اللّغة المستخدمة في نصوص الاتّصال الرّقميّ وأثرها في اللّغة العربيّة

د. ثريّا نعمان ماهر

  اللّغة العربيّة واحدة من أغنى اللّغات الّتي تحدّث بها اللّسان البشريّ وأجملها ولا يختلف في ذلك اثنان. وكغيرها من اللّغات، مرّت بمراحل نموّ وتطوّر حتّى بلغت مجداً لم تبلغه غيرها من اللّغات

واجهت العربيّة أخطاراً كثيرة لا تنحصر بتسلّل العجمة إليها بسبب مخالطة الأعاجم والدّعوة لنبذها كلغة علم والدّعوات المشبوهة  لتبسيطها و اختصار مفرداتها و استخدام اللّهجة العامّيّة في الكتابة. وقد واجهت العربيّة  كلّ هذي الدّعوات وانتصرت عليها لأنّها اللّغة الّتي نزل بها الآي الحكيم الّذي تكفّل الله بحفظه فحُفظت به، ولأنّها لغة نابضة بالحياة عى الرّغم من أنّ المعاول ما انفكّت تُعمِلُ فيها هدماً

في العقود الأخيرة من عصرنا هذا، التوى اللّسان العربيّ وتنحّت الفصاحة جانباً لتتقدّم عليها لغة الجرائد والصّحافة بسطحيّتها وشيوع أخطاء النّحو والصّرف فيها، وهزل الكثير من فنون اللّغة ومهاراتها ثمّ أنشبت العولمة أظفارها في جوانب شتّى من مجتمعنا، ولغتنا أحد هذي الجوانب. وكأنّ هذا البلاء والابتلاء لم يكفِ، لتجيئنا لغة الاتّصال الرّقميّ بمخاطر جديدة. و لأنّ اللّغة لا تولد مع الإنسان بل تكتسب اكتساباً فإنّ نشوء جيل يستخدم أنماطاً غير فصيحة في مبادلاته الكتابيّة سيؤدّي حتماً إلى تشويه مهارات المجتمع والفرد اللّغويّة في جوانبها الأربعة، الكتابة والقراءة والتّحدّث والاستماع

إنّ الأسلوب السّائد بين مستخدمي تقنية الاتّصال الرّقميّ يجمع بين مفردات فصيحة وعامّيّة (من اللّهجة الدّارجة في مجتمع ما) ومفردات دخيلة من لغات مختلفة ورموز وصور، وسيؤدّي ذلك حتماً إلى ولادة لغة هجينة مسلوبة الهويّة

   ومن الآثار المحتملة لاستخدام مثل هذه اللّغة، كما يرى الأستاذ الدّكتور حارث عبّود والدّكتور أيمن عليّان*، ابتعاد مستخدميها عن ضوابط اللّغة الأمّ  واستخدام الحرف اللّاتينيّ بديلاً عن الحرف العربيّ، وسينتهي هذا بنا إلى إسقاط بعض الحروف الّتي لا نظير لها في الّلغات الأخرى كالثّاء والخاء والحاء والضّاد والطّاء والظّاء والعين والقاف. سيضعف هذا كلّه القدرة اللّغويّة والذّائقة اللّغويّة، وربّما يقضي على اللّغة العربيّة كما نعرفها الآن بعد تفكيكها إلى رموز مفرغة من المحتوى. ولن يقف الأمر عند هذا الحدّ بل سيتعدّاه ليهدّد شعور مستخدمي اللّغة الهجينة لا سيّما الأطفال واليافعين والشّباب بالانتماء لمحيطهم العربيّ ويقلّل من اعتزازهم بلغتهم وبهويّتهم العربيّة

    وإذا كانت اللّغة ظاهرة نفسيّة تمليها الحاجة للتّعبير عن النّفس والتّفاهم مع الآخر كما يرى بعض الباحثين فإنّ لغة فقيرة مرتبكة ممسوخة فاقدة أساسها وروحها وموسيقاها لن يكون بمقدورها إشباع حاجات أبنائها الوجدانيّة لينشؤوا أسوياء عاطفيّاً لأنّها لا تستطيع أن تكون لهم أمّاً رؤوماً. أليست اللّغة أمّاً؟ 

    إنّ سلامة اللّغة ضمانة لسلامة الثّقافة وسلامة الانتماء الوطنيّ، وإذا جاز لنا أن ندّعي أنّ وسائل الاتّصال الرّقميّ كسرت عزلة المجتمع البشريّ، فعلينا أن لا نغفل عمّا أوجدته من فجوة بين العرب ولغتهم، وإذا سلّمنا بأنّ الوسائل هذي تجاوزت حاجز الزّمان والمكان فلا بدّ من أن نتعامل معها بحذر لئلّا تقفز فوق حدود لغتنا الجميلة وتنتهك حرماتها 

هامش

* ﺍﻷﻨﻤﺎﻁ ﺍﻟﻠّﻐﻭﻴّﺔ ﺍﻟﺸّﺎﺌﻌﺔ ﻓﻲ ﻜﺘﺎﺒﺔ ﻨﺼﻭﺹ ﺍﻟﺘّﻭﺍﺼل ﺍﻟﺭّﻗﻤﻴّﺔ ﻟﺩﻯ ﻁﻠﺒﺔ ﺍﻟﺠﺎﻤﻌﺔ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴّﺔ ﻓﻲ ﺍﻹﻤﺎﺭﺍﺕ ﻭﻤﺴﻭّﻏﺎﺘﻬﺎ ﻭﺁﺜﺎﺭﻫﺎ ﺍﻟﻠّﻐﻭﻴّﺔ

د. حارث عبّود عبّاس ود. أيمن يوسف عليّان

مجلّة الجامعة الإسلاميّة للدّراسات التّربويّة والنّفسيّة، المجلّد الثّاني والعشرون- العدد الرّابع- ص 207- 230 أكتوبر 2014.

ISSN 1726-6807 http://www.iugaza.edu.ps/ar/periodical/

Leave a Reply