ثقافة النوع الجديد.. الثقافة المكبّلة

د. كريم وحيد حسن

 الثقافة مفردة تجد لها أصلاً في أوّل مسرحية شعرية كُتبت في مدينة أور السومرية قبل خمسة آلاف عام. إنّها محور أساسيّ في بناء الدولة، و ثقافة النوع الواحد كثيراً ما تكون نهجاً لنظام سياسيّ ما، ثمّ تصبح إرثاً ثقيلاً، ممّا يستدعي دقّ ناقوس الخطر. بعد الغزو الأمريكيّ للعراق ألغيت وزارة الثقافة والأعلام وسُرّحَ منتسبوها ولم يتمّ احتضانهم وتفعيلهم لينخرطوا في بناء مجتمع يعنى بثقافات متنوعة نظيفة. نتج عن ذلك  خصوم للنظام الجديد، فاستشرى نوع ثقافي أكثر شراسة من فايروس كورونا المستجد، لا سيّما بعد استحداث هيئة الاجتثاث ثم المساءلة والعدالة، وكلتاهما لم تفلحا في إداء دورهما باجتثاث ثقافة النوع الواحد. 

   إنّ تبنّي سياسة الثقافات المتعددة ليست ترفيهاً لشعب ابتلي بإرث ثقافة النوع الواحد لعقود كان فيها أسيراً لثقافة الحزب الواحد، تبعها بعد الاحتلال  ظهور ثقافات جديدة غريبة على تركيبة المجتمع العراقي كثقافة القتل على الهوية وثقافة العزل المناطقي الطائفي و ثقافة الولاء المذهبي والعشائري والحزبي والثقافات الداعشية بأنواعها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من ثقافة الولاء الوطني.  وكانت أبرز الثقافات وأخطرها ظاهرة الجهل المكبّل بهذه الولاءات التي ساهمت -على سبيل المثال- بشكل كبير في استشراء وباء كورونا، متحدية كل نداءات القطاع الصحّي المهني المقاتل والمراجع الدّينيّة الّتي انطلقت ناصحة بالابتعاد عن مسبّبات انتشار الوباء من تجمعات واختلاطات. لم يصغ الكثيرون إلى هذه النداءات وأصغوا إلى ثقافتهم المكبّلة بالجهل. 

إنّ تحرير الوطن من هذا الإرث الثقافي أولويّة تتصدّر أيّ برنامج حكومي إصلاحي، ويتطلّب ذلك الشروع ببرنامج إصلاحي ثقافي واسع يبدأ من رياض الأطفال من خلال تفعيل درس التربية الوطنية بعد أن فقدت هذه المفردة تأثيرها ومعناها. لن يتحقّق هذا إلّا بمشاركة كلّ الجهود الوطنية ليتمّ وأد ثقافة النوع المستجد المكبّل بالجهل، ولا يكون كما فعلت الكنيسة في اوربا في محاكمة المهرطقين في العصور الوسطى أو كما قام به الحلفاء من مطاردة النازيين بعد الحرب العالمية الثانية،  بل بانفتاح النظام الجديد على بوابة ثقافات العالم المتجددة لتحرير ثقافتنا من نوعها الواحد ولتحرير اقتصادنا من نوعه المركزي لينفتح نحو الاقتصاد المتنوع وليتحرر السياسي من عقده السابقة الّتي تلجئه إلى مراقبة خصومه ومعارضيه والتربّص بهم.

   لم  يتضمن النظام الجديد ببرامجه الحكومية المتعاقبة بعد الاحتلال آلية  تحرير ثقافة النوع حتى أحرجه المواطن بمظاهراته الربيعية في عام 2011 والتشرينية في عام 2019، والتي عكست مخاضات ساحات التحرير وساحات التظاهر في المحافظات، وكان عليه أن يحميها قبل استغلالها من قبل المتربّصين خلف الأسوار والمتستّرين خلف الأقنعة.

  آن الأوان للشروع بإطلاق برنامج الإصلاح الثقافي ليكون الركيزة الأساسية للإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وليكون المواطن  المتظاهر شاهداً على اختيار الافضل والملتزم  في إدارة البرنامج الاصلاحي مستقلاً في قرارات حكومته بعيدا عن مجاملات الاحزاب وحازماً في ردع ابتزازاتها لتصحيح المسيرة الديمقراطية التي اقتربت حدودها من الفوضوية والعمل على تحصينها قبل أن تستفحل ثقافة نوع جديدة أكثر تطرفاً من ثقافة داعش وأكثر تكبيلاً من ثقافة الجهل الولائية.

Leave a Reply