاية، أنها بلا نمط خفي أو أغوار تنتظر أن يتم اكتشافها. ولا تتمثل مهمة المؤرخ بالبحث عن نظرية ما ستكشف كل شيء، ولا البحث عن غائية سوف تفسر غرض الاشياء، بل عليه أن يعيد بناء أحداث الماضي وفقها.

إن التفاصيل والتحديد التاريخي الذي يضفيه وندشتل على تحليله تجعل من انتقاداته مدمرة على وجه الخصوص. لكن مهمته ـ في النهاية ـ لا تتمثل بإبطال مصداقية مؤرخين أو منظرين معينين، بل إعادة بإصلاح النظرة إلى التاريخ بوصفه امتلاك المعرفة الحقائقية. ومثلما يقول وندشتل” أن دراسة التاريخ هي بحث عن الحقيقة بالدرجة الأساس”. وهذا لا يعني أن التاريخ لا يستطيع إظهار الفرق الأدبي، مثلما تفعل ذلك أعمال معينة تلك التي قدمها غيبون ومكاولي وتوكفل. لكن هذا لا يعني أن التاريخ هو الأدب نفسه وأن” أولئك الذين يصرون على ان الدليل التاريخي كله ذاتي أصلا هم على خطأ”. وقد أسرع وندشتل بالاعتراف بان المؤرخين، مثل بقيتنا، ينطلقون من وجهة نظر معينة ويجلبون معهم إنحيازاتهم وتصوراتهم المسبقة. لكن، ماذا في ذلك؟ فحقيقة أن” واحدة من أكثر تجارب المؤرخين شيوعاً هي أن الدليل الذي يجدونه يدفعهم، وبتردد غالبا، إلى تغيير الموضع الذي قصدوا ان يتخذونه أصلاً” تبين أن المؤرخين لا يحتاجون إلى الوقوع في أسر الذاتية. وقد قاده هذا رؤية مهمة ومفادها أن الذين ينكرون ما تقوله الحقيقة الإمبريقية باسم النسبية الثقافية وينكرون” التمركز الأوربي، لا يفعلون سوى إبدال منظور أوربي ـ التاريخوغرافيا ()الإمبريقية التجريبية ـ بمنظور آخر : النسبية الثقافية. ويشير وندشتل إلى” ان الذين يقبلون النسبية الثقافية يؤكدون ان طرق المعرفة الغربية لا تستحق أية مكانة متميزة” لكن في الوقت الذي يقول فيه وندشتل ان” عودة القَبَلية”tribalism تهدد الكثير من أجزاء العالم بالانحدار نحو البربرية، فان اعتناق النسبية الثقافية يعني أيضاً اعتناق” سياسية ثلاجة الموتى” التي جلبت التعاسة والدمار لسيريلانكا والسودان ووسط أفريقيا والبلقان وأجزاء أخرى من العالم. وهنا بالضبط تتصادم النظريات الملغزة لدريدا وفوكو، ومن على شاكلتهما، مع العالم الحقيقي فهم يبتعدون عن ضوابط الحقيقة الإمبريقية باسم التحرر. إلا أن ما ينتهون إليه آخر الأمر هو ليس الحرية بل عبودية جديدة وأكثر فظاعة.

الهوامش ايجنكورت Agincourt : هي معركة المائة سنة التي حقق فيها الإنكليز في 25 اكتوبر من عام 1415 نصراً ساحقاً على الفرنسيين. (المترجمة)

(1)  ايجنكورت Agincourt : هي معركة المائة سنة التي حقق فيها الإنكليز في 25 اكتوبر من عام 1415 نصراً ساحقاً على الفرنسيين. --المترجمة

(2)   شيكانو Chicano : المسرح المكسيكي – الأمريكي، أو ما يعرَف بالمسرح الثالث، وهو يمثل الأشكال غير المألوفة من المسرح والتي تم تبنيها في ستينيات القرن السابع عشر بعد الاستياء من أنماط المسرح التقليدي. المترجمة--

