“المشهدُ في بابل”

بعد سبعة عشرَ عاماً على الغزو الأمريكيّ للعراق

شهادةٌ في الشاعر العراقيّ عبد المُنعم حَمَندي

بقلم د. زيد نعمان ماهر

 أنا قارئ للشّعر منذ طفولتي، متذوّقٌ لجيادِ قصائده, تأسرُني بصورها الذّهنيّةِ وجَرْسِها الموسيقيّ فأبحث فيها عن صدىً لما يعتملُ في نفسي وما أحلمُ به في يقظتي. ولأنّني من بلادٍ تحلمُ شعوبُها منذ عقود بعيشٍ آمنٍ مطمئنّ وبمستقبلٍ لأبنائها لا تهدّده الحروب ولا تعبث به أنظمةٌ سياسيّةٌ فاسدة، صارت أحلامُ الناسِ في وطني أحلامي وأحزانُهم أحزاني. وحينَ رحلتُ عن وطني العراق منذ خمسةَ عشرَ عاماً حملتها معي، وصرتُ بعد ذلك أبحث عن صداها في الشّعرِ العراقيّ المعاصر الّذي يكتبه شعراؤنا من داخل الوطن. وإنّني إذ أنظرُ في ما كُتِب ونُشِر من شعر في محنةِ بلادنا المُبتلاة أرى صديقي الشّاعر عبد المنعم حَمَندي في مقدّمةِ شعراء الوطن الّذين تسكنُ بلوى العراق شعرَهم ولا تفارقه، حتى ليُخيَّلَ لقارئه أنّ العراق الجريح يتنفّس في قصائده ألماً وصبراً, و يظهرهذا لا في خِطابهِ الشعريّ ونبرةِ صوتهِ حسب بل يتعدّاه إلى صُوَرهِ الشّعريّةِ وبنيةِ قصائده وتفعيلاتها وموسيقاها.

  فإنّك إذا ألقيت نظرةً متفحّصةً على شعرهِ المنشور منذ الغزو الأمريكيّ للعراق سنة 2003 وجدته زاخراً بمفرداتِ المرارةِ وتراكم الخيبات والوجَع العميقِ والحزنِ المُقيم، وهي مفرداتٌ ترسُمُ صوَراً لكارثةِ وطنٍ تعبَثُ به الرّياحُ من كلّ جانب. أمّا الصُّور فهي مرسومَة بعناية  تنطِقٌ بالمشهدِ نطقاً وتجسّدُ  موضوعه تجسيداً واضحاً. وأمّا النّطقُ فيأتي مُستنِداً إلى معرفةٍ واضحةٍ بلغةِ الشّعر ومنطقِه  ودرايةٍ واضحةٍ بما يصنَعُه نظامُ التّفعيلةِ للقصيدة حينَ يُحسِنُ الشّاعرُ توظيفَه لخدمةِ موضوعِ قصيدته.

إنّني حينَ أقرأ للشّاعر المُبدع عبد المنعم حَمَندي الّذي تمتدّ تجربتُه الإبداعيّة لأكثر من أربعين عاماً أجدُه لا يتردّد في خوضِ تجربَة الكتابةِ الشّعريّة بوصفها تجربةً حيّةً مُعاشة تنبِضُ بما ينبِضُ به موضوعُ قصيدته, فأراه في صُلبِ القصيدةِ تتلبّسُه وتُملي عليهِ ما يقول، فيأتي صوتهُ معَبّراً بصدقٍ عن موضوعِها، وهو الذي سكنَ شعرَهُ منذ سنة 2003 الحزنُ على العراقِ المبتلى الموجوع.

وإنّني إذ أدوّنُ هذي الشّهادةَ الموجزةَ في المُنجَزِ الشّعريّ المهمّ لصديقي الشّاعر عبد المنعم حَمَندي أستذكِرُ قصائدَ عديدةً لا يتّسعُ المَجالُ هنا لاقتِباسِ الكثير مِن أبياتها، قصائدَ منها “المشهدُ في بابل” و “قبل القيامة” و “مِعراجُ الذّاكرة” و “الرّملُ ورائحة الخَوف” و “هَرَجٌ ودُخان” و “العَمى واليَباب” و “الحَرثُ في البَحر” وسواها من قصائدَ فيها من الإبداع الرّصين ما صَنعَ للشّاعرِ مَكانتهُ المُتقدّمة بينَ شعراءِ العراق المُحدَثين.

