سُعار الحسد: بودريار وسلب بغداد

Stephen Smith©

Translated by ©Khalida Hamid

The following article, “Furious Envy: Baudrillard and the Looting of Baghdad”, written by Stephen Smith, examines the legal and military conditions that led to the destruction of the Iraqi cultural heritage. Some call this the  “end of history”. Stephen Smith develops his article by referring to French writer and critic  Jean Baudrillard’s theoretical model for understanding the chaos of Baghdad. Baudrillard  argues that the aim of the West is to make culture uniform worldwide, and to impose a new global order. The writer surveys the looting of Mesopotamia’s treasures during US-led invasion of Iraq

ستيفن سميث(*)

ترجمة: خالدة حامد

يبقى الشك كبيراً في أن فشل الولايات المتحدة في حماية المواقع الأثرية ـ أكثر من إهمالها ـ هو خطأ متعمدٌ تمّ تصميمه بوصفه نوعاً من “الصدمة والترويع” الثقافيين اللذين يدمّران الإحساس بثقافة مشتركة بين العراقيين، مخلّفاً وراءه صفحة فارغة لدمغة قوة الاحتلال الأمريكي وقوة الإعمار الذي يليه. وسيمثّل ذلك، عند البرهنة عليه، إبادة ثقافية لم تشهدها نفائس هذه الحضارة، بل نادراً ما شهدتها في عمرها الممتد لأكثر من سبعة آلاف عام. 

هناك شكوك أثيرت بين الصحفيين غير المجنّدين(**) بشأن ما يبدو طابعاً عشوائياً للسلب. فقد لاحظ روبرت فسك في بغداد، أن هذه هي السنة صفر بالنسبة للعراق؛ إذ مع تدمير آثار المتحف العراقي وحرق الوثائق الوطنية ومن ثم مكتبة الأوقاف، تمّ محو هوية العراق الثقافية.. لماذا؟ مَن أضرم هذه النيران؟ ولأي غرض مجنون تمّ تدمير هذا الإرث؟ (1)

إن الفوضى التي أحاطت بسقوط بغداد تجعل من العسير الإجابة على هذا السؤال، ولا سيما حين يكون الخط الفاصل بين الفعل الشعبي التلقائي والدعاية غائماً. ومع ذلك نقول إن هذا التفسير للأحداث لم يكن الوحيد الذي وقف عائقاً أمام الفهم، ولا سيما حين تفتقد معظم التعليقات الصادرة من داخل العراق وخارجه إلى إطار نظري ومنظور ثقافي.

ويقدم الكاتب والناقد الفرنسي جون بودريار في مقالة المنشور في صحيفة اللوموند دبلوماتيك في تشرين الثاني 2002 نموذجاً نظرياً لفهم فوضى بغداد ، اذ طرح حجته الأساس في مقالة ” اليأس من الاستحواذ على كل شيء ” (2):

تتمثل مهمة الغرب بجعل ثروة ثقافات العالم قابلة للاستبدال وخاضعة للنظام العالمي، أي أن ثقافتنا المجردة من القيم تثأر لنفسها من قيم الثقافات الأخرى…

ويواصل بودريار فكرته القائلة بأن ظهور النظام العالمي “اكتسب قوته من ثقافة غير مهمة وغير معروفة، واجهها واقع ثقافات معروفة جداً. والحسد هو ما تشعر به الأنظمة التي فقدت كثافتها، في حضور ثقافات عالية الكثافة. هذا تعبير عنيف عن الشعور المكبوت إزاء حياة مأسورة ووجود محصّن، وبإزاء امتلاك الوجود أكثر مما ينبغي… 

كان من الممكن دائماً، ضمن النظام التقليدي، (ردّ الدَّين إلى الله أو الطبيعة أو أية سلطة عليا أخرى من خلال التضحية). واليوم لم يبقَ من يقوم بالتعويض. إلى مَن يمكن أن (نردّ) دَيننا الرمزي؟. هذه لعنة ثقافتنا، إذ على الرغم من عدم استحالة العطاء، صار (الردّ) مستحيلاً، لأن التضحية تجرّدت من أهميتها وقوتها”.

من الممكن فهم تصوّر بودريار لـ (التضحية) بوصفه الدور الذي تمارسه الطقوس والشعائر في شحن المجتمع بقيمه. إنها مشاركة الفرد في مجتمعه وثقافته، وممارسة فعل الاستبدال معهما. 

