محطات تأريخية من عوامل انتعاش الحياة الفكرية في عصر الدولة العباسية

(تنوّع وانتشار المراكز التعليمية

مها اسعد عبد الحميد

كان لانتعاش الحياة الفكرية في زمن الدولة العربية الإسلامية في العصور العباسية المتنوعة عوامل وأسباب متعددة منها  تنوّع وانتشار المراكز التعليمية في أرجاء الدولة المختلفة. إن ّ الدّارس والمتتبّع للحياة الفكريّة في العراق وباقي الأمصار لا تفوته ملاحظة ما يأتي:

1-    اهتمّ العراقيّون  منذ القِدَم بإنشاء المراكز التعليمية وتطويرها ورفدها  بالعلماء وتأمين احتياجاتهم واحتياجات المتعلّمين الّذين تنوّعت طبقاتهم الاجتماعية وعقائدهم الدينية وكانوا من مِلَل ونِحَل شتّى. يعني هذا أنّ انتشار المراكز التعليمية وازدهارها كان إحدى ثمار مبادئ التسامح الديني والتعايش السلمي والتماسك الاجتماعي الّذي كان شائعاً في بلاد الرّافدين و باقي أرجاء الدّولة الإسلاميّة.

2-    إنَّ ما قدّمته المراكز التعليمية في البصرة والكوفة و واسط ونينوى والأنبار وغيرها من المراكز التعليمية خارج العراق مثل مدارس دمشق والقاهرة والقيروان وبخارى و المراكز التعليمية القديمة  الّتي كانت قائمة أصلاً كالمساجد والأديرة والكنائس والأسواق الأدبية والرُبُط والثغور والمكتبات التاريخية المتنوعة وانصهارها في بوتقةٍ واحدةٍ ساهم في ولادة السِمات الرفيعة لمدرسة بغداد الحضارية. لقد وصلت حاضرة الدولة العباسية بغداد الى أوج رقيّها الفكري وازدهارها الحضاري بعد استلهامها واستيعابها ذلك التراث الفكري التاريخي الضخم، ثمّ أضافت اليه الكثير فتولّدت عنها المزايا الفاضلة للحضارة العربية الإسلامية في العصر العباسي.

3-    إنّ الانحلال السياسي في العصر العباسي الثاني وما انتاب الأمة الإسلامية من ويلات وتدنِّ سياسي لم يُؤثِّر سلباً في الازدهار الفكري. لقد هوَت الدولة سياسياً في القرن الثالث الهجري وما بعده بفعل تدخل الجند الأتراك والنساء والغلمان وغيرهم بمقدّرات الدولة وتوجيهها سلباً  خلال هيمنة الأمراء البويهيين للمدة من (334-447هـ/945-1055م) ومن بعدهم السلاطين السلاجقة على العراق للمدة من (447-590هـ/1055-1194م) ، إلّا أنّ  التطور الحضاري والازدهار الفكري شهدا تصاعداً مستمرّاً فقد أُضيفت مراكز تعليمية أخرى, فأُسّست المدرسة النظامية في العراق في القرن الخامس الهجري ومدارس نظامية على غرارها بعد ذلك في  أنحاء العالم الإسلامي، ثم أنشئت المدرسة المستنصرية في القرن السابع الهجري ومدارس أخرى ألحق بعضها بالمساجد و جُهّزت كلّها بجميع متطلبات العلماء والمتعلمين. واستناداً على ما تقدّم  يحدونا الأمل بأنَّ ما تتعرض له الدولة من التّمزّق سياسياً لا تنتكس به علمياً وحضارياً و يملؤنا ذلك اعتزازاً بالتاريخ الفكري المشرق لهذه الأمة ، ولا سيّما في العراق الذي وصل إشعاعه الحضاري شرقيّ العالم وغربيّه في مختلف مناحي الحياة الفكرية إبّان العصر الوسيط.

وعليه نود من المسؤولين والعلماء والباحثين  الالتفات إلى:

أ‌-     تشجيع الباحثين الجدد وطلاب العلم بمختلف مراحلهم الدراسية على استشراف الحياة الفكرية للأمة الإسلامية التليدة .

ب‌-   التقصّي عن المراكز التعليمية القائمة في العراق في الوقت الحاضر وإضافة مراكز تعليمية أخرى وبالأخص تلك المهتمة بالتقنيات العلمية الحديثة لتكونَ في خدمة المتعلمين والباحثين والعلماء على حدٍّ سواء حتى تتهيأَ لهم الأرض السليمة الخصبة للانطلاقة الحضارية الجديدة المنشودة .

ج-  السعي إلى إطلاع العالم بأسره على المراكز التعليمية المتنوعة والمنتشرة في العراق والعالم الإسلامي عبر العصور عن طريق وسائل الإعلام المتنوعة والقنوات الفضائية المختلفة وشبكات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فضلاً عن نشر ذلك بمطويات وكتب وبوسترات وتوزيعها بين القنصليات الثقافية للعراق في دول العالم المختلفة حتى نحكي لهم قصة حياتنا الفكرية المتألقة في عصر الدولة العباسية ، ولكي نُرجعَ أثرنا الحضاري السامي بين الأمم. ذلك لأن العراق جمجمة العرب وأول من علّم العالم الكتابة.

Leave a Reply