المفقودون والمختفون قسراً

أحمد السّلمان

معضلة إنسانيّة بحاجة إلى حلّ

حوار مع النائب السابق عن محافظة الأنبار السّيّد أحمد عطية السّلماني

لايختلف اثنان على أنّ الحقّ في العيش الكريم والحفاظ على كرامة الإنسان وحرّيته وسط أجواء من العدالة الاجتماعية هو حق مشروع كفلته جميع الأديان السماوية علاوة على العديد من النظم والدساتير والقوانين الوضعية.

يُفترَض بالأنظمة التي تنتهج الديمقراطية ولو شكلياً كالعراق أن تتمتع بقدر مقبول من هذه العدالة والحرية والكرامة انطلاقاً من قوله تعالى : { ولقد كرّمنا بني آدم”} و من الحكمة الخالدة ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً؟”. إلّا أنّ الملاحظ أنّه وكلّما احتفت البشرية في أصقاع المعمورة بيوم عالمي من الأيام التي تُعنى بحقوق الإنسان يتصدّر العراق القوائم -بلا منازع- ضمن الدول الأكثر انتهاكاً لهذه الحقوق المشروعة واستخفافاً بها.فحين يحيي العالم ذكرى اليوم العالمي للمفقودين والمختفين قسراً في الثّلاثين من آب من كل عام يكون العراق المتصدّر لقائمة الدول الأكثر فقداناًلأبنائه رجالا ًونساءً وشيوخاً وأطفالاً حيث يتربّع هذا البلد المنكوب على رأس القائمة بعشرات الألوف منهم من دون معرفة مصيرهم أكانوا بين الأحياء أم من الأموات، ومن دون معرفة أماكن وجودهم أو احتجازهم قسريّاً ولا حتّى مواقع المقابر الفردية أو الجماعية التي تضمّ رفات من قُتل منهم ظلماً وعدواناًأو فارق الحياة بسبب آخر، مع أنّ جرائم نكراء كتلك لا تموت بالتقادم ولو بعد ألف عام، وعلى الجميع أن يعلم ذلك جيداً ويدركه مليّاً. و حين يحتفل العالمباليوم العالمي للّاجئين في العشرين من حزيران من كل عام يظهر اسم العراق جليّاً بأكبر عدد من النازحين واللاجئين والمهجّرين والمهاجرين والمشرّدين ممن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في الفيافي والقفار بينما يسكن بعضهم مخيّمات هي أقرب لمعسكرات الاحتجاز والعزل والحجر منها إلى مخيّمات لإيواء النازحين داخل خيام بائسة وكرفانات بعيدة كل البعد عن المعايير الانسانية، تفتقر بمجملها لأقل الخدمات وعلى المستويات كافة مع غياب الرعاية المطلوبة طوال مدة بقائهم أو احتجازهم داخلها، بل ويمتدّالإجحاف لمنع الآلاف منهم من العودة إلى مناطق سكناهم الأصلية بذرائع شتّى لايخلو بعضها من محاولات خائبة لإحداث تغييرات ديموغرافية في هذه المنطقة أو تلك بناءً على خلفيات طائفية أوعرقية مقيتة بالرّغم من أنّ أبسط تعريف لحقوق الإنسان هو أنّها ” مجموعة من الـحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها وهي مستحقة وأصيلة لكل انسان فهي ملازمة لهم بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم أو لغتهم أو ديانتهم أو أصلهم العرقي أو أي وضع آخر”.

لتسليط الضوء على جانب من هذا الملفّ الشائك ولإضاءة مساحة من تلكم المأساة المؤرّقة والتي تعدّ خرماً في العدالة الاجتماعية والقضائية وإهانة للإنسانية وتهديداً للسلم المجتمعي حاورنا النائب السابق عن محافظة الأنبار السّيّد أحمد عطية السّلمانيّ وبادرناه بالسؤال الاول


*كانت لكم لقاءات مثمرة مع منظمّة الصليب الأحمر الدوليّة بشأن واقع المفقودين والمختفين والمغيّبين قسراً في محافظة الانبار وضرورة التحرك العاجل للكشف عن مصيرهم بمساعدة دولية. نرجو إيجاز أبرز ما دار في تلكاللقاءات وبيان ما تأملونه منها في القريب العاجل.