إن الأهمية التي ينسبها بودريار لفقدان القدرة على (الردّ) يمكن معادلتها، ضمن المعنى الثقافي، بالتبادل غير المتكافئ. فإن كانت الثقافات كلها قابلة للاستبدال والخضوع، يغدو حصول الاستبدال الثقافي، عندئذ، متعذراً. وتعدّ القدرة على (الردّ) عبر الشمال والجنوب، وبين الغرب وسائر العالم هي ما توفر للإنسانية، في النهاية، الأساس المشترك الوحيد. وهذا بالضبط ما يضيع عند العولمة. ولفهم الحقد الذي يشعر به العالم ضد العرب، يذكر بودريار في مقاله أن علينا، لهذا السبب، أن نقلب منظورنا. 

ليس الحقد “هو ما يشعر به الناس الذين سلبناهم كل شيء ولم نرجع لهم شيئاً، بل الحقد هو شعور الذين أعطيناهم كل شيء، وهم لا يعطوننا شيئاً بالمقابل. حقدهم نابع من الإذلال، لا من السلب أو (الاستغلال)”. 

إن أسوأ “ما يمكن أن يحدث للقوة العالمية، لا يكمن في احتمال تعرضها لهجوم أو تدمير، بل في احتمال إذلالها. لقد تعرّضت القوة العالمية، في الحادي عشر من أيلول، إلى الإذلال لأن الإرهابيين سدّدوا ضربة لا يمكن إرجاعها لهم بالمقابل. والانتقامات هي محض ثارات مادية فيزيائية ، في حين عانت القوة العالمية هزيمة رمزية”.

من هنا لن يكون باستطاعة “الحرب إلا (الردّ) على اعتداء الإرهابيين المادي، لا على التحدّي الذي يمثّلونه. ولا يمكن التعامل مع تحدّيهم إلا من خلال الإذلال الانتقامي للـ”آخرين” (لكن لا من خلال سحقهم بالقنابل، قطعاً)”.

يوحي فهم بودريار للإذلال الانتقامي بأن الولايات المتحدة تنظر إلى ” اللاغرب ” Non -West بوصفه آخر مختلفاً كلياً. من هنا يكون العراقي قابلاً للاستبدال بشخص من تنظيم القاعدة، وهذا بدوره قابل للاستبدال بأي عربي أو مسلم أو آسيوي أو .. الخ. وقد افترض هذا الأمر أشكال الإبادة الثقافية بعد سقوط بغداد. وقد ذكر أحد الآثاريين العراقيين، لصحيفة النيويورك تايمز، أن:

هوية البلاد وقيمها وحضارتها تكمن في تاريخها. فإذا “تعرّضت حضارة البلاد إلى السلب ـ مثلما حصل مع حضارتنا ـ ينتهي عندئذ تاريخ تلك البلاد. رجاءً اخبروا الرئيس بوش بهذا الأمر. أرجوكم ذكّروه بوعده الذي قطعه على نفسه بتحرير الشعب العراقي. هذا ليس تحريراً؛ إنه إذلال”(3).

وللبرهنة على ستراتيجية الخطأ المتعمّد، بإمكاننا قياس استجابة الولايات المتحدة في بغداد أمام ثلاثة مؤشرات رئيسية(4): ما المسؤوليات التي حملتها القوات الأميركية على عاتقها في الأيام الأولى من الاحتلال؟ وبعد الاستفحال المطوّل للاعتداءات، هل قامت الولايات المتحدة ـ بوصفها القوة المحتلة ـ بواجبها القاضي برعاية الإرث العراقي؟(5) وإلى أي مدى تمّت فبركة الفعل الجماهيري العراقي لأغراض دعائية، وبأية كلفة، من أجل حماية المواقع؟

بخصوص المسالة الأولى ، تفيد المؤشرات بوجود اختلاف واضح في الأولويات الممنوحة لحماية المواقع الاقتصادية بالمقارنة مع المواقع الثقافية ، فحماية ملفات وزارة النفط العراقية وأسرها يكشف عن أولويات القوات الغازية ودوافعها . فبفضل الإشراف الدقيق والحراسة المكثفة للدبابات الأمريكية التي تعيق أي دخول ، كانت وزارة النفط واحدة  من قلائل المباني العامة التي ظلت بمنأى عن سلب اللصوص(6).

