ذاكرة الحجر

علياء هيكل

كنت مدهوشة مولعة بهذه التحفة المعمارية الفريدة، أتفحص زخارفها الرقيقة والنقوش والكتابات المختلفة من الآيات القرآنية والمدائح و الأوصاف من نظم شعراء ذاك الزمان، وبلاطات القيشاني الملون ذات النقوش الهندسية التي ما زال القليل منها يغطي الأجزاء السفلى من جدران هذا القصر العتيق.. قصر الحمرا  بإسبانيا، تلك البلاد الرائعة و الجميلة في كل المواسم والفصول.. فهي عروس بهية في الربيع ترتدي ثوبها  الأخضر الزاهي المطرز بالورود.. وفتاة خجولة بالشتاء يدثرها الجليد بثوب جديد، وبالصيف تغدو كغجرية  فاتنة بفستانها الأحمر المزركش فتلهب قلوب المحبين.. وفي خريفها لا تفقد أيّ شيء من بهائها أبداً بل تعتكف قليلاً..  

لذا كان أول ما عزمت على زيارته هو بقايا هذا القصر المهيب.. قصر الحمرا بغرناطة، والذي شيد منذ ما يزيد عن الألف عام، لم يبق منه الآن إلا بقايا من السور الذي كان يحيط به  وأجزاء من القصر ما زالت على حالها.. وبعد جولة ممتعة داخله، قصدت تلك الابراج  التي كانت تستخدم للمراقبة والدفاع في ذاك الوقت.. سرت حذاء السور العالي وأنا أتحسس بيدي الأحجار الكبيرة المتراصة الى جوار بعضها البعض في براعة وكأنني أستدعي من ذاكرتها كل الأحداث التي مرت على هذا المكان العتيق..  كانت يداي تمرّان ببطء على الحجارة تتحسسها بشغف ولوهلة شعرت أنني أندمج مع كل هذا وكأنني جزء منه وأنه جزء مني..  

 وفي حين كنت مندمجة كلياً مع تلك الأحجار العتيقة، علق أحد أصابع يدي في فجوة ضيقة بين حجرين، التوى اصبعي بشده وشعرت وكأن تلك الحجارة قد أطبقت عامدة على أصابعي.. أزعجني أني فقدت هذا الاحساس الرائع الذي كنت أعيشه , حاولت سحب إصبعي في البداية لكن تعذر عليّ ذلك.. كنت ما أزال أحاول تحرير اصبعي العالق حينما لامس اصبعي شيئاً ما.. فتريثت قليلاً و رحت أدفعه أكثر للداخل حتى أتبين ماهية هذا الشيء وأكتشفه.. بدا لي كما لو أنها ورقة..! بعد أن استطعت بصعوبة إفلات اصبعي.. أخذت أفتش داخل حقيبتي عن أداة تساعدني في اخراج تلك الورقة العالقة بين الحجارة.. لم أجد سوى مبرد أظافري و كان طويلا بما يكفي ليصل اليها.. حاولت سحبها برفق الى الخارج والغريب أن الأمر كان سهلا ولم يأخذ مني وقتاً و لا عناء.. ظهر طرف الورقة واضحا بين الحجرين فالتقطتها بأطراف أناملي في حرص وحذر كي لا تتمزق.. وجدتها ورقة واحدة مطوية عدة مرات بالطول.. كان من الواضح أن أحدهم وضعها عامدا في الجدار..و بدا  أيضاً أنها  كانت تنتظر هنا منذ زمن بعيد فلقد تغير لونها كثيرا..

 لا أعرف لمَ برق في خاطري ما كان يُحكى في بلاد روما القديمة عن رسائل الحب التي كان يكتبها العشاق لبعضهم البعض ويدسّونها بين فجوات الجدران في الشوارع.. فالجميع في روما عشاق..

 اتكون هذه رسالة عشق كرسائل روما ؟ أخفيت الورقة سريعا بحقيبتي حتى لا يلحظني أحد من السائحين المارّين بالقرب مني.. وعدت الى الفندق متشوقة لأفتح الورقة و أكتشف ما فيها.. صعدت الى غرفتي وأول ما  فعلته كان أن فتحت حقيبتي وأخرجت الورقة وجلست الى الطاولة الصغيرة بالشرفة المطلة على مدينة غرناطة الساحرة .. وتعجبت من هذا الحدس الذي صادف الحقيقة.. انها رسالة بالفعل.

 والغريب ايضاً انها كتبت باللغة العربية..!  كلماتها جميلة، رشيقة الألفاظ و المعاني فانسابت نفسي منسجمة بين حروفها التي أسرتني.. كانت رسالة من امرأة لحبيبها.. قالت فيها:  

حبيبي الحاضر الغائب.. 

