سحر الحكاية وبلاغة الخطاب

لمجد بن رمضان

في روايةناقة صالحةلـسعود السنعوسي

سعود السنعوسي” مبدع غنيّ عن التعريف اكتملت ملامح تجربته الفنيّة الفريدة منذ سنوات، وتوّجت موهبته بحصوله على جائزة البوكر سنة 2013 عن رواية “ساق البامبو“، وتوسّعت بالتالي دائرة القرّاء الذين ينتظرون أعماله الروائيّة. ومازال “السنعوسي بدوره يبهر جمهور الأدب كلّما ظهر عليهم بعمل جديد، يؤكّد من خلاله أنّ قريحته تجود دائماً بروائع النصوص. وقد أصدر في سنة 2019 رواية تحت عنوان  ناقة صالحة1سعود السنعوسي، “ناقة صالحة”، منشورات ضفاف، الرياض، ط-1، 2019
1
صنّفت على أنها رواية قصيرة لكنّها لا تختلف من حيث الجودة عن الروائع السابقة التي جاد بها علينا. وهي عمل طريف جمع في طيّاته بين جمالية الحكاية المروية وبلاغة الخطاب الناقل لها. إذ لم يكتف السنعوسي بالبحث عن قصّة طريفة يرويها، وإنما عمل على انتقاء أفضل الوسائل الفنية التي تضمن له حسن التبليغ. 

 ناقة صالحة تروي حكاية تتموضع زمنياً في بداية القرن العشرين وفي الفضاء الجغرافي الذي يعرف اليوم بدولة الكويت. وهي قصّة حبّ مأساويّة جمعت بين فتاة تدعى “صالحة وابن خالها دخيل“. وهي تجسّد على نحوٍ ما قصص العشق المعروفة في التراث العربي عن الشعراء القدامى، وما يصحبها من مشاكل بين قبيلتي العاشق والمعشوقة، والتّي ينتهي عادة بتزويج المعشوقة من ابن عمّها صوناً للعرض وحفاظا على التقاليد والأعراف الجارية في المجتمع العربي. غير أنّ السياق الذي دارت فيه قصّة صالحة ودخيل كان أكثر حدّة. حيث تداخل الصراع بين دخيل وابن عمّ صالحة على المعشوقة مع الصراع القبلي الواسع النطاق إبّان تأسيس دُول الخليج العربي الحديثة، ممّا أعطى لقصّة العشق شكلاً ملحميّاً وبعداً رمزيّاً، فقد امتزجت الحكاية مع التاريخ السياسي لتلك المنطقة. فنقرأ في الرواية التغيّرات السياسيّة الجوهريّة وتأثيرها في حياة الفرد والمجتمع. كما أنّها حكاية ترسم صورة عن الفضاء الجغرافي قبل أن يتغيّر مع نشوء الدولة الحديثة، ففيها وصف دقيق لتوزيع السكان ومناطق نفوذ القبائل والعادات واللهجات وطرق التداوي من الأوبئة والأمراض التي تصيب الإنسان أو الحيوان. وذُكر فيها أنواع الدوابّ وأنسابها والحيوانات الصغيرة والحشرات وأسماء النباتات ومساقط الغيث والمراعي…إلخ. وليس ذلك فقط، بل هنالك وصف لطبيعة الاقتصاد القائم آنذاك والبضائع والمعاملات التجاريّة. 

إنّ الرواية إذن أشبه بالوثيقة التاريخيّة التي تعيد إلى الذاكرة ما كان عليه المجتمع منذ قرن تقريباً. والسؤال المطروح في هذا السياق: كيف أمكن للمؤلّف بلوغ كلّ تلك التفاصيل الدقيقة؟ ، ولعلّ الإجابة تأتي من النصّ ذاته، ففيه إشارات عدّة إلى أنّ السنعوسي بذل جهداً كبيراً في التنقيب عن كلّ تلك المسائل وقرأ كتب التاريخ ونقّب عن كلّ جزئيّة تهمّ تلك المرحلة.  فلا يمكن للخيال وحده أن يبلغ هذه الدرجة العالية من المعرفة. 

