القانون و اللّا قانون.. دروس من التّأريخ

اللوحة: شاهين الظاهر

د. عادل محمد العليّان

     التاريخ أبو العلوم. هكذا عرفناه وتعلّمنا مغزاه، إذ يعدّ هذا العلم مفتاحاً لمغاليق العلوم الأخرى، ومنه نستطيع معرفة الجزئيات وصولاً إلى التفاصيل. يقال، وهو أمر مؤكّد، أنّ للكيمياء تاريخاً، و أنّ للغة العربية تاريخاً، ولعلوم الحياة (البيولوجي) والطب والهندسة وللفنون تاريخها، و تطول القائمة. و القانون، كغيره من العلوم، له تاريخ يمتد إلى مرحلة بعيدة من الزمن، فمن منا لم يسمع أو يقرأ عن مسلّة حمورابي التي حوت أقدم القوانين والتشريعات في تاريخ العراق القديم؟ ناهيك عن قوانين الدولة العربية الإسلامية بمختلف عهودها وعصورها وعن قوانين التاريخ الحديث والمعاصر وتعديلاتها في كل أرجاء العالم

    ومن دروس التاريخ استقينا أنّ ثمة ما يناقض القانون بمعناه الصريح، وهي حالة (اللا قانون) التي تسود في زمن محدد وفي مكان معين لمدة من الزمن قد تكون طويلة، ولأسباب تتعلق بحالات من قبيل سطوة الاستعمار الحديث على بقاع معينة وفرضه قوانين تناسبه (وهي اللا قانون) بالنسبة لحرية الشعوب التي يتم استعمار أراضيها ونهب ثرواتها، وأحياناً تسود حالة (اللا قانون) بفعل عمليات الغزو والاحتلال اللا شرعي لمنطقة ما من قبل جهة معينة تضع قوانينها وما يناسبها فرضاً وقسراً على الشعب والمجتمع الذي خضع لذلك الغزو البغيض، و هناك الكثيرمن الأمثلة الصارخة التي تحدّد الفرق بين مفهومي: القانون واللا قانون 

     يحفظ التاريخ لنا أنّ الدول القوية ذات السيادة تتمتع بقانون أو حزمة قوانين صارمة تلتزم بها في علاقاتها الخارجية، ويلتزم بها المواطن أو الفرد داخلياً لتلافي حدوث إشكالات مستقبلية تحول دونه، أي المواطن، ودون تحقيق رغباته ومطاليبه المشروعة ووفق القوانين النافذة. و في هذا الصدد يشير الدكتور فهد بن عبد العزيز الخليف في دراسته حول (مبدأ تفسير القوانين وسد الفراغ التشريعي) إلى أنّ “كافة مؤسسات الدولة والمجتمع تحتاج لتحقيق مبدأ تسهيل مسألة تفسير القوانين بما يمكّن من وضع هذا المبدأ على نسق جامع مانع يسهل تناوله وشرحه على صحيح الفهم للتشريع المعيّن، ذلك أننا كثيراً ما نجد أن النص [القانوني] يتجه لفهم معيّن في ظاهره، إلا أن المشرع يكون قد قصد معاني أعمق وأنبل في جوهره”. ويستطرد الدكتور الخليف قائلاً: “وبالطبع فالقواعد القانونية واضحة المعنى لا تحتاج إلى تفسير ولا يجوز تأويلها إلى مدلول غير مدلولها الواضح، وينبغي الأخذ بها على وجه مباشر حسب فهمها الصريح والصحيح“ 

      وتأسيساً على ذلك فإن سيادة القانون ومجالها الطبيعي والحصري من حيث الوظيفة والمهام واضحة جداً لاعتمادها على قوة وهيبة الدولة، إذ لا يجتمع الفراغ التشريعي وضعف كيان سياسي ما. والعكس بالعكس، فكلما ضعفت هيبة الدولة وهزلت قوانينها النافذة وتشريعاتها  فقدت احترامها دولياً ولم يُلتزَم بها شعبياً ومجتمعياً. باجتماع كل ذلك، تسود الفوضى وننتقل إلى مرحلة الفوضى التشريعية، أو سيادة مفهوم (اللا قانون)، ويكون البديل عن ذلك تسلط شرذمة من عامة المجتمع أو ثلة من مرتزقة السياسة و الحروب وتسيّدهم في صناعة القرارات خارج إطار هيبة الدولة المسلوبة وإطار القوانين والتشريعات النافذة

        من ناحية أخرى فإن الاختلاف في عملية تفسير القوانين أمر وارد جداً شريطة أن لا ينتقص ذلك الاختلاف من هيبة الدولة وسيادتها وقوة قوانينها النافذة. وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور الخليف بأن فقهاء القانون ذهبوا إلى إبراز مذاهب مختلفة بالمقصود في تفسير القانون، و ثمة مذهبان رئيسان “أحدهما ذهب إلى مبدأ تضييق التفسير ويقول بمبدأ التزام النصوص التزاماً ضيّقاً بما لا يعطي المجال للخروج بتفسير ظاهر النصّ، والمبدأ الثاني نحا لمبدأ التوسع في معاني النص لتحقيق قصد المشرّع على الوجه الذي يجعل النص محقّقاً للأهداف السامية التي شُرِّع من أجلها زماناً ومكاناً” 

      وفي نهاية المطاف يمكننا القول بأن هيبة القانون تكون في حتمية تطبيقاته، لا بانحداره وفوضويته التي ستحوّله إلى وصف (اللا قانون) كما أسلفنا، وإن دولاً قامت وعلت صروحها وأمجادها بسبب سيادة قوانينها وصرامتها في الداخل التزاماً، وفي الخارج احتراماً. وكأمثلة من التاريخ الحديث والمعاصر أيضاً نرى أن مجتمعات كبرى متحضرة في قلب أوربا لا تنهض ولا يستمر وجودها واستقرارها إلا لكونها ملتزمة التزاماً شديداً بأنظمة وقوانين الدول الخاضعة لها والتي تعيش على أراضيها، بينما نجد أن مجتمعات عربية وإسلامية يفترض أن تكون مصدراً للقوانين والتشريع باتت ، في عالم ما بعد احتلال العراق والفوضى الخلاقة التي أعقبت ما يعرف بــ(الربيع العربي)، غارقة في غياهب الجب، فلا احترام للقوانين ولا سيادة كاملة للأنظمة السياسية بل انعدام أمن متزامن مع انعدام فرض القوانين أدت كلّها إلى حالة (اللا قانون). ونتيجة لذلك أصبحت مقوّمات كل أمة طغت عليها هذه الصفات القاتمة في مهب الريح مثلما هو مستقبلها، ولا جدوى في أي إصلاح إلا بالعودة إلى سيادة القانون. فإمّا هذا الأخير أو فوضى عدم وجوده وسيادته في أيّة بقعة وأيّ مجتمع من مجتمعات العالم

Leave a Reply