 قد تستغرب من هذه الرسالة المفاجئة، لكن لابد أن ارسلها لك على أي حال.. من الضروري أن أقول لك تلك الكلمات التي لم أستطع مواجهتك بها.. وأعرف أنك ستعثر عليها في نفس المكان الذي جمعنا لأول مرة.. وقد تستغرب أيضاً من شكل الرسالة.. شكلها يشبه رسائل الحب في الزمن الجميل .. أ تعرف لم أخترت أن أرسلها هكذا بهذا الشكل القديم ..؟!

لأننا نحن الاثنين أبداً لا ننتمي لهذا الزمن .. تقابلنا في زمن آخر غير زماننا..  و لا أعرف لم كانت تلك المصادفة التي كسرت نواميس الكون و بشكل استثنائي ساقت كلّاً منا إلى الآخر.. تقابلنا وكل منا محمل بأحلامٍ وطموحاتٍ يسعى لتحقيقها ومشاكل وأحزان وعقبات يحاول تخطيها.. تقابلنا في ذات المرحلة العمرية بل في نفسِ السن.. كل شيء كان متشابهاً تماماً.. الأفكار، الأحلام وحتى الكلمات المتطابقة التي كان يرددها كل منا قبل الآخر أو بنفس الوقت في معظم الأحيان.. نحن توأمان يا صديقي و هذه حقيقة لا يمكن اغفالها.. لقد اختبرنا هذا بأنفسنا..  لم يكن هذا إلا ارتباطاً روحياً وذهنياً ونفسياً لاثنين توافقت روحاهما وتشابهت وتعارفت.. لكن كما ذكرت لك يا  صديقي نحن في الزمن الخطأ.. ولربما لم يأت زماننا بعد.. ولهذا فلا يمكن لأي منا الاستمرار في هذا الحب الذي احتل كياننا و روحنا.. قد تكون الكلمات قاسية لكن لابد منها.. فكرت كثيرا وكلما حاولت الابتعاد اقتربت أكثر.. وكلما أغلقت باباً انفتح أخر.. تحاصرني روحك فلا مفر منها .. 

يا إلهي..! 

عندما نعشق ماذا يعترينا  ؟   ما الذي يحدث في داخلنا ؟

ما الذي يُكسر فينا  ؟     كيف نرتد إلى طور الطفولة  ؟

كيف تغدو لحظة الشوق سنينا؟   ويصير الوهم في الحب يقينا؟

كيف يلغي الحب كل الأزمنة ؟  فيصير الصيف يأتي في الشتاء

ويصير الورد ينمو في بساتين السماء ..

حين نغدو عاشقينا.. ياإلهي..!

يا لك من عاشق يا نزار !

 

لقد لمَست رُوحك روحي، حَركت كياني، أهديتني المشاعر التي حُرمتْ روحي منها.. وهذا هو الحب الذي جاء متأخراً بعد أن فتشت كثيراً عنه.. سأضع نفسي الآن وسأتوقف عند تلك اللحظة التي ودعتك فيها ذاك اليوم..

كانت هذه هي المرة الأجمل والأصدق على الإطلاق التي التقيتك فيها.. ولا أعرف لم شعرت ساعتها أني أتنفسك..! 

 توأمي الروحي.. ! فكرت كثيرا كيف سأعيش ما تبقى من حياتي من دونك، وفكرت أكثر كيف سأعيش بك.. فغيابك حضور موجع وحضورك بهاء وحياة ليست لي.. الآن لن نخدع أنفسنا بتلك الكلمات التي تحمل على أحرفها حجج البقاء..  وليس الترك بالأمر السهل ولا الهيّن..  ويكفي أنني سأُحرم عينيّ من بريقهما الذي كانتا تستمدّانه منك.. لكنّي لن أعود كما كنت أبداً, و يا ليتني أستطيع.. 

قد نلتقي يا صديقي ثانية.. لكن بمكان وزمان آخرين فنظل هكذا نعبر بأرواحنا الى كل العصور.. ولكن فلتتذكر جيدا أنك ساعتها ستقول لي “:   أين رأيتكِ من قبل؟ أشعر أني أعرفكِ جيدا! “  وسأجيبك أنا: “نعم تعرفني جيدا فمنذ البداية ونحن معاً لم نفترق. فلكل منا دروبه الخاصة وأسفاره في روح الآخر، ولن يعلم أحد عن أسفارنا شيئا أيها الحبيب.. لن يعرفوا ما عرفناه أبدا “..   كما قال جلال الدين الرومي.

هكذا هي الأرواح لا تفنى بل تبقى أبد الدهر وقد اخترت أن نبقى معاً في عالمنا نحن حيث اللامكان واللازمان.. 

لا أعرف لم هربت الآن مني المعاني وتناثرت الأحرف وضاعت الكلمات..! هل أقول لك شيئاً ؟ دعنا نؤجله لحينه.. لزمانه.           

وأخيراً.. سلام اليك من روح عاشت وستعيش فيك كل الأزمان.

