حرّيّة الصّحافة في عراق الحضارات.. خرافة

الصورة عن الجزيرة.نت

تحقيق: أحمد السّلمان

لم يخطر ببال الصحفي المثابر عدي إبراهيم (48 سنة) ولا في أسوأ كوابيسه بأنه سيطلّق الصحافة طلاقاً بائناً بينونة كبرى ويتحوّل يوماً ما الى سائق سيارة أجرة صفراء اللون نوع سايبا -ساخت ايران- بعد أن أفنى شبابه محرّراً للصفحتين الثقافية والأخيرة في صحيفتين ورقيتين يوميتين إلى حانب عمله الدؤوب في مجلة شهرية ووكالتي أنباء محليتين تعملان على مدار الساعة. فبعد أن أغلقت الصحيفة الأولى أبوابها وسرحت طاقمها بالكامل وتحولت الثانية الى صحيفة الكترونية يديرها ثلاثة أشخاص فقط  هم المصمم والمصحح اللغوي ورئيس التحرير ضغطا للنفقات، وبعد أن أشهرت المجلة إفلاسها وتخلى رئيس مجلس إدارة الوكالة الاخبارية الأولى على إثر فوزه بالانتخابات البرلمانية الأخيرة عن وكالته التي وظفها طيلة عملها لشخصه وحزبه فحسب بينما أنهت الوكالة الثانية عملها بعد خسارة ممولها وراعيها الرسمي في الانتخابات المحلية لانتفاء الحاجة لها، لم يجد ابراهيم كغيره من أقرانه بدّاً من ترك مهنة الصحافة نهائيا حيث لا حقوق للصحفيين المُسرّحين من الخدمة ولا تقاعد ولا مخصصات نهاية الخدمة المضنية، والتحول الى سياقة التاكسي الذي تم شراؤه بالتقسيط وبالاشتراك مع زميل صحفي “مفلس” ثان سبق له أن مخر عباب ذات البحر اللجي متلاطم الأمواج ليتجرعا السم الذي تجرعه مئات الصحفيين من أمثالهما في العراق من قبل ومن بعد أملاً بدفع إيجار شقتيهما المتهالكتين وللاستعانة بالدخل الشهري غير المجزي المقسوم على اثنين لبقية شؤون الحياة الاخرى وأعبائها اللا متناهية في بلد بيع نفطه وهُرّبت آثاره وتصحّرت أراضيه وسُرقت موازناته وجُرفت بساتينه وأحرقت مزارعه وحوسمت أو أغلقت مصانعه وهُجِّرت كفاءاته وصودرت حرياته فشُوّه ماضيه وأظلم حاضره وضاع مستقبله.

ولعلنا لا نبالغ اذا ما قلنا بأن حرية الصحافة في العراق مجرد”حديث خرافة” لا يخفى على أحد من المراقبين للشأن العراقي فضلا عن النشطاء، وكل من عمل في أروقتها يوما مصمماً، مصححاً، محرراً، كاتب عمود، كاتب مقال، مراسلا، مصورا أو غير ذلك وسط أجواء من الرعب والتهديد والاغتيال والخطف والابتزاز المتواصل يعلم ذلك يقينا. بانوراما دموية معتمة انتهت بمقتل ما لا يقل عن 600 صحفي منذ عام 2003 علاوة على اختطاف واعتقال وتهديد المئات منهم وإغلاق وتحييد العشرات من وسائل الاعلام المقروءة والمرئية والمسموعة تباعا وبذرائع شتى حتى عُدّ هذا البلد الأخطر عالميا على حرية الصحافة وحياة الصحفيين ومصادر رزقهم الوحيدة كذلك من دون حلول واقعية تذكر.. بل بحلول ترقيعية ومزاجية نعم، عملية ومهنية لا!

!هرج الصّحافة المحلّيّة وتهريجها

“لاشك أنّ من هرج الصحافة العراقية أن التقارير المعنية بحقوق الإنسان أكدّت استشهاد وإصابة 34 مراسلا و مصورًا وصحفيًا واختطاف 27 آخرين في غضون عام 2014 فقط، ومن تهريجها أن تقارير مماثلة رجحت أنّ الأزمة المالية الخانقة الناجمة عن انخفاض أسعار النفط من جراء وباء كورونا (كوفيد – 19) فضلاً عن القرارات المجحفة التي تمخضت عن إغلاق أو تجميد عمل العديد من القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية وحجب الصحف والمجلات الشهرية واليومية ستسفر عن بطالة تهدّد مئات الصحفيين تضطرّهم إلى التوجه إلى أعمال حرة بعيداً عن مهنة المتاعب وأحضان السلطة الرابعة الدافئة برغم سخونتها غير المعتادة ها هنا”

ويضيف الحاج قائلاً: “منذ عام 2003 وعلى مدار عقد ونيف من الزمن تعرض الصحفيون والإعلاميون في العراق إلى أشرس هجمة عرفها العالم حيث قتل 162 صحفيًا و62 فنيًا ومساعدًا إعلاميًا، فيما اختطف 65 صحفيًا ومساعدًا إعلاميًا تم قتل أغلبهم بدم بارد وما زال 14 منهم في عداد المفقودين بحسب إحصاءات سابقة لمرصد الحريات الصحفية الذي شدد على أن نسبة إفلات المجرمين والقتلة المجهولين وأقرانهم الملثمين من العقاب والمساءلة القانونية على خطى الطرف الثالث وصلت إلى 100%!”.

