حين لا تمدّ يدك لخصلة المرأة الصّلعاء

استبرق أحمد

(الموالاة والخضوع للسلطات)

اللوحة للفنانة عفيفة لعيبي بعنوان “الأسر” من معرض بوشهري، الكويت ٢٠١٧

ما معنى أن تكون كاتباً حرّاً؟ أن يهتمّ بكتابك قارئ فضولي وذكي أو قارئ ينبش فيك وفي نصّك مثل فأر شره؟ سأعرّج على هاتين النّقطتين ناثرة الأسئلة وتاركة الإجابة لكم.

اقتراب من الحرية:

إحدى أهم الأفكار تأثيراً في الكاتب وتعاطيه مع فنّ الكتابة فكرة الحرية التي يشير تعريفها اللغوي إلى أنّها حالة شخص لا يكون تابعاً لأحد أو خلوص من العبوديّة.

وعند الدّنوّ منها أكثر كمصطلح عامّ، فإنّها:

“إمكانية الفرد دون أيّ جبر أو شرط أو ضغط خارجيّ اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة. مفهوم الحرية يعيّن بشكل عام شرط الحكم الذاتي في معالجة موضوع ما”. *

الحديث عن الحرية شائك، متشعّب، وله سياقاته واجتهاداته وفلسفاته. يكفي أنّنا حين ننظر لموضوعاتها بين الفلاسفة المسلمين والغربيين نجد هوّة واضحة بين التصاق فكرة الحرية في التخلص من عبودية الأهواء وماهية فكرة الجبر والاختيار -مواضيع مرجعيتها لها اتصال قويّ بالدين- وبين فكر الآخر الّذي ينطلق ويشكّك ويلغي ويناقش ويتمحور حول سلطة العقل والتمرّد والفردانية وغيرها، مبتعداً سنوات ضوئية عن القيد الديني أو مقترباً منه. فماذا عن حرية الكاتب في التعاطي مع العالم واختيار المواضيع التي تطارده، راسماً الشخصيات أو مستحوذاً على لغة تناسبه تستطيع أن تشيّد المكان وتشذّب الزمان، تلمحه أو لا تراه مطلقاً لكنك تسمع صوته هامساً في أذنك ينساب بين السطور، يمرّره على القارئ باحترافية نصّه؟ لن أتحدث هنا عن الحرية والدين، لكن سأتحدث عن حرية الكاتب في نصّه ونتيجة ذلك. هل يتسنّى له ارتكاب الألاعيب دون أن تظلّله شجرة الطمأنينة وهو يخلي سبيل أفكاره؟ وماذا عن انعكاسات ذلك على فكرة الموالاة والخضوع للسلطات؟

انصراف إلى المواجهات:

الكاتب ليس أنموذجاً واحداً. كذلك الأمر مع القارئ، ولكلّ منهما مواجهاته مع ذاته ومكوّنات هويّته. وكما أنّ الكاتب له قياماته وزعزعته لثوابت القارئ فإنّ القارئ له سلطته السابقة واللاحقة على النصّ وارتحالاته. أمّا الهوية فهي غائرة في النص بالنسبة للكاتب متوجّهة للآخرين بينما تظهر إثر إطّلاع القارئ على النص وتخصّه وحده. وللتدليل على أهمية الهوية للكاتب نرى أنّ بين تعبير ” كاتب خليجي” و”كاتبة خليجية” بوناً كبيراً، لوجود تمييز جائر في التعاطي معها ومع الكتابة. فالكاتبة تعاني أضعاف ما يقاسيه زميلها، لذا فسقف الحرية تجاهها يصبح أكثر انخفاضاً بممارسات السلطات المجتمعية والسياسية وسلطة القارئ في قدرتهم الرهيبة على “الاجتزاء” و”الملاحقة” للهوية والنص، فتتعامل الكاتبة بحذر أكبر مع فن التدوين الذي يشير لصانعه، متحايلة لكسر التوقعات التي تصم كتاباتها بأنها دائما جوّانية وملتفّة على الذات. الكاتبة إن اختارت اسماً مستعاراً فإنّه يعني التخفي التام وغياب صورتها الشخصية، وهو ما لايحدث للكاتب عند اختياره اسماً مستعاراً. الكاتبة تأتي أصفادها من الدوائر اللصيقة، تخشى عند جرأتها أن تتهم كتابتها بأنها سيرتها الذاتية. هكذا نرى نماذج لخوف الكاتبة أكثر، تصبح محايدة لا تدافع عن أيّة قضية نسوية، أو متخاذلة تتبنى رأي السلطة وتروّج له، أو دمية يعبّر نصّها عن غيبوبة الواقع والترف تقدّمه بحكايات مكررة، على خلاف من تغامر وتواجه فتدفع الثمن. فالخليج الذي قيل فيه “الملح فيك ألذ ّمن عنب الدوالي في المدينة”** يحمل -كأي مكان- حكاياته المرّة وهمومه أيضاً، لذا فالسلطة السياسية منساقة ومتعاونة كثيراً مع السلطة المجتمعية ولها قدرة فائقة على تكميم فم الحكاية بإصدار القوانين المناوئة مثلاً، ولا أدلّ على ذلك من “قانون المطبوعات السابق رقم 3 لسنة 2006 في الكويت” وملاحقاته للكُتّاب والذي تم تعديله في أغسطس عام 2020 وننتظر صدور لائحته التنفيذية. فكلا السلطتين تتعاونان بشراسة على الإمساك بالكتابة، وكم من صحف رفضت مقالات أو ألغت عبارات خوفاً من القانون. هكذا تراجعت السلطة الرابعة وجعلتها السلطات في أحداث عديدة صورة للخضوع مشجّعة الكتابة الضعيفة والمتعثّرة الأثر.

