سنوات الوله

رواية ديمقراطية.. هي سنوات الوله

حين يروي جميع الشخصيات الرواية أحداثها

الغربي عمران

لم يعد السرد الحديث في اليمن غريبا كما كان قبل قرن. فهو اليوم يكسب مساحة بعد أخرى على حساب قفار الشعر.. وكأننا بالشعر يستسلم له.. أو أنه يستعد لمفاجآت لا نتوقعها. فالشعر في ظني لا يمكن أن يفقد موطنه بهذه السهولة.

السرد الحديث في اليمن بدايته كانت مبكرة مقارنة بضهوره في أقطار الجزيرة العربية، فأول رواية “فتاة قاروت” 1927.. للسقاف، وإن أستمر مسار السرد بعد أول رواية شحيحا اضافة إلى قصوره الفني، إلا أن كتاب سبعينات وثمانينيات القرن الماضي كانت لأعمالهم حضور، ونضوج فني تجاوزت تلك البدايات. 

ومع العشرين سنة الأخيرة أضحت الرواية في اليمن لها حضورها.. لتصل بعضها باستحياء على القوائم الطويلة والقصيرة لبعض الجوائز العربية. نتيجة لما حققته من انتشار عبر طباعتها في دور نشر عربية لها تجاربها الواسعة في النشر والتوزيع.

إذا السرد في اليمن قارب القرن منذ أول إصدار وحتى اليوم ، ومقارنة بما أنتجه الرجل ظلت الاصدارات النسائية ظلت نادرة.. حتى بداية العقدين الأخيرين حين برزت أكثر من كاتبة بأعمال فيها نضوج لافت.. مثل أعمال: نبيلة الزبير.. نادية الكوكباني .. أسماء المصري.. سلمى الخيواني .. الإرياني..  بشرى المقطري.. حفصة مجلي .. نبيهة محضور.. وغيرهن.

وبمقارنتي للإصدارات بين الكتاب والكاتبات لا أروج لأدب نسوية وآخر ذكوري.. كما يروج البعض بأن خصائص الكتابة تختلف بين الجنسين.. وما أراه أن ما يكتبه الرجل والمرأة هو أدب إنساني.. وما أوردته هنا هو بهدف مقرنة الانتاج السردي بين الرجل والمرأة في اليمن.. التي تأتي نسبة اصدارات الكاتبات ضئيلة في المجمل.. مع انعدامها في البدايات.. وزياداتها في العقدين الأخيرين.  

اليوم بين يدينا عمل روائي حاولت الكاتبة أن تأتي من خلاله بجديد.. وقد تمثل في ديمقراطية الرواة.. ففي “سنوات الوله” وهو عنوان رواية للكاتبة شذا الخطيب. جعلت جميع شخصيات الرواية يتوالون سرد أحداثها.. لتقترب عدد الأصوات من العشرين راو. هم “عبد الفتاح” الهارب من جحيم حرب 1986 بين أجنحة الحزب الاشتراكي في عدن. وبناته: سارة وهاجر ومريم وفاطمة وزجته الألمانية هانة. إضافة إلى بقية الشخصيات مثل: رضوان الليبي الهارب من جبروت نظام القذافي، وليث العراقي من جور صدام، ومازن الفلسطيني، ونور الدين الجزائري… الخ تلك الشخصيات التي تناوبت السرد طيلة ما يتجاوز المائتين صفحة.. قسمت إلى 29 بعدد سنوات أحداث الرواية. بداية بعام 1986 ونهاية بعام 2015.. بمعنى أن كل فصل يحمل معنون بعام.

كان المحور الأساسي للرواية تلك الحالة التي يعيشها المهجر في مجتمع غريب. من فقدان للهوية. كما عالجت أكثر من تيمة.. منها تسلط الأنظمة العسكرية على الشعوب. الثقافة المتعددة بين فارين يلتقوا في بلاد المهجر مكونين مجتمع صغير يعوضهم عن صقيع الإتراب. وأيضا تيمة الدين وموجة الفوبيا التي اجتاحت المجتمعات الغربية، أو نقول شعوب العالم.. بعد عنف وتطرف المتأسلمين برفض وتكفير كل ما هو غير مسلم، واعتبار دمائهم وأعراضهم وأموالهم حلال. فلم تستحوذ فكرة بعينها على مجريات أحداث الرواية … بل أن تلك التيمات توازت في مساراتها ضمن سياق حياة مجتمع صغير هو مجتمع خليط من جنسيات عربية.. بل وتجاوز ذلك إلى تلك الزيجات من أوربيات وما ينتجه تمازج متعدد للثقافات.

ابتدأت الكاتبة روايتها من معاناة “عبد الفتاح” وأسرته كفار من دكتاتورية الحزب الاشتراكي، ولم تكتفي الكاتبة بما يدور في اليمن من احتراب بين الشطرين إلى الوحدة عام 1990.. ثم إلى حرب الانفصال.. بل جعلت من صفحات روايتها مسرحا لأحداث عربية هامة.. مدللة على طغيان الأنظمة الديكتاتورية، ونتائج جبروتها. ليلتقي عبد الفتاح في لندن بعشرات الفارين من شتى الأقطار العربية، فاجتياح الكويت. ثم تحريرها واحتلال العراق خلف مآسي.. فكان من بين من فروا “ليث” وأسرته إلى بريطانيا، ونظام القذافي شرد الألاف.. ولمعاهدة السلام الفلسطينية الإسرائيلية ضحاياها.. وهكذا هم ضحايا النظام السوري والجزائري. ليكون الفارون مجتمع صغير في بلاد الغربة، تضلله مشاعر الشجن والحنين. بل أن الكاتبة تجاوزت ذلك إلى أبرز الكوارث في العالم كتدمير برجي نيويورك وانعكاساته على الجاليات العربية والإسلامية في العالم وتفجير طائرة لوكربي.. وحرب أفغانستان وغيرها، فالمتلقي أثناء قراءته للرواية يتخيل خارطة العالم بعد أن حولته إلى مكان جامع لأبرز الأحداث المؤثرة في حاضر ومستقبل الإنسانية.

سنوات الوله تجعل القارئ يعيش أحداثا عاشها.. لكن من زوايا مختلفة.. وهي الزوايا التي ترى وتحكي شخصيات العمل معاناتها، وذكرياتها بين الوطن ومجتمعات المهجر.

هذه الرواية تذكرنا ببعض أعمال واسيني الأعرج. والروائي السوداني الطيب. والطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال. وكذلك أعمال حبيب سروري.. وعلاء الأسواني. وغيرها من الأعمال التي عالجت قضايا الهجرة والهوية وتسلط الأنظمة العسكرية. الرواية في مجملها محاكمة للأنظمة العسكرية.. 

وقد بدت الكاتبة منحازة ومناصرة لقيم الإسلام.. وكأن شخصيات روايتها دعاة..  متمسكين بالدين والجذور.. وقد يغفر لها ذلك كون المهاجر يظل باحثا عن وطنه متمسكا بما أستقر في أعماقه.. بعد أن ترسخت في أعماق تلك الشخصيات أن حياة المجتمع الغربي فسوق وانحلال.

رواية مختلفة في موضوعها.. وفنياتها خاصة في تقنية تعدد الأصوات التي قاربت العشرين راو.. ومن حيث أفق المكان الذي استطاعت تحول قارات العالم إلى مواقع لأحداثها.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s