أما مسألة واجب الرعاية، فقد تمّ التعامل معها بطريقة مباشرة جداً. فقبل اندلاع الحرب قدّم الباحثون الدوليون التماسات عاجلة، للحيلولة دون تدمير ما عدّه الكثيرون مهداً للحضارة.

وفي الثامن والعشرين من آذار أصدر مركز خدمات أخبار العلوم والتكنولوجيا بياناً يؤشر “الخطر الشديد المتربّص بإرث العراق النفيس من جراء الفعل العسكري”، وقّعه أكثر من مائة أكاديمي أمريكي وأوربي بارز.

وقدّمت منظمة الدرع الأزرق التماساً مشابهاً يمثّل أربع هيئات دولية من أجل المكتبات والمتاحف والمعالم البارزة [النصب التذكارية](7). والتقى البروفيسور ماكواير غيبسون McGuire Gibson، أستاذ الآثار الرافدينية في المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو، بمسؤولي وزارة الدفاع في كانون الأول من عام 2003. وعن لقائه هذا يقول: “أشرت لهم إلى أن المتحف هو أحد أهم المواقع الأثرية في البلاد، وقالوا نحن نعي ذلك وسيكون المتحف محصّناً تماماً ولن يُستهدف”(8).

يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة كانت ملزمة بواجب الرعاية، لحماية إرث العراق، وقد عضد هذه النتيجة ثلاثة من المستشارين الثقافيين في البيت الأبيض، استقالوا احتجاجاً على الفشل في منع نهب المتحف الوطني العراقي. وقد وضح مارتن سوليفان، رئيس اللجنة الاستشارية للممتلكات الثقافية، قائلاً: “لم يكن بالإمكان الحيلولة دون حدوث المأساة، بسبب سوء تصرف دولتنا”. وندم أحد زملائه بسبب “افتقاد الإدارة التام للحساسية والرؤية، فيما يتعلّق بغزو العراق وضياع كنوزه الثقافية”(9). 

وأبدى روبرت فسك ألمه، في أحدى مقالاته للاندبندنت، قائلاً: 

“لماذا؟ كيف تأتّى لهم فعل ذلك؟ ولماذا سمح الأمريكان للغوغاء بتدمير الإرث الرافديني النفيس، حينما كانت النيران تضطرم في المدينة، وبعد مضي أقل من ثلاثة أشهر على لقاء الآثاريين الأمريكان ومسؤولي البنتاغون لمناقشة قضية كنوز العراق، ووضع متحف الآثار العراقي في بغداد ضمن قاعدة بيانات عسكرية؟ كل ذلك يحدث في الوقت الذي كان فيه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد يسخر من الصحفيين الذين تحدثوا عن اندلاع الفوضى في بغداد”(10).

أما رامسفيلد، فقد ردّ قائلاً:

“مثل هذه الأمور تحدث عادة؛ إنها غير مرتبة. الحرية نفسها غير مرتبة؛ فالناس الأحرار هم أحرار بارتكاب الأخطاء، وفعل الجرائم والقيام بأمور شنيعة”. ثم واصل كلامه، وهو يُطلق النكات: “التلفزيون لا يفتأ يعرض اللقطة نفسها عن الرجل نفسه الذي يسرق زهرية مرة تلو المرة”، مضيفاً أنه لا يعتقد بوجود هذا العدد من الزهريات في العراق”(11).

ومع تكرار هذه الصورة للزهرية المسروقة مرات كثيرة، كم كان ساخراً حقاً أن يشير رامسفيلد، بلا براعة، إلى مفهوم بودريار القائل بأن الحقيقي ليس ما يمكن إعادة إنتاجه، بل ما تمّت إعادة إنتاجه أصلاً، أي الحقيقي المغالى فيه. 

وبينما استحوذ إسقاط تمثال صدام على اهتمام شبكتي فوكس نيوز وبي بي سي، لم يكن الحدث برمزية إسقاط جدار برلين؛ فبعيداً عن الاحتفال التلقائي المرح، ظلت العصابات من بين الناس الذين كانوا في الشوارع: مهربو آثار وعسكريون يحرّضون على المزيد من موجات السلب والنهب، من خلال أفقر ضحايا النظام السابق. 

