معضلة قانونية ليس لها حلّ

الصورة ©ويكيبديا

بروتاغوراس: “الإنسان مقياس الأشياء جميعها

(الفيلسوف الذي علّم البشرية أهم قاعدة فكرية)

بقلم: محمود سعيد

بعد نضوجه، أخذ بروتاجوراس يعلّم القوانين في مدرسة القانون التي أقامها في أثينا لقاء أجر عالٍ.   في أحد الأيام جاءه شاب صغير فقير، قال له: أنا أريد أن أكون محامياً لكني لا أملك ما أدفعه لك مقدماً. إن علمتني لأصبح محامياً فسأعطيك أتعابك في أوّل قضيّة أكسبها. سجّل اسمه في سجل المحامين مبرزاً الشهادة الموقعة من قبل بروتاجوراس. لكنه بعد ذلك ذهب إلى بروتاجوراس وقال له: قررت ألّا أعطيك فلساً واحداً فافعل ما بدا لك، فما كان من  بروتاجوراس إلاّ أن رفع ضده قضية في المحكمة. 

عندما دخل بروتاجوراس المحكمة وقف القضاة جميعاً احتراماً له، لأنهم كانوا تلامذته، ونادوا على المتهم و حين حضر قال للقاضي: سيدي القاضي , أنا رابح القضية في الحالتين. إذا اعتبرتني خاسراً فلا يترتب عليّ دفع فلس واحد لأن شرطي كان منذ البداية أن أدفع حين أربح. أما إن ربحت القضية فسآخذ أجرتي منه ثم أدفعها له ثمناً لتدريسي القانون. وهذا يعني أنني لن أدفع فلساً واحداً وأنني كسبت القضية. 

التفت القاضي إلى بروتاجوراس وقال له: ماذا تقول يا أستاذ؟ 

قال بروتاجوراس: سيدي، إن حكمتم لي أو له فأنا من سيكسب القضية. إن اعتبرتموه صاحب الحق، أيّ أنه ربح القضية، فهذا يعني أنه يجب أن يعطيني حقي وفق القانون لأن العقد ينص على دفع الاجور في حالة كسب القضية. أما إن اعتبرتموني صاحب الحق، فصاحب الحق يعني أن يأخذ الأتعاب من الطرف الآخر.

فكّر القاضي طويلاً ثمّ قال: سنؤجّل الحكم إلى الغد. بعدها جمع فقهاء القانون واستطلع آراء القضاة الآخرين فاتفقوا جميعاً على ألّا حل لهذه القضية آنئذٍ، وأنّ عليهم الانتظار مائة سنة في الأقل.

درس بروتاجوراس الفلسفة في أثينا منذ صغره، وفي الثلاثين استوى على قدمه فيلسوفاً موسوعياً. بدأ ينتقل من بلد إلى بلد يعلّم أبناء الأثرياء الفلسفة بأجر عالٍ فأفسد الشباب ولقبه سقراط بالسفسطائي، وبظهوره ظهرت السفسطائية وانتشرت كالهشيم ولم يعد بإمكان أحد أن يحاربها. ولما كان الحكم في أثينا ديمقراطياً، فمرة ينتصر حزب مؤيد للسفسطائيين وأخرى ينتصر أعداؤهم، فإن انتصر الأعداء قدم بروتاجوراس للمحكمة وتظاهر جمع غفير يطالب بإعدامه وحرق كتابه “عن الآلهة“. وإن انتصر السفسطائيون رفع كتابه “عن الآلهة” وعدّوه دستوراً للمجتمع. 

ترك بروتاجوراس بعد وفاته الكثير من الكتب، عن العلم، الرياضيات، الحكومة، في الفضائل، في الطبيعة وحقائق الأشياء، في الطمع، في أخطاء البشر، في الحجج المتناقضة، فضلاً عن كتاب “عن الآلهة”، لكن معظم هذه الكتب فقدت ولم يبق إلّا نتف صغيرة.

 لعل أهم عبارة فلسفية قالها بروتاجوراس:

 “الإنسان مقياس الأشياء جميعا” لأنها أصبحت على لسان كل المثقفين رغم أنّها أثارت الكثير من اللغط والاحتجاج، فالبشر متفاوتون في إدراكهم، فهناك من له من الإدراك ما لا يزيد عن الحيوان، بينما يتمتّع البعض بإدراك عميق يمكّنه من فهم كل شيء، فعن أي إنسان يتكلم بروتاجوراس؟

ولأن الإنسان مقياس كل شيء يجب أن يكون كل البشر أحراراً. يعني هذا أن تختفي  طبقة العبيد، لكنّ هذه جريمة في نظر الأغنياء والأرستقراطيين. فعلى سبيل المثال كان ارسطو من المدافعين عن وجود الرقيق، وإنّ نقص الرقيق يوجب قيام الحرب.  ولذا تضاءل دور الفلسفة القديمة، خاصة في العصر الحديث، فمقياس الخير والشر في زمننا هو ما فيه صالح للنّاس وحريتهم وحقوقهم. لذا يمكننا القول أن بروتاجوراس هو حقاً فيلسوف الزّمن الحاضر أيضاً.

Leave a Reply