البطالة في الاقتصاد العراقي: الاسباب والمعالجات

سيماء محسن علاوي طه

 يعاني الاقتصاد العراقي في الوقت الحالي من انتشار ظاهرة البطالة في كافة عناصر الانتاج ومنها عنصر العمل اذ تسود البطالة بمختلف اشكالها وصورها و إنّ ما يزيد هذه المشكلة خطورة وتعقيداً  أنّ  نسبة مهمة من العاطلين عن العمل هم من الخريجين الذين وفرت لهم الدولة فرصة التعليم والتدريب المجانية وهذا يمثل خسارة مزدوجة للمجتمع والافراد متمثلة بتكاليف تعليمهم وتدريبهم وتكاليف ضياع فرصة الانتفاع من خدماتهم. وعلى الرغم من امتلاك العراق لموارد متنوعة الا انه لم ينجح بتحقيق تنمية ملموسة بل استند الاقتصاد بأسره على قطاع النفط الذي شكلت ايراداته المالية نسبة 95% من اجمالي الصادرات، وكما هو معروف فإنّ أسعار النفط تتعرض لتقلبات عديدة في الأسواق العالمية ويؤثّر هذا الامر بشكل سلبي على المشاريع الاقتصادية في البلد ويقود إلى زيادة معدلات البطالة

 الى جانب ذلك هناك مسببات اخرى للبطالة مثل

أولاً: انعدام التنسيق بين التعليم ومخرجاته وسوق العمل من حيث الكم والنوع  اذ تستمر الجامعات الحكومية والخاصة برفد المجتمع بخريجين  يحملون الشهادات الجامعية والعليا في اختصاصات اكاديمية ولكنهم لا يجدون فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم الدراسية

ثانياً: الحروب التي شهدها العراق و الّتي اسفرت عن تدمير بعض المصانع والمشاريع وتسريح العاملين فيها فضلاً عن هروب رأس المال الوطني الى الخارج

ثالثاً: انهيار البنى التحتية كشبكة الماء والكهرباء والاتصالات و ارتفاع المديونية الخارجية ممّا شكّل عبأً على الموازنة العامة للدولة

رابعاً: تفشّي الفساد المالي والاداري والذي ادى الى استنزاف معظم الموارد المالية التي كان بالإمكان توجيهها نحو اعادة بناء الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل واسعة، ولعل ابرز جوانب الفساد تتمثّل في:

ألف ــــــ تعطيل البرامج الاستثمارية لفساد القائمين عليها من عمال ومقاولين، فضلاً عن تشغيل الاحداث بدلاً من العاطلين عن العمل من الخريجين بسبب تدني اجور الاحداث.

باء ـــــ ان التوظيف في جميع الوزارات والدوائر الحكومية لا يتم على اساس الكفاءة والشهادة الدراسية، وانما على اساس اعتبارات اخرى كالمحسوبية والطائفية، مما يجعل المستحقين للعمل بعيدين عنه.

جيم ــــ انخفاض نسب تنفيذ المشروعات المقررة في مجالس المحافظات وهذا يرفع معدلات البطالة.

خامساً: كون الاقتصاد العراقي كما اشرنا سابقاً اقتصادأً ريعيّاً يعتمد على النفط بشكل اساسيّ في تمويل الموازنة العامة، مما جعل الحكومة تهتم بالمشاريع النفطية وتهمل بقية القطاعات الانتاجية، وكما هو معروف فان المشاريع النفطية لا تحتاج الى ايدي عاملة لأنها من المشاريع ذات الكثافة في راس المال و القلّة في الأيدي العاملة وبالتالي فهي لا تستقطب ايدي عاملة كثيرة.

سادساً:  تردي الوضع الامني بعد عام 2003 وما صاحبه من مناخ مضطرب ادى الى عزوف الشركات والمستثمرين الاجانب عن اقامة المشاريع التنموية في العراق.