لقد وجدت الحرية المنظمة وقتاً لتخطيط هذه الأعمال وتنفيذها تحت غطاء السلب العام، وكان من واجب البنتاغون ـ بعد صرخات التحذير التي لا حصر لها ـ أن يتوقع الفوضى وأن تُعدّ لها إجراءات مضادة. ولسوء الحظ شهد الوضع، تحت قيادتها، حالات من تورّط الجنود في السلب مباشرة. وقد تحرّت مجلة التايمز عن الكيفية التي أصابت بها القوات الأمريكية مطار بغداد الدولي بأضرار تصل إلى مائة مليون دولار.

وذكرت بعض المصادر أن القوات الأمريكية دعت إلى السلب وحضّت عليه. وتشكّل هذه الأقوال شهادة مقنعة؛ ففي الحادي عشر من نيسان قدّمت صحيفة ستوكهولهم Dagens Nyheter وصفاً لأحد الدروع البشرية، واسمه خالد بيومي، ليتكلم عن الدور الذي مارسه الجنود الأميركان في موجة السلب: 

“أطلق الجنود النار على حارسين سودانيين وقفا في موضعهما خارج إحدى مباني الإدارة المحلية، ثم اقتحموا أبواب المبنى. وخرجت من الدبابات صرخات جذلى باللغة العربية، تشجّع الناس على الاقتراب منهم … كان المترجمون العرب في الدبابات يخبرون الناس بإمكانية الدخول إلى المبنى، وأخْذ ما يشاؤون، فشاع الخبر بسرعة ونُهبت البناية… وفي الصباح التالي طال السلب المتحف الحديث الذي يقع على مبعدة ربع ميل إلى الشمال”(12).

وثمة تقارير أيضاً لشهود عيان على سلب المتحف الوطني. فمجلة آسيا تايمز أون لاين، مثلاً، تكشف الكيفية التي بدأ فيها أمناء المتحف بجمع الأدلة المروّعة التي تؤكد أن هذه العملية كانت منظّمة بدقة:

هكذا “اختفت الملفات الآثارية وأقراص الكومبيوتر بسرعة، وكانت معدّات قَطْع الزجاج ملقاة على أرضية المتحف. كانت الأعمال المقلّدة التي وضعها الأمناء عوض القطع الأصلية لا تزال في مكانها، في حين اختفت الأعمال الأصلية. تمّ فتح أقبية المتحف بمفاتيح خاصة. وذكر أحد الجنود المسلحين عند باب المتحف للمجلة أن الجنود الأميركان لم يأخذوا شيئاً، لكنهم فتحوا الأبواب “لأشخاص من جنسيات أخرى” كي يقوموا بالسلب، “ولا يستطيع أي عراقي فتح الأقفال بالطريقة التي فُتِحَت بها”(13).

وكان البروفيسور والتر سومرفيلد، رئيس معهد دراسات الشرق القديم في جامعة ماربورغ والأستاذ فيه، يزور بغداد في أوائل أيار (وتقريره موجود على الإنترنت)(14). وقد علّق،عند دراسته لما ذكره شهود العيان، قائلاً: 

“أكثر ما أدهشني في أقوال شهود العيان هو التشديد على أن الجنود الأميركان جعلوا السلب ممكناً، من خلال تحطيم (أو إطلاق النار على) البوابات المحصّنة جداً، وفتحها ومن ثم النداء على المتربصين :”ادخلوا يا علي بابا، إنها لكم!” لقد تكرّرت هذه العبارة مرات كثيرة على لسان الشهود، ويبدو أن عبارة (علي بابا) هي الشرَك الأمريكي الذي جرّ العراقيين للسلب. كما أشيع كثيراً أن الكويتيين الذين رافقوا الأميركان بصفة مترجمين، كانوا يدعون إلى السلب أيضاً”.

وعند وصف سلب المتحف الوطني، أضاف أحد مراقبي سومرفيلد أن الجنود الأميركان حرّضوا الحشد على مساعدتهم، بقولهم :”إنه كنـزكم، ادخلوا!”. 

ويذكر سومرفيلد أسماء ثلاثة شهود على سلب المتحف، فضلاً عن مهنهم، وأوصاف كل واحد منهم. فمثلاً، يذكر حارس أحد المساجد المجاورة أن الأميركان “رجعوا في الرابعة والنصف من صبيحة اليوم التالي، وأمر أحد الضباط جنوده بالتقدّم إلى الداخل داخل المتحف . كان الكويتيون هناك مع الجنود الأميركان. أخرجوا النفائس من المتحف وحمّلوها في سبع مركبات تخصّ الجيش الأمريكي، ثم سار الرتل بأكمله مبتعداً بمعية السيارات المدرّعة”.