وتعقيبا على ما قامت به هيئة الارسال والاتصالات أواخر العام الماضي من قطع النت وإيقاف عمل الهاتف المحمول واصدار قرار يقضي بإغلاق مكاتب ثماني قنوات فضائية ومحلية دفعة واحدة هي “العربية الحدث ودجلة والشرقية وNRT والرشيد وANB، والفلوجة وهنا بغداد” مع تجديد غلق مكتب قناة الحرة عراق ثلاثة أشهر وتوجيهها إنذاراً لـ”سكاي نيوز عربية” و”السومرية” و”آسيا” و”رووداو” و”أور”على خلفية تغطيتها التظاهرات الشعبية الحاشدة، وبمعرض إجابته على سؤال بشأن دور قانون حماية الصحفيين في ضمان حرية الوصول الى المعلومة ونقلها بكل أمانة وشفافية في ظل أجواء متوترة للغاية قال الدكتور عبد الهادي الزيدي الأستاذ في جامعة بغداد: ”إن تدفق المعلومات والحصول عليها حق من الحقوق، وقد دخلت هذه المفاهيم حديثاً في معظم مواثيق الاعلام العالمية وجرى تداولها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان وتم التعاطي معها في وسائل الاعلام التي تعي وتحترم دورها في المجتمع بكونها قيمة عليا من قيم اخلاقيات المهنة الاعلامية، فهي جزء مهم لا ينفصل عن العمل الاعلامي ذاته. لذلك فإنّ حجب التدفق الاعلامي و منعه من إيصال المعلومات للمتلقي هي سياسة غير مسؤولة وبعيدة كل البعد عن احترام عقل الانسان وموقعه في الحياة، سواء تم ذلك في العراق أو غيره من البلدان التي تشوب الرؤية الضبابية فيها مصادر وأسس وتفاصيل العمل الاعلامي”، و أضاف متابعا: إنّ “العمل وفق الاسلوب (البوليسي) الذي يمنع تدفق المعلومة والتعاطي مع الخبر والمعرفة بشكل عام يأتي بأضرار كبيرة على الدولة نفسها وعلى المواطن والمجتمع، كل في مجاله واختصاصه، لأن أجواء منع المعلومة وحجب التدفق الاعلامي يشجع على نشوء وانتشار الاشاعات بشكل كبير، ويفتح الابواب أمام الاخبار الكاذبة والمعلومات غير الدقيقة للسريان في المجتمع بسرعة وبأساليب غير معتادة، ما يدفع المتلقي بل حتى وسائل الاعلام ذاتها للتعاطي مع معلومات مزيفة وغير دقيقة وهذا ينعكس بدوره على الأمن المجتمعي بشكل عام والأمن المعلوماتي والاعلامي بشكل خاص، لهذا فإن وسائل الإعلام في العراق يجب أن لا تنساق وراء السياسات الرعناء التي تضع خطوطا حمراء في عملها، خاصة اذا ما وضعت خدمة المجتمع وأمن الدولة واحترام مهنية الإعلام والمصداقية مع المتلقي أهدافا لها. ونحن -أيضا- لا نشجع وسائل الاعلام التي لا تعمل وفق هذه الاهداف، كتلك التي تضع لها برامج وسياسات غير وطنية وتستند الى (أجندات) أجنبية ولا تريد لأية جهة محاسبتها ومتابعتها” .
ومضى الزيدي في القول: إنّ “حجب النت ومنع تداول المعلومات وشراء ذمم بعض وسائل الاعلام أو منع بعضها عن العمل بحجج واهية مختلفة وربما مختلقة هو آخر ما انتهت اليه السياسات التي لا تحترم عمل وسائل الاعلام ولا تلقي بالاً لعقل المواطن وحريته في الحصول على المعلومة والتعامل مع التدفق الإعلامي كحقيقة ملموسة ومعتادة، وذلك بالتطورات السريعة والمتلاحقة في عمل وسائل الإعلام وفي التقدم التقني الكبير الذي سيعمل بالتدريج على إلغاء سياسة احتكار المعلومة ومنعها من الوصول الى المواطن، ويبقى ضمير الاعلامي ومهنية العاملين في هذه المهنة هو المعول عليه في اختيار ما يجب أن يصل إلى الناس وفي طريقة عرضه ” لافتا النّظر إلى أن “من واجبات النقابات والمؤسسات الاعلامية والاتحادات الصحفية وكل من يعمل تحت هذه المسميات أن تكون جداراً فاصلا بين الحرية والمنع، وأن تعمل جاهدة على فضح أيّ سلوك أو اجراء يمنع العمل الاعلامي الحر او يعرقله، وبدلاً من ذلك كله يجب على الدولة أن توفر لها مؤسسات اعلامية تضم ناطقين اعلاميين عنها مع ادوات اخرى تتمتع بالكفاءة والمصداقية وشفافية التعامل مع المعلومة، فتصدر الخبر وتنشر المعلومة قبل أن تنالها أيدٍ غير مسؤولة ولا تتمتع بمهنية وأخلاقية العمل الاعلامي فتكون وسطا ناقلا لما يسمى بالتسمم أو التزييف الاعلامي، اذ نمر في العراق بشكل دائم مع اخبار مختلفة تؤكد حقيقة معينة وتمتاز بجودة العرض والتصميم والاداء وتحمل شعارات مؤسسات تابعة للدولة، ثم تنتشر اخبار أخرى تمتاز بنفس المواصفات وتحمل نفس الشعارات تنفي هذه الاخبار، فيقع المتلقي في حيرة من أمره: يصدق من ويكذب من؟ وأحسب أن هذا كله يقع على كاهل الناطق الاعلامي والدوائر الإعلامية الرسمية التي لابد ان تمتلك الوعي المناسب والمهنية العالية للتعامل مع هذه الحالات وتظهر المسؤول في وقت ملائم لعرض الخبر والمعلومة الصادقة بشكل مناسب”.
وختم الزيدي حديثه  بالقول: إن ” أجواء الحرية الاعلامية التي لابد أن تسود، لن تتحقق بوجود ثغرات كبيرة في الإعلام الرسمي، وباللجوء الى سياسة الحجب والمنع والغلق، وبغياب واضح لدور النقابات والروابط والجمعيات الإعلامية التي يجب أن تكون حارساً أميناً على حرية الكلمة وتدفق المعلومة”.