.سابعاً: آثار المديونية الخارجية والخضوع لبرامج التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي

ثامناً: انخفاض الطلب على المنتج الوطني بسبب اغراق السوق العراقية بالبضائع المستوردة، ممّا أدّى الى افلاس الكثير من المشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة وتوقفها عن العمل

بعد هذا العرض لمسببات مشكلة البطالة في العراق يتبادر الى الذهن تساؤل جوهري حول كيفية معالجة مشكلة البطالة

وللإجابة عن هذا التساؤل يمكننا القول ان مشكلة البطالة مشكلة هيكلية ترتبط بمتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية وانه لا يمكن طرح حلول سريعة او سهلة لمعالجة هذه المشكلة بل لا بدّ من صياغة برنامج شامل يتناول تغييراً هيكليّاً في البنى الاجتماعية والاقتصادية السائدة، ومن الممكن طرح بعض الحلول المقترحة كما يلي

أولاً: تأهيل البنى التحتية التي دمرتها الحروب كشبكة الكهرباء ومشاريع المياه والري والصرف الصحي واعادة تأهيل قطاع النقل والمواصلات، والذي من شأنه خلق فرص عمل جديدة تسهم في تشغيل العاطلين عن العمل وخاصة الشباب

ثانياً: تشجيع المشاريع التي تعتمد على نظم انتاج كثيفة العمل قليلة رأس مال، و التي يمكن ان تسهم باستيعاب عدد كبير من الايدي العاملة برؤوس اموال قليلة، ويمكن تحقيق ذلك بتوفير الدعم المالي لها عن طريق منح القروض الميسرة او بتخفيض الضرائب او اعفائها منها

ثالثاً: محاربة الفساد المالي والاداري في مرافق الدولة كافة ومحاسبة المخالفين لكي يتم تشغيل المشاريع الانتاجية المتوقفة ومن ثم توفير فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل

رابعاً: اعتماد الكفاءة والخبرة والشهادة أساساً للتوظيف بعيداً عن المحاصصة أو الولاء للأحزاب السياسية

خامساً: العمل على إيجاد موازنة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل من خلال التنسيق بين وزارات التعليم العالي والبحث العلمي والتربية والتخطيط والمالية

سادساً: الاهتمام بالقطاع الزراعي وتنميته فهو يعدّ من اكثر القطاعات استيعاباً للأيدي العاملة، ويتحقق ذلك بتوفير الدعم المادي له عن طريق القروض او الاستثمارات، فضلاً عن اقامة المراكز البحثية المتخصصة في مجال استخدام التقنيات المتطورة في الزراعة مثل استخدام الهندسة الوراثية والتعديل الجيني للمحاصيل، وتوفير الاراضي الزراعية واستصلاحها

سابعاً: تنمية وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة ويتحقق ذلك من خلال اصدار تشريعات خاصة بدعمها وتمويلها وتهيئة مستلزمات قيامها واحتضانها كونها مصدراً من مصادر قوة الاقتصاد الوطني

ثامناً: تطوير القطاع السياحي بشقيه الديني والآثاري والذي من شأنه ان يؤدي الى خلق فرص عمل كثيرة ومستمرة على مدار السنة، فضلاً عن العوائد النقدية التي سيجنيها العراق من الاموال التي سينفقها السواح اثناء تنقلهم وايوائهم وشرائهم المنتجات العراقية

تاسعاً: توفير الحماية الاجتماعية للعاطلين عن العمل من خلال الاعتماد على نظام اعانات البطالة، والحفاظ على مشروعات الضمان الاجتماعي والتوسع فيها

وعليه فان انتخاب المناسب من هذه الاجراءات قد يضمن تشغيل اكبر عدد من العاطلين عن العمل، ومن ثم تحسين المستوى المعاشي لهم، وصولاً إلى التخفيف من حدة البطالة وآثارها السلبية من جهة وتحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي من جهة اخرى.

Leave a Reply