النائب السابق عن محافظة الانبار النائب احمد عطية السلماني


– اللقاء كان حول ملف المغيّبين بشكل عام سواء في شمال بابل أوصلاح الدين أو ديالى و بشكل خاص بشأن ملفي الرزّازة والصقلاوية في محافظة الأنبار، وطلبنا منهم التواصل مع عوائل المغيبين بشكل مباشر ليروا بأنفسهم حجم المأساة التي تمرّ بها هذه العوائل وينقلوا معاناتها إلى الجهات المؤثّرة في الموضوع

* ماهو برأيكم العدد التقريبي للمفقودين والمختفين والمغيّبين قسراً في كل من الأنبار و صلاح الدين و الموصل و ديالى بعد عام 2014 واجتياح ما يسمى بتنظيم داعش لها بحسب الارقام والمعطيات المتوفرة لديكم ؟
– حسب الأرقام المتوفرة عندي العدد يتجاوز العشرة آلاف.

* ماهي أبرز المناطق التي عانت من ويلات الاختطاف والتغييب والاختفاء القسري وماهي الإجراءات المتّخذة للكشف عن مصير الضحايا ومعظمهم قد مضى على اختفائه أكثر من أربع سنين وبعضهم مختفٍ منذ ستّ سنين أو أكثر؟


– أبرز منطقة عانت من جرّاء ذلك منطقة الصقلاوية بسبب اختطاف الرجال في بعض العوائل حتّى أنّه لم يبقَ إلّا النساء ، وعدد من تمّ اختطافهم في الصقلاوية تجاوز ٧٠٠ شخص فيما الإجراءات المتخذة بهذا الشان لم تتعدّتشكيل اللجان الّتي ولد أكثرها ميتاً و الباقية لم تحرك ساكناً في الموضوع.

* طالب ناشطون مؤخراً في حملة (# وينهم ) التي تصدّرت ( ترند العراق)على تويتر لأيام عدة بتفعيل قانون العفو العام على أن لا يكون طائفيّاً ولا مكوّناتيّاً ولا مزاجيّاً ولاشكليّاً من جهة والكشف عن مصير المفقودين والمختطفين والمختفين والمغيبين قسراً من جهة أخرى ليكون ذووهم على بيّنة من أمرهم. بصفتك نائباً سابقاً في البرلمان حدّثنا عن الملفّين الشائكَين “قانون العفو العام وملفّ المفقودين” وعن رؤيتكم في ذلك.


– للأسف قانون العفو العام الذي تم التصويت عليه عام ٢٠١٦ أفرغ من محتواه تماماً ولم يستفد منه إلّا عدد قليل جداً من المعتقلين، وبناءً على ذلك فإنّ أيّ قانون يشرّع ولا ينصّ على إعادة التحقيق مع المتّهمين من قبل محقّقين جدد يتمتعون بالمهنية سيكون للاستهلاك الإعلامي فقط. أمّا ملف المفقودين فهو يحتاج إلى هيئة مشابهة لمؤسسة الشهداء تقوم بإحصائهم وتعويض عوائلهم.