ويقدّم جوناثان دفي من بي بي سي سرداً للدور المركزي الذي قامت به القوات الأمريكية في سلب المعهد التقني في الناصرية(15)؛ إذ ذكر عميد المعهد الدكتور خالد مجيد أن الأميركان وصلوا في خمس مركبات، لكنهم رفضوا طرد اللصوص، وعمدوا، عوض ذلك، إلى فتح نيران مكثّفة على جدار الكلية الجنوبي. ويضيف الدكتور مجيد أن الحشد عدّ ذلك الفعل “الضوء الأخضر” للسلب.

ثم قدم دفي شاهدين واصلا وصف الأميركان وهم يلوحون للحشد ويشيرون لهم بالتحرك إلى الداخل:

لقد “بدؤوا السلب بسرعة، وحينما خرج أحد الأشخاص وهو يحمل مكيّف هواء، قال له أحد الجنود الأميركان: جيد، جيد جداً”.

أما روبرت فسك فإن لديه رغبة بالاندماج مع السكان المحليين، والاقتراب من فعل الشارع. ومن المهم أن نهتم كثيراً بملاحظاته الخاصة بالحملة البغيضة التي عملت على حرق المباني. والأهم من ذلك أنه يتفق مع سومرفيلد في ضرورة الفصل بين السلب والحرق. يقول سومرفيلد إن حارقي المباني “جاؤوا بعد انتهاء عملية سلب المباني، ليرشّوها بالبنزين على نحو منظم، ثم أشعلوا ألسنة اللهب فيها. وقد كان فرق التوقيت بين سلب مبنى ما وإحراقه يصل إلى أربعة أيام أحياناً”.

أما فسك فيؤشّر قيام عصابات حارقي المباني باستعمال باصات بيضاء وزرقاء للتنقل حول سلسلة الأهداف المؤسسية على طول المدينة:

فالحارقون شكّلوا “جيشاً مبرمجاً يعرف أين يذهب. كانت الخرائط بحوزتهم، وهم يتلقّون إرشادات تخص الوجهة المراد الذهاب اليها. فمَن أخبرهم بوجهتهم؟ هذا سؤال مهم، بل هو بالغ الأهمية، ومازال بحاجة إلى تأمل وإجابة”(16).

أما الغريب فهو أن تتحرك هذه العصابات خارج نطاق سيطرة القوات الأمريكية التي شاهدت السهولة الكبيرة التي تلاشت بها مقاومة الحرس الجمهوري. إن الكثير من الأدلة تشير إلى حدوث هجمة مخطط لها على المواقع الآثارية، ولا بد من التحري الشديد لتحديد تورّط الولايات المتحدة في هذه الجريمة. ولكي يحدث ذلك، يبدو أن ثمة حاجة إلى تشريع دولي قوي وإلزام صارم. فالمادة التاسعة من “البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب نزاع مسلح”(17) تُلزم الدول التي تسيطر على المناطق المحتلة، وتفرض عليها أيضاً، ضرورة منع ” التصدير أو الإزالة أو النقل غير المشروع لأية ممتلكات ثقافية ” (بالسلب مثلاً) كما أنها تحظر محاولات “تدمير الدليل الثقافي أو التاريخي أو العلمي” (من خلال حرق المباني مثلاً). إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم توقّعا على هذه الاتفاقية، وبالتالي لم توقّعا على البروتوكول الثاني منها.

يعترف المدعي العام للولايات المتحدة(18) أن أنفس المسروقات من المتاحف وقاعات العرض (الغاليري) لم يسرقها لصوص طارئون، بل جماعات إجرامية منظمة، تعرف بالضبط ما تبحث عنه، ولديها سوق لبيعه. وقد لاحظ ماكواير غيبسون أن “الكثير من الأشخاص الذين يقتنون مثل هذه المواد ويعرضونها هم أشخاص سلطويون على نحو غير معتاد، ولديهم صلات كثيرة بواشنطن، وصلات أكبر بلندن ومختلف الأماكن”(19).