ففي قصيدة “المشهدِ في بابل” الّتي كتبها في شهر نيسان من سنة 2004  يرسُمُ حَمَندي  صورة مَعبدٍ يمتلِئ بكُهّان غرَباءَ و “فقهاء لا هَمّ لهم غير خِلافِ العِلّةِ والمَعلول” استولوا على بابل الحَضارة فصارَ “المِنبرُ حُنجرةً وبُكاء.” ويلتفِت الشاعرُ إلى الآلهةِ عشتار فيَراها حزينة لِمشهَدِ بابل الغريب:

في المشهدِ عشتارْ

تعزفُ في القيثارْ

نسمعُ منها الخبرَ المفجوع

نقرأ ما ليسَ تراهُ العَينْ

و ليس يراهُ البَينْ

ولا يغيبُ عن الشّاعر ما تسبّبَ بهِ الغزوُ الأمريكيّ من خرابٍ وأذىً وخوف

ومَآتِم تترى و شرورْ

تُفزعُ أحلامَ الأطفال

والوردَ الغافي والبلّورْ

وهَديلَ حَمامٍ مذعورْ

تذبحُ لحنَ الصَّبَواتِ

وزقزقةَ العُصفورْ

تزرعُ خوفاً و ثعالبَ من نارْ

تغتالُ الوطنَ الدّاميَ و الأحرارْ

وتلاحقني… توصِدُ أبوابَ الدّارْ

والمَعبدُ مختومٌ بالشّمعِ الأحمرِ و الدّولار

أمّا في قصيدةِ “قبل القيامة” الّتي كتبها حَمَندي بعد الغزو بسَنوات فيزدادُ ظلامُ العراق حِلكةً وتبدو صُورته قاتمةً تنذِرُ بالوَيل فيبكي التّرابُ وتبكي السّماء.

يَدورُ الزمانُ, فدعْهُمْ سُكارى
وفِي غيّهِم يَعْمَهُون
وما هُم سُكارى
من الغَمِّ غامَ النُّعاسُ
على الكأسِ قبل الجُفونْ.
شَرِبنا المراراتِ
حتّى توسَّلَ جنٌّ بِرَبّ المَنونْ
كفاكَ عِقاباً
أهذي جَهنّمُ أنزَلتَها قبل مَا يُوعَدُونْ؟
تراهُم كتائبَ شتّى وعُمياً بِغابِ العَماءْ
ويبكي التّرابُ بعينين مذعورتين،
وتبكي السّماءْ
فَمَنْ نحنُ
حتى تُنافِحَ عنّا الدماءْ؟

الحديثُ في شعر عبد المنعم حَمَندي يطول، ومن أراد أن يقرأ شعرَهُ المؤثّرَ ويتذوّقَ إبداعَه الرّصين فدونه دواوينُه الشعريّة الثّلاثةَ عشر، بدءاً بديوانهِ “أتيتكَ غداً” وانتهاءاً بديوانهِ “الصَّلب” الصّادر هذا العام 2020، وهو الأقربُ إلى نفسِه، كما يقول، “لأنّه وَجَعُ الرّوح وصورةُ الوَطنِ الذّبيح.” وإنّني بهذا الوَجَع أُنهي شهادتي هنا مُستعيراً من حَمَندي هذه التّرنيمة لأرضِ العراق:

كم غَيمةٍ تقتاتُ مِن دَمِهِ المُباح

يَذكو

وما هدأ النّزيفُ وما استقرّ بهِ النُّواح

مُتشوّقٌ للشّمس للفجر القريب

وما ارتوى، هل يَرتوي عَطشٌ قُراح؟

…………………

Leave a Reply