تلطيف العبارات

علي العنزيّ

تلطيف العبارات هو مصطلح شاع استخدامه اليوم مع تطور وسائل الاتصال، فبدل استعمال الشذوذ الجنسي أو الفاحشة أو عمل قوم لوط تستخدم كلمات ألطف مثل المثليّة وبدل الزنا والفجور تستخدم عبارات مثل ممارسة الحب أو الاتّصال الجنسيوبدل السرقة والابتزاز بالقوة المفرطة تستخدم عبارات الضرائب والاستقطاعات وبدل غصب ممتلكات الآخرين بغير وجه حق تستخدم عبارة مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة وبدل الطاغية المستبدّ يستخدم وصف الرئيس أو الملك، فلماذا؟

سأتكلم في اختصاصي وهو علم اللغة. يخزن الدماغ الكلمات بمعانيها بشكل قريب جدا من طريقة وضعنا لمقتنياتنا في الخزانة ولكنّه يخزن مع الكلمات معاني مرتبطة بها، فالشذوذ الجنسي مثلاً يخزنه العقل بمعناه (فعل الفاحشة بين شخصين من الجنس ذاته) ويربط معه كونه مخالفاً للفطرة الإنسانية (الشذوذ) وكونه داعياً للازدراء الاجتماعي لأنه مخالف للعرف وكونه سبباً في غضب الرب لأنه يستحضر في عقولنا صورة سدوم وعمورة اللتين أهلكهما الله بسبب الشذوذ. فحينما نسمع كلمة الشذوذ الجنسي أو عمل قوم لوط فاننا نستحضر كل الصور البشعة السابقة فتأباه أنفسنا وتقشعر منه جلودنا فنتبعها بكلمة (والعياذ بالله). أما اليوم فمع شيوع صور الشذوذ في أغلب الأعمال (الفنية) لا بد من استعمال ألفاظ لطيفة لا تستدعي صوراً ينفر منها الذوق السليم، كلفظ المثلية لترتبط هذه الألفاظ بالصور الجميلة التي تعرضها تلك الأعمال الفنية. وهنا أمر مهم وخطير، سيرى العقل إن ثمة تناقضاً بين لفظتين من حيث الاستخدام ومن حيث ما تستدعيه كل كلمة من معان مرتبطة بها، وستكون الغلبة بالطبع لما تراه العين، أما لماذا؟ فهو أمر تطرقت إليه في منشور قبل سنوات عن مقدار المعلومات التي تدخل عن طريق العين ومقدار ما يتعرض منها للمعالجة، ولعلّي أعيد نشره أو أزيد عليه ما أراه ملائماً.

لقد وعدتكم بنشر بعض الكلمات المتعلقة بمقدار المعلومات التي تدخل أدمغتنا عن طريق العين وهو موضوع متعلق بشكل كبير ببرامج التحكم بالعقول، فكيف تعمل برامج التحكم بالعقول؟

هذا الموضوع واسع ومعقد بعض الشيء وسأحاول الاختصار بقدر الإمكان ومناقشة زاوية محددة فقط ألا وهي الرسائل اللاشعورية.

لقد درست علم اللغة النفسي وعلم اللغة العصبي واطلعت على الكثير من المعلومات القديمة والحديثة. واكثر ما أذهلني ارتباط الحواسّ بالعقل الظاهر والعقل الباطن.

لقد خلق الله لنا الحواس لتكون كأبواب لإدخال المعلومات الموجودة في الخارج. هذه المعلومات تخضع للمعالجة الدماغية والمقارنة بالمعلومات السابقة ليتم خزنها في العقل الواعي ثم تذهب إلى العقل الباطن بعد أن يتم إعطاؤها علامة الصواب أو الخطأ. هذه هي عملية إدخال المعلومات باختصار شديد أرجو أن لا يكون مخلّاً، و هي عملية تتم والعقل في حالة (بيتا) الّتي تمثّل مرحلة التيقظ والنشاط والتقاط المعلومات ومعالجتها و هي الحالة الوحيدة للعقل الواعي. هناك ثلاث مراحل اخرى للعقل وهي مرحلة الفا ودلتا وثيتا. هذه المراحل خاصة بالعقل اللاواعي أو العقل الباطن.

إن مهمة برامج التحكم بالعقول سواء كانت عن طريق الدعايات أو الأفلام أو الأغاني هي ايصال المعلومة الى العقل الباطن من دون معالجة، و أسهل طريقة لفعل ذلك هي الافلات من عملية المعالجة الدماغية. هناك عدة طرق لفعل ذلك وسأبيّن هنا طريقة واحدة فقط تتّبعها الإعلانات المرئية تتلخص في وضع صور داخل المادة المرئية تمر بسرعة فائقة أو توضع في زاوية غير مهمة من الاطار لا ننتبه اليها لأنّ عقلنا الظاهر لم يعالجها ولكنّ أعيننا تنقلها بالتأكيد.

ولكن كيف تنقل أعيننا أشياء لا ننتبه إليها؟

يقول الدكتور (جوزيف ديسبينزا) أن العين البشرية تمرر معلومات بمقدار 10 ميكا بايت في الثانية الواحدة ولكنّ عقلنا ليس بمقدوره أن يعالج اكثر من 1.25 ميكا بايت من هذه المعلومات في الثانية الواحدة!! أي أنّ أعيننا ببساطة تنقل عشرة ملايين معلومة في الثانية (اذا قرّبنا البايت الى كونه معلومة واحدة) ولكننا لا ننتبه الّا الى مليون وربع المليون معلومة في الثانية.

ولكن ماذا عن الثمانية ملايين وسبعمائة وخمسين ألف معلومة الباقية؟ أين تذهب؟

انّها تذهب مباشرة ومن دون معالجة إلى العقل الباطن وتخزن من دون إعطاء علامة صائب أو خاطيء. وبتراكم المعلومات المماثلة في العقل الباطن تتحول هذه المعلومة إلى قناعة أو معتقد يتصرّف المرء على أساسه مع العلم أنّه لم يكن له يد في تحديد ثوابت هذا المعتقد أو متغيراته ، فقد غرزت هذه الأفكار في عقله الباطن غرزاً.

وحين تقارن عقولنا المعلومات التي تلقيناها من مجتمعنا أو آبائنا وأمهاتنا ونشأنا عليها بالمعلومات التي نتلقّاها من وسائل الإعلام فستكون الغلبة بالتأكيد للأخيرة نظراً لمقدار الضخ الهائل للمعلومات المرئية والمسموعة المصحوبة بالحداثة والتطور ولن يكون بوسع العقل سوى إلقاء المعلومات القديمة أو ربطها بمعان مبتذلة كالتخلف أو الرجعية …الخ، ولكم أن تتصوروا مصير من يرددها أو يدافع عنها أو يتبنّاها.

Leave a Reply