                                          غرناطة / فبراير 2051 م          

 ما هذه الرسالة العجيبة ؟ هل التاريخ الذي أراه صحيحا؟  فبراير 2051 م ؟!   هل هذه الرسالة عمرها مائتان وستون عاما..!  كيف هذا.. وهل ظلت الرسالة حبيسة الجدار كل تلك الأعوام ؟

 لكن كيف وهذه الفتاة المجهولة أكدت في رسالتها أن حبيبها هذا الذي لم تذكر حتى اسمه، سوف يعثر عليها لا محالة ؟.. كانت واثقة من هذا. من تكون تلك المرأة و لمَ قررت فجأة التخلي عن حبها والابتعاد عن توأم روحها كما وصفته؟ ما الأسباب القوية التي دفعتها مرغمة على حرمان نفسها من هذا الحب الذي ألهب مشاعرها واحتل كيانها ؟!  فكلماتها تحمل الكثير من الأسى والانكسار وتحمل حبا كبيراً وفقداً أكبر.. حروفها تنبض بلوعة العشق وعمق الإحساس للحبيب والإخلاص له..  وتخبىء كذلك حسرة و رضوخاً لقدر قاس حال بينهما.

أعدت قراءة الرسالة مرات عدّة, و في كل مرة كانت تؤثر فيّ أكثر من المرة التي سبقتها ..  

ووجدتني أعتب عليها تركها للمحبوب.. ولكني تراجعت عن ذلك فأنا لست مكانها لأشعر بما شعرت به ولا أعرف ما هو السبب الذي اضطرها لتركه.

 واحترت اكثر في حبيبها. لماذا لم يعثر على الرسالة ولماذا لم يأت لنفس المكان مرة أخرى كما تيقنت هي؟  شعرت أنني أمام لغز.. قصة حب رائعة مثالية كقصص الحب تلك التي نقرأ عنها في الحكايات.. انها حياة نابضة كانت و مضت.. ولم يعرف أحد عن حبهما أي شيء..  

وشعرت بقلبي يخفق بشكل مفاجئ خفقة قوية كمن قام لتوه من سبات طويل.. وأن نبضاته أصبحت غليظة، ثقيلة، قوية و أنه يوجعني.. نعم يوجعني وكأنه يعاني ألم العشق ولوعته..! و رغماً عني دمعت عيناي فاستغربت نفسي.. لمَ كل هذا التأثر برسالة مضى عليها زمن طويل ومات أصحابها ولم يبق لهم أثر؟  

وسألت نفسي .. أهكذا تكون النهاية ؟ يرحل كل منهما في اتجاه ويمضى.. كيف تحملت هي ما تبقّى لها كما قالت وكيف تحمل هو هذا الاختفاء المفاجىء لمحبوبته ؟ فهو لم يعلم عن أمر الرسالة شيئاً.. هل بحث عنها؟  هل عاش يحملها في داخله كما عاشت هي ؟  يا ربي.. كم تخبىء لنا الأيام والتاريخ أسراراً  لا تخلدها الا الكلمات..! وكم تاهت فيه أسرار وحكايا !   

لم أطق البقاء في الغرفة وحدي فغادرت الفندق متجهة للشارع القديم بغرناطة والذي يضم السوق الكبير و المقاهي و المحال التجارية الشهيرة.. جلست في أحد المقاهي في زاوية مميزة كاشفة للمنظر كاملاً انظر للمارة العابرين أمامي  كجريان المياه بالنهر و أتأمل الجالسين من حولي. بدوا  لي وكأنهم أشبه بالصخور على ضفتي الشّارع.. و لا اعرف لمَ انتابني شعور بشجن شفيف ووحدة للروح وغربة عن هذا الزمن.. كنت شاردة في كل ما حدث وفي كل هذا الزحام الذي بدا لي كأمواج متلاطمة تتعالى أصواتها بين الحين والأخر.. وفي خضم كل هذا الصخب أتاني صوت رصين هادىء يهمس قريبا مني.. التفتّ اليه.. فإذا به شابا وسيماً يبتسم لي و هو يقول بتهذيب و وقار:  “هل هذا الكرسي لأحد؟”  كان يقصد الكرسي الذي الى جواري و الوحيد الخالي في المقهى التي امتلأت عن اخرها.. وحين هممت بالرد عليه وقبل أن أنطق بأي حرف جمدت عيناي أمام عينيه العميقتين وكأنه أطل الى داخلي و عبرت أنا إليه.. ولم أستطع تفسير علة هذه البهجة التي ملأت روحي أو  لمَ تعلقت عيناي هكذا بعينيه و بعد لحظات مذهلة من غيابنا في الصمت وبصوته المعتق كالنبيذ أردف في حيرة قائلاً:-  

 ” أين رأيتكِ من قبل؟  أشعر أني أعرفكِ جيدا..! “ 

وبلا تردد و دون إدراك مني أجبته:

                          ” نعم تعرفني جيدا فمنذ البداية ونحن معاً لم نفترق.. ”  

                                                   انتهى،،،

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s