* في الآونة الاخيرة أطلق ناشطون على مواقع التواصل حملة كبرى حملت وسم (# رجعوهم) لحسم ملف النازحين الشائك والمحزن لاسيّما مع إطلاق تحذيرات دولية من مغبّة انتشار وباء كورونا المستجد ( كوفيد – 19) في عدد من المخيمات التي تعاني من الإهمال وسوء التغذية وغياب الرعاية الصحية ونقص الخدمات وشحّ المياه الصالحة للشرب بشكل شبه تام مع ورود أنباء تفيد عن انتشار كورونا واقعاً في عدد منها. ماهي الخطوات الواجب اتخاذها لحسم ملف النازحين بشكل نهائيّ؟


– إذا ما توفرت الإرادة والجدّية لدى الحكومة فإنّ هذا الملف سيتم حلّه خلال شهر واحد على وفق الخطوات الآتية:
1. عرض أسماء النّازحين من المناطق التي يمنع أهلها من العودة إليها على لجنة محايدة من الأمن الوطني والاستخبارات و الإدارات المحلية ، وأي شخص يكون ملفه نظيفاً تجري إعادته الى ( جرف الصخر، يثرب ،العويسات )، وهؤلاء هم الغالبية العظمى من النازحين.
2. أبناء المناطق الاخرى ممّن لديهم أحد أفراد أسرهم متورّط بالانتماء إلى التنظيمات الإرهابية يؤخذ على عوائلهم تعهّد وتتمّ كفالتهم من أحد الأقارب ليعودوا إلى مناطقهم على أن يكون الجهد الاستخباري حاضراً.

* الإعلام و المنظّمات المعنية بحقوق الانسان و منظّمات المجتمع المدني لها دور مهم في ملفات النازحين والمفقودين والمختطفين، فماهي الرسالة التي تودّون توجيهها إليهم ليضطلعوا بالمهام الملقاة على عاتقهم في هذا الإطار على الوجه الامثل ؟
– هذا الموضوع يحتاج إلى استمرارية المتابعة وديمومة الضغط الإعلامي الموجّه إلى الحكومة والبرلمان مع تسليط الضوء على الجهات الخاطفة.

* على الرّغم من أنّ الدستور العراقي يمنع التعذيب بكل أشكاله -كما جاء في المادة (37/ج) منه التي تنص على أنّه ” تُحرّم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الأنسانية”- و أنّ العراق سبق له عام 2008 أن انضمّإلى الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب فمواقع التواصل ومنظّمات حقوق الانسان و تقارير هيومن رايتس ووتش تتحدث بين الحين واﻵخر عن وجود انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في بعض مراكز الاحتجاز والسجون العراقية. ما تعقيبكم على ذلك؟


– لو أُجريت مسابقة بين البلدان في انتهاك حقوق الإنسان لاحتلّ العراق المرتبة الأولى والسبب يكمن في العقلية الطائفية المسيطرة على هذا الملف .

* ما إن طالب عدد من الناشطين في الساحات والميادين البرلمان العراقيبالإسراع في تشريع قانون مناهضة التعذيب حتى خرج علينا المعنيّون بحقوق الانسان وكشفوا لنا على حين غرّة كوارث ظلت حبيسة الأدراج لسنينطويلة، منها وجود ما يزيد عن 35 ألف معتقل بينهم من قضى تسع سنوات من دون توجيه تهمة إليه أو صدور حكم نهائي بحقه. ما تقولون في ذلك؟
– فضح الانتهاكات من قبل أيّة جهة تقوم به خطوة مشكورة مع أنّ الأصل أن تكون هذه الجهات هي من تتقدّم بالكشف عن الانتهاكات.

* وماذا عن المخبر السري والدعاوى الكيدية التي كانت سبباً مباشراً في اعتقال مئات الابرياء، بعضهم لخلافات شخصية أو مالية أو عائلية لاعلاقة لها بالجوانب الامنية؟


– يجب أن ينصّ قانون العفو العام على هذه الفقرة و على أنّ كل من تمّاعتقاله عن طريق المخبر السري لا يؤخذ بحقّه أي إجراء أمني وأن يُلغى هذا الأمر بشكل كامل.

* هل من كلمة أخيرة تودّون توجيهها إلى من يهمّه الأمر؟


– لابد من احترام الإنسان كونه إنساناً بغضّ النظرعن طائفته وقوميته، والاهتمام بملف حقوق الإنسان وجعله على رأس الأولويّات في العراق.

Leave a Reply