!سماؤنا تمطر صحفاً وأرضنا لا تنبت صحافة

ماتزال ذاكرة القراء تحتفظ بتلكم الكلمات التي جادت بها قريحة الصحافي والكاتب أياد الدليمي في مقال ذاع صيته سبق أن كتبه قبل سنين خلت بعنوان “سماء بغداد تمطر صحفاً” وهو يبثّ بوحه الممزوج بالحسرة لما آل اليه واقع الصحافة العراقية وهو يتحدث عن صدور ما يقرب من 354 صحيفة ورقية والكترونية بعد 2003 ناهيك عن انطلاق عشرات الفضائيات والاذاعات المحلية والاجابة على السؤال الحائر: هل أن كثرة وسائل الاعلام المحلية دليل على حالة صحية  أم على العكس من ذلك بمعنى أنها نذير شؤم يشي بأن وراء كل مؤسسة جهة سياسية تستخدم وسيلتها وتوظف مالها السياسي لإقصاء الآخر وتهميشه والحط من قدره ونشر غسيله القذر على الملأ ليس إلا؟ يقول: “اعتقدنا للوهلة الأولى أنها ستكون فعلاً آلية للتحول الى مجتمع يؤمن بالديمقراطية والتعددية، غير أن واقع الحال كشف لنا عن شيء أخر، فلقد تحولت وسائل الاعلام الى أدوات في الصراع المحموم الذي دخله العراق، فتارة كانت أداة للصراع الطائفي ثم الحزبي ثم المناطقي ثم الاقتصادي فالانتخابي، وهكذا، بل تحولت تلك الأدوات الإعلامية الى حالة هرج أسهمت في تعزيز حالة الفوضى التي سادت البلاد، والسبب برأيي انها كانت أدوات بيد القوى والأحزاب والميلشيات وحتى بيد الدول الأجنبية. كثرة وسائل الاعلام ليست دليلاً على حالة صحية ما لم تكن مقرونة بقانون ملزم ينظم عملها”.