وفي عام 2001 قام عدد من جامعي الآثار المهمّين ومحامي الفنون بتشكيل المجلس الأمريكي للسياسة الثقافية. ويعارض المجلس أية حادثة أمريكية قانونية قد تمنع الاستيراد (والتعامل بـ) مواد تعدّ من “الممتلكات المسروقة”، إذا تمّ حظر تصديرها بموجب تشريع خارجي. وصنّف ويليم بيرلستين ـ الناطق باسم المجلس ـ قوانين حماية الإرث الثقافي في العراق بأنها “وقفية”(20). بينما عبّر عضو المجلس البروفيسور جون ميريمن، وهو أستاذ للقانون في جامعة ستانفورد، عن أن اهتمام مقتني الأعمال الفنية ونقابة الفن عميق بهذه القضية:

لولا تلك السوق التي تحفظ المواد الثقافية، لتعرضت إلى التدمير والإهمال. إن تلك السوق تزوّد هذه المواد “بقيمة تسويقية. ومن خلال المنافذ التجارية المشروعة يمكن نقل هذه المواد إلى أشخاص ومؤسسات يقدّرون قيمتها إلى أبعد حد، وهم لهذا السبب أقدر الناس على رعايتها”(21).

وهناك خلاف حول العدد المضبوط للقطع المفقودة من متحف بغداد، وربما لن يعرف ذلك أي شخص مطلقاً. كما حدثت مبالغات في إحصاء عدد القطع الموجودة في حاويات المتحف، من خلال النظر إلى بعض المواد المسلوبة بوصفها أعمالا فنية. وحتى في حالة استعادة القطع من دون أذى، ستتم إزالة رقم الإدخال منها، لتسهيل عملية البيع غير القانوني. أو، عوض ذلك، سيختفي توثيقها ذو الأهمية الشديدة. لقد قدم فيليب كينيكون، من صحيفة واشنطن بوست، ملاحظة مهمة حينما قال “إن السرقة حالما تتمّ، تطرأ على الشيء المسروق عملية تحويل “تفقده سياقه البحثي والأثري، ليتحوّل بعدها إلى سلعة ليس غير”(23).

إن سرقة القطع المتحفية وتحويلها إلى سلع أمر خطير ينتزعها من سياقها الثقافي. فما مدى البراعة التي يتطابق بها سلب الكنوز الرافدينية مع تحليل بودريار الكلاسيكي لعملية ترميم الفرعون رمسيس الثاني. لقد قال بودريار، في تلك المناسبة: “إنه عنف شديد ضد الأسرار كلها. عنف حضارة بلا أسرار. إنه حقد حضارة بأكملها على مؤسّسيها”(24).

إن هذه الرغبة بكشف النقاب عن أسرار مصر هي صلة ترتبط بـ”سعار الحسد” لدى القوة العالمية، عند مواجهة النظام الرمزي للإرث العراقي (والعالمي). ومن خلال المؤشرات كافة، ثمة دليل مقنع يعضد فرضية الخطأ المتعمد الذي ارتكبته الولايات المتحدة، عندما فشلت في حماية الكنوز العراقية. ويبدو أن هذا الإهمال جاء مرتبطاً بفبركة أخرى للأحداث، وهو ذو صلة أقل بالهيجانات التي ثارت بين الناس.

ومن غير المدهش أن تتساءل المنافذ الإعلامية في الشرق الأوسط عما إذا كان السلب ردَّ فعل تلقائي محض على النظام المنهار. 

إنه “في الحقيقة نتيجة سياسية مدروسة بعناية تخص مستقبل الاحتلال، لضمان أمنه واستقراره، من خلال منع العراقيين من مقاومتهم، وذلك عن طريق إشغالهم بحالة الفوضى والاضطراب وزعزعة الأمن”(25).

وتبعاً لما جاء في مقال بودريار، تجمع الحرب عدداً من الأحداث؛ “الهدف الرئيس منها هو تطبيع الوحشية وضرب صفّ الإرهابيين. وثمة هدف آخر هو إضعاف أية منطقة مقاومة، واستعمار وترويض أي مجال سواء أكان جغرافياً أو فكرياً”.

كما إن البعد الثقافي لم يكن غائباً عن أنظار المعلّقين العرب، إذ “لاشك في عدم إمكانية فصل حدث ما عن آخر. فسلب المتحف لا يقل ألماً عن مشاهد قتل آلاف الأبرياء.. كل من أراد محو معالم الحضارة عبر حشد وسائل الدمار كلها…كان يستهدف هذه الحضارة من غير ريب… السؤال هو: لِمَ هذه القسوة والبربرية؟ أما الجواب فيكمن في حقيقة أن الأرض ـ التي تملك هذه الحضارة ـ قادرة على تجديد حضارتها”(25).