القارئ العاديّ والقارئ المحترف:

كما أشرنا سابقاً إلى أنّ الكتّاب ليسوا على شاكلة واحدة، فإن القاريء هو الآخر متفاوت ومتباين في ثقافته ووعيه وانفتاحه، وإن كانت له دائماً سلطة على عملية الكتابة. لكن شتّان مابين القارئ العادي الذي هو عضو في السلطة المجتمعية، متجاوب مع الاعتيادية، رافض الجديد، مطالب بالتكرار، راغب بنصوص غير مزعجة، وراضٍ بإحلال فكر السلطة في توصيفاتها للكتابة مكان فكره- وبين القارئ المحترف الذي يتجنب الأحكام المسبقة، مقدّراً التجريب والتجديد والتّماسّ مع تراكيب اللغة وجمالياتها، مدركاً طبقات النص، سابحاً في أعماق التأويلات، منادياً بالآراء المغايرة لتكون رحلة النص مغامرته هو أيضاً في القراءة، موافقا ًعلى رهانات كُتّاب مثل ميغل دي سيرفانتس العظيم حين كتب “دون كيخوته (أو دون كيشوت) دِ لامانشا” فخلق -بمعارضته موضة السائد من قصص الفروسية- رواية نابضة متعددة المعاني والدهاليز. إنّه كاتب حرّ لم يعوّل على “خصلة المرأة الصلعاء” -كما في المثل الإسباني الذي يمثّل الفرصة (الحظّ) على أنها امرأة صلعاء في مقدّمة رأسها خصلة شعر، فإذا جاءت نحوك وأمسكتَ بالخصلة تحققت فرصتك*** — أيّ الحظّ حين تشدّه إليك أملا بنصّ مختلف. لقد تغلّب بسخريّته على الكثير من السلطات، على الرّغم من قيودها، ومنها عرض أن تكون أيّة نسخة يرغب بطباعتها مجدّداً طوال عشر سنوات موقّعة كلّ صفحاتها من المدقّق المعيّن من قبل الملك. مضى في مشروعه مثابراً صانعا ًحظّه، لا يفكّر بقارئ خامل بل بقارئ يقظ، جاعلا ًالنّصّ محظوظاً حين أمسك بيد الحرية بقوة في وقت كان لسلطة الدين والملك مقاصل وافرة، وأفلتَ بألاعيبه الذكية، وهو ما لا يتسنّى لكثير من الكتّاب.

المراجع:

* الوكيبيديا:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9

** محمّد الفايز. ديوان “مذكّرات بحّار” . دار تكوين. الطبعة الثانية. 2017

*** من كتاب دون كيخوته د لا مانتشا” ، ميغل د ربانتس . ترجمة رفعت عطفة. دار ورد للطباعة والنشر الطبعة الأولى.٢٠٠٤. تمت الطباعة بالتعاون مع المديرية العامة للكتاب والأرشيف والمكتبات، وزارة التربية والثقافة في إسبانيا.

2 Comments

  1. في ظل الفضاء المفتوح والشبكات المتعددة تبقى سلطة الكاتب على نفسه اقوى من اي سلطة اخرى، جميل ماافضلت به استبرق💗🙏🏽واتفق معاك

  2. سعيدة تماما لإهتمامك بالمقال و لكونه حرضك على التماس معه و التعليق
    شكرا جدا منال❤️❤️❤️

Leave a Reply