أما عن رؤيته بشأن كيفية خروج الإعلام العراقي من هذا المأزق ومن تلكم الفوضى العارمة غير الخلاقة فقد أردف الدليمي القول: “أعتقد أن هناك ضرورة لسن قانون للمطبوعات والنشر، على أن يكون قانوناً ملزماً لكل وسيلة إعلام مرئية او مطبوعة او مسموعة، يتضمن العديد من الالتزامات، منها ما يتعلق بالمحتوى ومنها ما يتعلق بوجود تلك المؤسسة من عدمها. فعلى سبيل المثال، لا يمكن لأيّة مؤسسة أن تحظى بدعم نقابة الصحفيين ما لم تقدم كشفا سنويا يتضمن آلية عمل تلك المؤسسة وجمهورها، أي أن الاعتماد يراجع سنوياً أسوة بأية رخصة تمنح لأية مهنة كانت، وبغير ذلك ستبقى مثل هذه الدكاكين الوهمية تفتك بجسد الاعلام العراقي”.
بدوره قال الصحفي محمد محمود: إن “الصحافة العراقية المكتوبة عادة ما تمر بستة مآزق كبرى أو لنقل ست هزات أرضية لا تبقي ولاتذر بتعبير أدق. الأولى منها تبدأ بتقليص عدد الصفحات الورقية من 16 صفحة الى 12 صفحة نزولا الى ثماني صفحات لاحقا. أما الهزة الثانية فتتمثل بتقليص طاقم العمل الى النصف تمهيدا للهزة الثالثة المتمثلة بتخفيض رواتب المنتسبين الى النصف ومن ثم الى ثلث ما كانوا يتقاضونه ساعة مباشرتهم العمل. أما الهزة الرابعة فتتجسد جليا بتحويل الصحيفة اليومية الى نصف أسبوعية ومن ثم الى أسبوعية ما يصرف عنها كتّاب الاعمدة الثابتة وكتاب المقالات والمعلنين على حدّ السواء، والاعلان كما تعلمون هو أحد أهم ركائز التمويل الذاتي لتغطية النفقات بدءً من الطباعة وانتهاءً برواتب الموظفين والتوزيع، تليها الهزة الخامسة المتمثلة بتصغير حجم الجريدة وضغطها لتصبح أشبه ما تكون بكراس ونشرة حزبية داخلية منها بصحيفة ورقية ذات قامة وقيمة. كل ذلك (يحدث) قبل تحويلها إلى صحيفة الكترونية بعد تسريح جميع العاملين فيها باستثناء ثلاثة أنفار وربما أقل يتقدمهم المصمم ورئيس التحرير لتظل صامدة على هذا الحال ريثما تودع قرّاءها والى غير رجعة ومن غير إحم ولا دستور في القريب العاجل. شخصيا، شهدت إغلاق ثلاث صحف كنت أعمل فيها بهذه الآلية البائسة التي تستدعي الرثاء“، ويزيد لافتاً النّظر الى أن “الصحف المحلية التي تمر بهذه المحطات المتتابعة وتتعرض الى كلّ تلكم الصفعات المتلاحقة تتحول في نهاية المطاف الى شبه منشور تافه يغص بالأخطاء التحريرية والنحوية والإملائية واللغوية فضلا عن المغالطات الخبرية ويصير أقرب ما يكون الى بوستات – الفيس بوك – حيث رفع المنصوب، و جر المفتوح، على خطى -الدجال الاشهر أبي علي الشيباني- عند تحدثه بالفصحى من على الشاشات المتهافتة التي تستضيف هراءه وهراء معلمه على الهواء مباشرة”.

