رحلة من أرض علاء الدين إلى ڤيينا

فيّ السيّاب

الولادة هي الخروجُ من الوطنِ إلى العالم..

يوم وضعتُ قدمي في الطائرة التي أخذتني إلى أول دولةٍ أوربية أزورها في حياتي علمتُ أن المخاض الذي تعسّر منذُ ثلاثة عقود ونصف انتهى وانني سأرى العالم واتنفس الحياة.

كنتُ أعتلي بساط جدي علاء الدين الذي حملني من العراق إلى أراضي النمسا الدولة الأجمل في اوربا.  كانت ڤيينا (لحسن حظي)  أول أرضٍ أُوربية تطؤها قدماي , وكأي سائحٍ عربي منبهر  أذهلني كلُّ شيء حتى الأشياءُ التي ربما كانت موجودةً عندنا لكنّها عندهم لم تكن على الهيئة نفسها.. فقد أذهلني الهواء.. نعم, أذهلني الهواء الخفيف الذي لا يحمل البارود و لا رائحة البترول.. أذهلني المساءُ الصيفي الطويل!  أذهلني ألّا غبار على الأشخاص .. ولا غبار على الأشياء.. بل أنهم لا يستهلكون الغبار كما نستهلكه نحن من حيثُ أتيتُ أنا!

وأذهلني أن المطار كان لا يتعدى كونه مطاراً !

لم يكن مؤوسسةً أمنيةً عسكرية!

لم يكن مليئاً بنقاط التفتيش و كلاب الk9 !

بدت لي ڤيينا وكأنها التفاحة، وبدت لي الطائرة هي الأفعى التي وسوست لي بها.. بيد أن لا آدمَ لأُغريَه!

كان المساءُ ينزلُ رويداً رويداً على المنازلل، من شرفةِ غرفتي في فندق(Franz Kaiser Joseph Hotel).

الواقع أنّي في مقاطعة دولبنج استمتعتُ باطلاق حرية عينيّ واصطياد اللحظات على شكل صور.

 في سريري، كحمامةٍ ذاقت نكهة الطيران بعد سنوات من ايمانها انها سلحفاة رميتُ بجثتي السعيدة !

ليلةٌ من ليالي حزيران كُتب لي فيها أن أرقد في ڤيينا. كيف للبشر أن يفكروا بالتفاصيل الصغيرة؟!

نعم .. كانت هناك نافذةٌ في السقف تسمحُ لك وأنت نائم أن تشهد روائع الطبيعة، كما فعلتُ أنا. راقبتُ المطر ليلاً وهو يهطل على النافذة وأنا تحته! هل هناك أجمل من هذا الحلم؟!

والشمس تدخل إلى وجهي من ذات النافذة، سائحةٌ عربيةٌ من بلاد الكبت والخوف والنظريات الدينية في بلاد الإنسان! 

بلادي هي الرحم الذي احتواني لكنه كان رحماً مريضاً اهلكته مشارط الحروب وأمراض الرجال الجنسية التي تملكته.

زرتُ معالم النمسا, أكلت من ثمار شوارعها.. شربت من ماء صنابيرها. بينما العراقيون الذين معي لم يصدقوا أن صنبور الحنفية يهديك ماءً صالحَاً للشرب مجاناً!

و في طريقي لاختتام رحلتي, أصابني -كعادتي- الحنين لبيتي و أهلي.

كان يتوجبُ الرحيل حتماً وكدتُ أؤمنُ أن الرَّحمَ المريض يعنيني أكثر من الجنان الالهية التي زرتها.

فأخذتُ معي ذكرياتي و بعض الهدايا لمن يهمني امرهم في العراق.

في العودة تبرعت بمبلغ بسيط لدعم الدراسة في الدول المنكوبة.. كنتُ أشعرُ أنني أكثرُ حضارةً من الدنيا..

رحلةُ العودة تشبهُ إعادة تصفّح كتاب أتممتَ قراءته توّاً.. فتمرُّ عينك على أهم صفحاته وجمله..

حين وصلتُ العراق شعرتُ أنَّ هواءهُ يحملُ هويتي وأنني مهما انبهرتُ وفرحتُ أو حلّقتْ سأعودُ كحمامةٍ زاجلةٍ إلى وطني!

في مطارٍ صغير مؤقت في مدينة ذات طابع ديني توقفت الطائرةُ العائدةُ بي..

كنتُ أتوقُ إلى أن ارتمي في سريري لأستعيد الحلم مرةً أخرى!

بينما كنت أفكِّرُ بكل هذا، أشارَ ضابط الأمن في المطار إلى ضرورة فكِّ حقائبي.

نعم كانت مثيرةً للريبة؛ الحمامةُ العائدة كان لابدَّ لها أن تؤمن أن الحريةَ لها أهلها. صادر موظفُ المطار مقتنياتي وهداياي مدّعياً أنّها تهريب!

إنّ كلَّ ولادةٍ يا أعزائي هي رحلةٌ طالت أم قَصُرَتْ, هي رحلةٌ إلى الموت..

تمّت

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s