(3)  الباراديم"  paradigm" : مفهوم طرحه توماس كوّن في كتابه" بنية الثورات العلمية" ويقصد به : الإنجازات العلمية المعرف بها ضمن مجتمع علمي معين ولمدة معينة بحيث تزوده بالأساس لمشكلاته المستقبلية وبالحلول، وكمثال على ذلك كتاب" المبادئ الرياضية" لنيوتن او كتاب" نظرية الاحتراق" للافوازيه. --المترجمة 

(4) " قتل التاريخ : كيف يقتل نقاد الأدب والمنظرون الاجتماعي الحقل المعرفي" تأليف كيث ونشتل، دار ماكلي. (298 صفحة)
The Killing of History: How a Discipline is Being Murdered By Literary Critics and Social Theorists, by Keith Windschuttle; Macleay Press, 298 pages.

(5)  بيديكر Baedeker : ايسن بيديكر (المولود في 3 نوفمبر 1801) مؤسس دار النشر الألمانية الشهيرة بكتب" الدليل" التي تصدر عنها. --المترجمة

(6) أوشفتز: المكان الذي كانت تتم فيه عمليات إحراق اليهود (الهولوكوست) في بولندة. --المترجمة

(7) الأزتك : هم شعب الناهيواتل Nahuatl المتمدن، وكان يطلق عليهم اسم الأزتك، وهو اسم موطنهم الأسطوري. قامت إمبراطورية الأزتك أول الأمر وسط المكسيك في النصف الأول من القرن (14) ثم امتدت من خليج المكسيك شرقاً حتى المحيط الهادئ غرباً والى جواتيمالا جنوباً، بنى الأزتك الأهرامات والمباني الضخمة وعرفوا التقويم وكان لهم جيش قوي حديث، كانت عاصمتهم مدينة (تينو جتيتلان)التي قامت في موضعها عاصمة المكسيك الحديثة. احتلهم الأسبان عام (1519) ودمروا عاصمتهم عام (1521).قاموس الأنثربولوجيا / د. شاكر مصطفى سليم / ط1/ 1981/ ص 82.  --المترجمة

(8) المايا Maya : إحدى اعظم الحضارات التي قامت في المنطقة التي تقع في جواتيمالا وهندوراس وإقليم يوكاتا في الجنوب الشرقي في المكسيك،بلغت أوج قوتها وازدهارها بين القرنين الرابع والعاشر. تركت آثاراً كثيرة أعظمها الأهرامات التي تصل إلى ارتفاع يزيد على (300) قدم. عاش المايا في قرى زراعية، وكانوا يعرفون الكتابة والحساب والتقويم وقد اشتهروا بتقديم الأضاحي البشرية. قاموس الأنثربولوجيا / د. شاكر مصطفى سليم / ط1/ 1981. المترجمة--

(9)  الأنكا : Inca إحدى الحضارات الهندية الأمريكية العظيمة التي قامت في منطقة الانديز في بيرو عام 1438 واستمرت مزدهرة قوية حتى الاحتلال الإسباني بقيادة فرنشتكو بيزار الذي انطلقَ عام (1532) وصل عاصمتها عام (1533) قام بالقضاء عليها نهائيا عام (1572). كانت الإمبراطورية تشمل بيرو وأجزاء من شيلي والإكوادور. كان مجتمع الأنكا مقسما إلى طبقات ويحكمه إمبراطور مقدس، تعاونه طبقة النبلاء. قاموس الأنثربولوجيا / د. شاكر مصطفى سليم / ط1/ 1981.  --المترجمة

(10) الباوني Pawnees : قبيلة هندية أمريكية شبه مترحلة كانت تقطن الجنوب الغربي من نبراسكا (إحدى الولايات الأمريكية). قاموس الأنثربولوجيا / د. شاكر مصطفى سليم / ط1/ 1981.  --المترجمة

(11)Bahia : إحدى المدن شرقيّ البرازيل. --المترجمة

(12)يقصد بالتاريخوغرافيا إعادة تشكيل التاريخ بالاعتماد على مواد تاريخية متداولة وتشكيلها من جديد انطلاقا من منظور، غير تاريخي، كأن يكون فنيا أو أيدلوجيا أو تهكميا أو... الخ. --المترجمة

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s