ماذا تعرف عن صحف النزوة الوهمية وصحافة الشهرة البوهيمية؟

هناك من الصحف والمجلات الورقية المحلية بل وحتى الالكترونية ما يصلح أن نطلق عليها اسم -صحف وصحافة وهمية- تعيش حالة من التخبط البوهيمي أسوة بأصحابها، صحف وصحافة متسكعة، مغامرة، متشردة، متطفلة، تصدر لمرة واحدة سنويا وبعضها بخمسة أعداد طيلة العام تتناقل مواضيعها ذاتها حرفيا من مطبوع الى آخر بغية الحصول على اعتماد النقابة، وغاية اصحابها القصوى هي البحث عن -الكشخة الزائفة – أو خداع جمهور معين في مكان وزمان محدد ليس إلاّ.  وعن كيفية خروج الاعلام العراقي الاقدم في المنطقة العربية والأعرق في عموم الشرق الاوسط والى وقت قريب جدا سالما من هذه الطامة الكبرى والعار الذي لحق به من كل حدب وصوب، قال الكاتب والاعلامي ورئيس تحرير الكتير من الصحف المحلية مهند النعيمي، “لم تكن الصحف التي اجتاحت الساحة العراقية بعد الاحتلال تحمل أهدافاً مشتركة، كما لم يكن الدافع لقسم منها إعلامياً بالمعنى المهني، فهناك صحف يصلح أن نسميها صحف نزوة، حيث دخل الى عالم الصحافة بعض الأثرياء رغبة في كتابة عمود، سواء بالدهن الحر أو بدونه، أو تأطير اسم في واجهة الصفحة الأولى، واستقطبوا لهذه المهمة بعض الصحفيين، لكنهم اصطدموا بالنفقات المكلفة لإصدار صحيفة من دون تحقيق أرباح خلافا لما اعتادوا عليه عند دخولهم في أي مشروع آخر، لذا قرروا الانسحاب وإغلاق صحفهم من دون أن يمنحوا الصحفيين الذين عملوا بمعيتهم حقوقهم، مستغلين عدم وجود قانون فاعل يكفل حقوقهم. كما ظهرت صحف حزبية استطاعت المطاولة بفعل التمويل المتواصل من جهات داعمة، حتى توفرت لها فرصة المشاركة في العملية السياسية وتولي المناصب التي أعطت زخماً لصحفها، لكن تراجع بعضها انعكس على صحفها الرسمية حتّى أعلنت إفلاسها السياسي والإعلامي، وكان المتضرر الأول الصحفي الذي ربط نفسه بهذه الصحف، سواء انتمى أو لم ينتم لأحزابها”، مردفاً بالقول “وهناك نوع ثالث، يمثله أصحاب المهنة، الذين طمحوا أن يخرجوا صحيفة رصينة، تكون ملاذاً لكل صحفي يحترم قلمه، وهؤلاء لم يجدوا داعماً مادياً لمشروعهم، ولا مؤسسة تتبنى تطلعهم، حتى الرهان على المبيعات، أو الإعلانات لم يكن كافياً لسد نفقات الطبع فضلاً عن مرتبات العاملين في الصحيفة، لذا توارت عن الأنظار غير مأسوف عليها. عامل مهم وأساس فرض نفسه كبديل أرخص هو الصحافة الألكترونية، لذا تحولت العديد من الصحف من الصحافة الورقية الى الألكترونية، لتقليص النفقات، مبررة أن الصحافة الورقية لم تعد مطلوبة في الشارع، ولا يقرؤها سوى كبار السن، ثم أن حيز الحرية في الصحافة الألكترونية أوسع، كونها أبعد عن عيون الرقيب وعموماً في العالم المتقدم الذي سبقنا بالإلكترونيات، لم يزل محافظاً على الصحافة الورقية، لأنها تمثل الخصوصية، الى جانب التوثيق”.
وعن وضع السبابة والابهام على موطن الجرح تابع النعيمي: “مشكلتنا هي في ضياع التخصص في العمل الصحفي، بعد أن اصبحت مواقع التواصل ساحة مفتوحة لكل من يخطر في باله أن يكتب ويحلل وينتقد، من دون تحفظات، ونحن مع حرية الكتابة، لكن بشرط أن يمتلك الشخص أدواتها”، مبيناً، ان “واحدة من المصائب اليوم هي اللغة السائدة، وهي لغة الفيس التي فرضت أسلوباً جديداً في الكتابة، لا يخضع لقواعد نحوية ولا إملائية، وقد انتقلت مع الأسف إلى وكالات الأنباء التي اعتمدت على المستجدين في عالم الصحافة، أو الطارئين عليها، لأسباب مادية، ليقدموا خبراً ركيكاً، لكن على قاعدة -المهم المضمون- وأرى أن الصحافة الورقية تمر بركود، لكنها لا يمكن أن تنتهي، لأنها أساس الفن الصحفي”.
من جهته قال الكاتب والإعلامي عمار البغدادي مدير وكالة “خام” الإخبارية في معرض إجابته على سؤال انطلق من كتابه الاخير”شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة.. الحب إكسير الحياة”، الكتاب الذي يدافع عن (فلسفة المحبة) بوصفها أساسا للإيمان والتواضع، للإلهام والإبداع، وكيف يمكن لهذه المحبة ان تقاوم المد الكاسح ضدها وكيف بإمكانها أن تتعافى من كورونا وإغلاق المؤسسات الصحفية “المقروءة والمرئية والمسموعة” تباعا بطرق وذرائع شتى تباينت بين الضغط والتهديد من جهة ،وبين قطع التمويل من جهة أخرى مستفيضا بالقول “كما أن الشر يلبس أقنعة متلونة فان المحبة تبني أسوارا متعددة تحمي الطيبين عبر الأزمان وأول تلك الأسوار ما تنبض به القلوب من موّدة وتكاتف في اوقات الشدة. لقد طُردنا من مؤسساتنا الصحفية بفعل فيروس كورونا لكننا مددنا عبر أثير المحبة المتأصلة في نفوسنا جسورا للتواصل، وبالاجتهاد والدعاء نقارع هذه المحنة ونواصل عملنا عبر الشبكة العنكبوتية من بيوتنا، أما المتصيدون في الماء العكر الذين اتخذوا من هذه الجائحة حجّة لانهاء خدمات الإعلاميين والصحفيين فقد نسوا أو تناسوا أن البلاء قد يصيبهم وهم يبخسون الناس سنوات من الجهد والإبداع، ومازلت على يقين بأن هذا الوباء سينصر الحق في آخر النفق المظلم وستعلو القلوب الطيبة بصفائها ونقاء سرائرها والأيام دول كما يقال”.
وزاد البغدادي وهو يتحدث بحسرة عن قانون حماية الصحفيين بوجود عشرات الصحفيين ممن غدوا بلا عمل بعد إغلاق مؤسساتهم وبعضهم بات يعاني من المرض من دون أن يسعفه هذا القانون البائس الذي ظل منذ اقراره حبرا على ورق واقعا، قائلا: “لقد جاء قانون حماية الصحفيين مخيبا للآمال، فمعظم بنوده إنشائية ولا تمتّ الى الواقع بصلة، وكان الأمر متوقعا للاسف، فبلد مثل العراق لم يشرّع قانون عمل يحمي حقوق العاملين في القطاع الخاص ويضمن لهم حقوقا تقاعدية وتعويضات مجزية عند إنهاء خدماتهم بقرارات مزاجية، بلد كبلدنا هذا لايمكنه أن يشرع قانونا يحفظ كرامة الصحفيين ويضمن لهم حرية العمل والكشف عن ملفات الفساد اضافة الى عجزه عن إستحصال حقوقهم المالية كبقية مؤسسات القطاع الخاص، ونأمل اليوم من رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي، بوصفه كاتبا وصحفيا سابقا وناشطا في مجال حقوق الأنسان أن يعيد الأمور الى مسارها الصحيح ويحيط أبناء صاحبة الجلالة بالرعاية ويضعهم بالمكانة التي يستحقونها بعد سنوات من الظلم والإجحاف”.