وفي ضوء نظرية بودريار، يشاهد الشعب العراقي ـ من خلال الإعمار الذي تقوده الولايات المتحدة ـ ظلاً يخترق الشرق الأوسط؛ ظلمة القيم الغربية المفروضة. ولو كانت ثروات العالم الثقافية ـ مثلما يقول بودريار ـ قابلة للاستبدال، فإن ذلك يخلق تبادلاً غير متكافئ. وعلى الرغم من أمجادها السابقة، لن يكون بإمكان دولة مثل العراق إعطاء شيء بالمقابل، إلا التحدّي الرمزي بالإرهاب.

img_1836
Looted Iraqi Treasure

الهوامش

ـــــــــــــــــــ

(*) ستيفن سمث : يعمل في مجال الاستشارات السياسية للمكتبات والمؤسسات الثقافية في استراليا ويعمل الآن في قضايا الإعلام الاذاعية للقطاع العام . 

(**) الصحفيين غير المجندين (non-embedded journalists) هم الصحفيون المستقلون على العكس من الصحفيين المجندين embedded journalists الذين يرافقون القوات الأمريكية ويعملون بحسب ما تقتضيه أوامرها ويخضعون للظرف العسكري نفسه من حيث التنقل والطعام والحماية. وتعني العبارة بالضبط، الصحفيون الذين ينامون في سرير واحد مع القوات الأمريكية وينقلون صورة ما يجري من منظار القيادة الأمريكية‏.‏ (المترجمة)

(1) روبرت فسك ، الاندنبدت ، 15 نيسان 2003 .

(2) جان بودريار : الياس من امتلاك كل شيء 

(3) جون بيرنز : نيويورك تايمز ، 3 نيسان ، 2003.

(4) نيوزانترناشنال ( باكستان ) : 17 نيسان ، 2003.

(5) نيفين العريف ، الأهرام الأسبوعية اون لاين ، 13 نيسان ، 2003.

(6) مجلة الأركيولوجيا ، المجلد ( 56) العدد( 4) ، تموز ، آب ، 2003 . 

(7) بي بي سي نيوز ، 18 نيسان ، 2003. 

(8) روبرت فسك : الاندبندنت ، 13 نيسان ، 2003 .

(9) روبرت سمولمن : الجزيرة نت ، 13نيسان ، 2003 .

(10) جون بودريار ، محاكاة ( سميوتلكس ) نيويورك  ، 1983 ، ص 146 .

(11) سيمون روبنسون :التايم ( مجلة ) 6 تموز ، 2003 . 

(12) اوول روثبروغ ، صحيفة ستوكهولم ، 12 ايار ، 2003. 

(13) بينت اسكوبار : آسيا تايمز اون لاين ،26 نيسان ،2003.

(14) والتر سومرفيلد ، موقع جامعة ماربورغ على الانترنيت .

(15) جوناثان دفي : بي بي سي اون لاين ، 6 ايار ، 2003. 

(16) روبرت فسك وأمي غود من ، مقابلة مع روبرت فسك في مجلة الديمقراطية الآن ، 22 نيسان ، 2003. 

(17) اليونسكو ، البروتكول الثاني لاتفاقية لاهاي ، لاهاي ، 26 آذار 1999. 

(18) تعليقات المدعي العام للولايات المتحدة جون اشكروفت ، اجتماع الانتربول حول سلب الممتلكات الثقافية ، 6 آيار ، 2003 .

(19)مجلة الاركيولوجيا ، المجلد ( 56) العدد (4) تموز /آب 2003 .

(20) زينب بحراني ، مجلة الامة ، 14 أيار ، 2003 .

(21) جون هنري مريمن ، مجلة جامعة نيويورك للقانون والسياسة ، المجلد ( 31) العدد ( 1) ، ص (10) .

(22) فيليب كينيكون : الواشنطن بوست ، 18 نيسان ، 2003 . 

(23) حامد حوران ، صحيفة البعث ( دمشق ) ، 14 نيسان 2003 . 

(24) محمد خير الجمالي، “خلفية سياسية التدمير والتحطيم”، الثورة، دمشق، 15 نيسان 2003.

(25) حامد حوران، لماذا تُستهدف رموز الحضارة؟ البعث (دمشق)، 14 نيسان 2003.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s