!حين يتحوّل الوطن إلى مدافن للمبدعين ومقابر للمغتربين

شهد العراق هجرة الآلاف من مثقفيه وخبراته وكفاءاته وإعلاميّيه طيلة عقود وفي كل يوم تشرق فيه شمس ننعى فقيدا منهم رحل بعيدا عن بلده هناك في أرض الغربة. الصحفي العراقي ليث مشتاق إعلامي مغترب يعيش خارج بلده منذ أكثر من 16 عاما استقر به المقام أخيرا وقد لا يكون آخرا في بريطانيا التي لا تشرق عليها الشمس، تحدّث والألم يعتصر قلبه عن جانب من معاناة الاعلاميين العراقيين المهاجرين وخشية بعضهم على حياتهم أو على مهنتهم أو على مستقبلهم وأولادهم إذا ما عادوا الى وطنهم الأم الذي أفنوا أعمارهم في خدمته وربما لن يعودوا اليه إلا بعد وفاتهم مجرد جثامين مسجاة داخل توابيت خشبية ليدفنوا في مقابره، يقول: “هجرة الكفاءات وعودتها غالبا ما يتحمل المسؤولية بشأنها الدول والمَواطِنُ ذاته، ربما كان رحيلي شخصيا عن العراق قد جاء على خلفية ظروف العمل عام ٢٠٠٤ من أغلاق مكتب القناة التي كنت أعمل بها واتساع دائرة استهداف الصحفيين من جميع أطراف الصراع في العراق يومئذ، فلو رغبت الدولة العراقية (ولا أظنها كذلك) باستعادة كفاءاتها سواء الصحفية أو غيرها لفعلت ولوفرت الأجواء الصحية الممهدة لذلك. فكيف بدولة لا يأمن فيها على نفسه من ينتقد حزبا أو مليشيا مع فوضى السلاح أن تكون مكاناً آمنا لحرية الصحافة !؟“
وزاد مشتاق: “على الدولة العراقية استزادة القانون والحرية ناهيك عن هيبتها ايضا قبل التفكير باستعادة مثقفيها ومبدعيها“ مشيرا الى أن “من مخاطر وخسارات جميع الأطراف في تلك المعادلة العزلة التي تنجم بعد مدّة بين مثقفي الخارج والجمهور في الداخل والامثلة كثيرة واللائحة طويلة، العالم الخارجي يعجُّ بالمبدعين العراقيين بمجالات عدة، يعاملهم العالم على أنهم عراقيون، بينما يتنكر لهم بلدهم وحكوماته المتعاقبة، بالتالي سينكفئ قسم منهم ويذوب القسم الاخر وسط ثقافات الغير، ومنهم من سيتقوقع داخل الهوية التي يحتمي بها وإن عجز حتى عن نقلها لأولاده، إلا أنه يختار من العراق والتراث والتاريخ بضع أثاث يزين به تلك القوقعة من الداخل مهما بدت ضيقة لمن نظر إليها من الخارج، والأغلب أنّه سيعيش منزوياً فيها دون أن يلحظه أحد”.

الكثرة حين تصحب الحسرة!


لاشك أن وجود عشرات الفضائيات العراقية عادة ما يوهم المتلقي العربي فضلا عن المحلي بوجود حرية إعلامية غير مسبوقة في العراق الا أن المراقب المتمعن والمطلع المتأني للشأن الداخلي يعلم جيدا بأن الكثير من هذه الفضائيات وطواقمها العاملة قد تعرضوا للتهديد والضغط والحجب والمنع والضرب والاختطاف ومصادرة الاجهزة والمعدات، وبعضها تعرض الى عمليات دهم وتخريب وحرق لمكاتبه مرارا وتكرارا وبعضها اغلق ولأكثر من مرة ليعاود البث مجددا “قناة بغداد ودجلة انموذجا”، أو ليغلق أبوابه نهائيا ” قناة البغدادية مثالا” حتى بات عملها مستحيلا في الداخل ما أرغم العديد منها على إستئجار مكاتب وأستوديوهات خارجية مكلفة جدا في دول عربية قريبة أو بعيدة وقسم منها وجد ملاذا امنا قد يكون وقتيا وقد يكون دائميا في كردستان ، وعلى هذه النقطة علق الاعلامي عثمان الشلش بالقول ” واقعا العمل الصحفي في العراق أجمع ليس سهلا ولأسباب عديدة من أبرزها عدم تمكن الصحفي من طرح ومناقشة الامور ذات الاهمية الفائقة سواء المجتمعية منها أم السياسية العامة ، حيث انه وفي حال لم يسلم من التهديد أو الاعتداء، فأن العرف العشائري سيلعب دور المحاسب والرقيب في بعض الاحيان، وان خرج من كل ذلك سالما أوكل أمره الى القضاء لمقاضاته أو لمقاضاة المؤسسة الاعلامية التي يعمل لصالحها، والحل يكمن في إقرار قانون يحمي الصحفي ويعاقب المعتدين عليه والمقيدين لحريته”.
وزاد الشلش “أما بشأن إدراج العراق في المركز 162 من بين 180 دولة حول العالم رصدتها منظمة “مراسلون بلا حدود” في تقريرها الأخير كأكثر الدول خطورة في مجال الصحافة وحرية التعبيرعن الرأي، فأقول: مؤسف حقا أن يكون هذا هو تسلسل العراق في القائمة ولا شك أن الحكومة لا تتحمل وحدها مسؤولية التقصير في حماية حقوق الصحفيين ما أسفر عن شغل العراق لهذه المرتبة المتدنية، بل إن بعض من يدّعون انتسابهم للوسط الصحفي وهم في حقيقة الأمر من غير المؤهلين أو من الطارئين عليه قد أوصلوا أوضاع الصحافة الى هذا المستوى، ولا ريب أن صناعة محتوى اعلامي ناجح تحتاج الى مؤسسات رصينة تحترم صحفييها الحقيقيين وتقدم لهم كل ما من شانه أن يفجر طاقاتهم ويبرز ابداعاتهم، لتعويضهم ولو نسبيا عن بعض ما يفتقدونه من الحرية الاعلامية المنشودة وسط هذا الكم من الاخطار التي لاتحصى!
وعن قانون حماية الصحفيين، وهل هو مطبق فعليا على أرض الواقع، أم أنه شكلي ومجرد حبر على ورق؟ أجاب الاعلامي والأكاديمي د. واثق عباس: ”إن القانون خطوة إيجابية لتعزيز حقوق الصحفيين ودعم مسيرة الصحافة في العراق، فهو لبنة أساسية من لبنات المجتمع، كون الصحافة وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي داخله، ما يفرض على الجميع الاعتراف بها والعمل على حمايتها في ظل قوانين رصينة ومعتبرة تنظم تلك الحرية وتكفلها على الوجه الامثل. المفترض أن (قانون حماية الصحفيين) يهدف إلى توفير الحماية اللازمة للصحفيين أولا وتعزيز حقوقهم ثانيا ويضمن وصولهم الى المعلومة، وإن كانت جل نصوصه وأحكامه تؤكد على تلكم الحقوق وبشكل صريح إلا أنه لايخلو من التزامات تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها والمفترض إن القانون ينظم العمل الصحفي الا انه لم يتطرق الى جانب التفرغ الكلي لهذا العمل أو مدته ولا الى حق الصحفيين على مؤسساتهم في حال أغلقت أبوابها وسرحت طواقمها وفي حال مرضهم، فقدانهم وظائفهم، كبر سنهم، اصاباتهم، ما يعني أن القانون لم يطبق ولم يصغ بالشكل الذي يلبي طموح الصحفيين وجاء مخيبا للآمال بعد طول انتظار قبل أن يرى النور بهذه الطريقة”.
أما عن الأداء الصحفي في العراق عموما وبكافة مفاصله، وهل هو بمستوى الطموح قال عباس إنّ ” الأداء الصحفي متراجع لأسباب عديدة أهمها تراجع حرية الصحافة في العراق، فوفق التقرير الصادر عن (مراسلون بلا حدود)، فإن مرد ذلك الى عدم توافق التشريعات والقوانين مع الدستور وكذلك الإفلات من العقاب ناهيك عن تقييد حرية التعبير وتحجيمها، وقد شغل العراق المركز 156 عالمياً من أصل 180 دولة شملها التقرير عن حرية الصحافة لعام 2019، وقد أدرج العراق في المركز 12 عربيّاً، حسب ترتيب مستوى الحرية والأمن عالميا، اذ ان ظاهرة العنف أصبحت سائدة وتتسع يوما بعد آخر، وما موجة الانتهاكات الخطيرة والمستمرة التي تطول الصحفيين الا دليل على ذلك، حيث وثّق مرصد الحريات الصحفية، انتهاكات العام الماضي، واذا بها 477 انتهاكاً في عموم البلاد وهذا بمجموعه -وما خفي كان أعظم-  قد أدى وسيؤدي إلى مزيد من التراجع البين في مجمل الأداء الصحفي وعلى مختلف الصعد”.
حملت أوراقي وبينما كنت أسير وحيدا أذرع -درابين- الأزقة والمحلات القديمة واحدة تلو الأخرى إذا بوريقات تتساقط من بين دفاتري من دون إرادتي لتتبعثر أمام ناظري واذا بها لوحات كاريكاتورية في غاية دقة المضمون وروعة الاتقان للرسام والكاتب والصحفي الذي مات كمدا ومرضا وفقرا”عدنان الجبوري” فسألت نفسي “ترى أين حل الدهر بفن الكاريكاتير وقد كانت الصحافة العراقية سباقة ورائدة فيه حين كانت رسوماته المعبرة تزين الصفحات الخارجية والداخلية للصحف المحلية يوم كان يقض مضاجع الفاسدين والمفسدين يؤرق ليلهم ويذل نهارهم لما يقرب من قرن من الزمان؟ لقد أصبح في خبر كان وأخواتها أسوة بالتصميم ونظيرهما التصوير الفوتوغرافي بعد أن كان لكل صحيفة رسامها ومصممها ومصورها الخاص بها يلتقط لها الحصري من الصور الفنية المبهرة قبل صحافة المواطنة والموبايل و”الكوبي بيست”. نحن اليوم بانتظار تقنين الصحافة وإعادتها الى سابق مجدها معززة مكرمة  أوالتكبير عليها أربعا وإعلان وفاتها والإكتفاء ببوستات الفيس بوك وتغريدات تويتر وصور وتعليقات أنستغرام، حيث التاء المربوطة بلا نقاط البتة، فيما الهاء المربوطة كالألف المقصورة بنقطتين إثنتين، الأولى فوق التل والثانية تحته.

أمّا عن إستبدال الظاء أخت الطاء بالضاد أخت الصاد كيفيّاً أوالعكس، عن التحقيقات الاستقصائية المؤثرة، عن التقارير الخبرية الفاعلة التي تجيب عن المحور الأهم للمتلقي الحاذق“لماذا؟” عن الخلط العجيب والمثير للاشمئزاز بين حوار الشخصيات وحوار المعلومات والسير الذاتية، عن الخبر الحصري المتكامل الذي يجيب عن الاسئلة الستة ”متى، أين، كيف، مَنْ، ماذا، لماذا” فلن أتحدث، لأن الحديث ذو شجون وبنا حاجة الى مجلدات بهوامش وذيول وشروح ومتون!

قبل أن أولّي وجهي شطر منزلي قبيل بدء حظر التجوال الشامل اذا بالهاتف الجوال يرن و زميل سابق صار كهربائيا بعد أن كان صحفيا يبادرني بالقول “مرحبا حاج، سمعت أنك بصدد عمل تحقيق عن الصحافة في العراق وودت المشاركة فيه وإن لم تكن راغبا بمشاركتي. دوّن عندك: “لقد انشطر المواطنون بفعل الفوضى غير الخلاقة التي عصفت بالمنظومات الثقافية والاخلاقية والاجتماعية العراقية إلى مواطن صالح ثابت على مبادئه لا تزعزعه المتغيرات التي تعصف بالبلاد، وآخر طالح يبيع قيمه ومثله بعرض زائل لمن يدفع أكثر ولكل من هبَّ ودبَّ، وبما أن الصحفيين ليسوا بدعًا من الناس فإنهم قد انشطروا بدورهم إلى فئتين يبدو ان لا ثالث لهما، لقد صار عندنا وعلى غير سبق مثال صحفيو شعب وصحفيو ساسة.. صحفيو كوسترات وصحفيو رباعيات.. صحفيو خنادق وصحفية فنادق.. صحفيو مقاهٍ وصحفيو ملاهٍ.. صحفيو حق وصحفيو باطل.. صحفيون يشدون على بطونهم الأحجار وصحفيون يأكلون الكافيار ويدخنون السيكار.. صحفيون يعملون لله حسبة وصحفيون أمام تدفق المخصصات والرواتب ضاعت عليهم الحِسبة…صحفيون لا يعرفون وأهلهم المسرات وصحفيون يسافرون الى خارج البلاد مراتٍ ومرات.. صحفيون يبيعون على قارعة الطرق كتبهم، وصحفيون يبيعون خلف الكواليس مبادئهم.. صحفيو ميادين وساحات، وصحفيو أحزاب وجماعات.. صحفيو تظاهرات وصحفيو مهرجانات.. صحفيو كامبات وعشوائيات ومخيمات وصحفيو مولات وعزائم وولائم ومؤتمرات، فأختر أيها الصحفي إلى أي الفريقين تريد أن تنتسب؟ إلى الأول فترضي ربك وشعبك ووطنك وضميرك، أم الثاني فتغضب خالقك وتبيع دينك ودنياك بدنيا غيرك وبئس من يفعل ذلك ليبيع مبادئه بعرض زائل وبفتات الآخرين!”.

Leave a Reply