إنّ رواية “ناقة صالحة” لا تستمدّ طرافتها فقط من روعة الحكاية وإنّما تستمد ذلك و بدرجة متساوية من بلاغة الخطاب الذي قدّمت فيه إلى القارئ فقد انتهج السنعوسي مسلكاً مخصوصاً في تدوينها. يتجلّى ذلك في أقسام الخطاب الروائي: العنوان، اختيار السارد، تركيب الأحداث واللغة…إلخ.  فقد جاء العنوان ملغّزاً محمّلاً بدلالات عدّة، فصيغته التي تحاكي قصّة “ناقة صالح” الواردة في القرآن الكريم تفتح الباب لتأويلات كثيرة وتثير توقّعات معينة في ذهن القارئ تنمّي الرغبة لديه في اكتشاف النصّ، وهو اختيار ذكي في نظرنا لأنّ العنوان يحيلنا إلى مجال تصوّري عالق بذهن القارئ العربي. فالناقة هي من الدوابّ التي رافقت الإنسان العربي على مدى تاريخه الطويل ومجرّد ذكرها في عنوان نصّ روائي يعيد إلى الذاكرة “أيّام العرب” حين كانت الحروب تقام من أجل ناقة، كحرب البسوس أو حدث بناء المسجد النبوي الشريف في الموضع الذي اختارته ناقة الرسول محمّد وكذلك حكايات العشق والأشعار التي تغنت بالنوق واحتفت بها. كقول الشاعر “المنخّل اليشكري“: 

وأحبّها وتحبّني    ويحبّ ناقتها بعيري

   إجمالاً ينتمي العنوان إلى مجالات ثلاثة في الأقلّ: التاريخ والدين والأدب. وكلّ هذا كفيل بأن يلفت في مرحلة أولى انتباه القارىء إلى الرواية ويقنعه بضرورة الاطلاع عليها في مرحلة ثانية. 

يقوم السرد في رواية “ناقة صالحة” على تعدّد الرواة، وهو إجراء يكاد يصبح تقليديّاً، فقد دأب عليه عدد من المبدعين العرب منذ زمن ضمن ما يعرف بتيار الرواية الجديدة. ولكنّ الإضافة النوعية التي وردت في نصّ السنعوسي تتمثّل في ابتداع صيغة جديدة لتوزيع الحكاية على أكثر من راو دون أن يشعر القارىء بتغيرات جوهرية في مسار الأحداث،  إذ يفتتح الكلام راو من خارج الحكاية يؤطّر الخطاب ككلّ ويبدأ بسرد الأحداث في زمن الحاضر متحدّثاّ عن شخصيّة تسمّى “الشيخ محمّد” وهو تاجر أتى إلى مدينة الكويت مع صبيّ أجير لبيع بعض السلع وشراء أخرى. للوهلة الأولى يعتقد القارئ أنّ هذا الشّيخ هو محور الحكاية المرويّة حيث تعمّد الراوي إثارة ذكرياته ونفذ إلى مخيّلته وبدأ ينسج خطوط حكاية انطلاقاً من تصرّفاته. لكن بعد ذلك تتوقّف حكاية الشّيخ ويختفي صوت الراوي ويظهر راو آخر بضمير المتكلّم اسمه “دخيل“. وقد سبق أن ذكر هذا الاسم على لسان “الشيخ محمّد” باعتباره شاعراً هاجر إلى مدينة الكويت قبل أربعين عاماً وعاش فيها تحت اسم مستعار. وحين تسلّم دخيل رواية الأحداث كان كراوٍ لسيرته الذاتية ينقل بنفسه تلك الحكاية التي رفض الشيخ الإفصاح عنها وادّعى عدم معرفته بتفاصيلها. يسرد ما حدث بينه وبين “صالحة” وكيف هاجر إلى الكويت وعاش فيها إلى أن وصل لحظة سمع فيها صوت ناقة خلوج2“الناقة الخلوج” هي الناقة التي مات صغيرها بعد مدّة قصيرة من ولادته. 2  أثارت في ذهنه توقّعات فهرول يبحث عنها، ثمّ ينقطع عن الكلام. وهنا تبرز “صالحة” وتتسلم الرواية في قسم كبير من النصّ فتقدّم وجهة نظر أخرى للأحداث وتروي تفاصيل لم يأتِ عليها دخيل فتراوح بين الحاضر والماضي البعيد وتستبق أحيانا وتؤجّل أحياناً وتقصّ علينا ما جرى معها قبل الزواج وبعده وقرارها المضي للبحث عن دخيل بعد موت زوجها في الحرب. وحين تصل إلى مشارف الكويت تتوقف عن الكلام في اللحظة التي تسمع فيها صوت عزف يأتي من ربابة تذكّرها بعزف دخيل، وهي اللحظة ذاتها التي توقف فيها هذا الأخير عن الكلام حين سمع صوت الناقة الخلوج. يعود بعد ذلك دخيل إلى رواية الأحداث في اللحظة التي توقّف فيها سابقاً، فيروي أنه وصل إلى مكان الناقة فوجد أمام خيمة متهاوية ذراع حبيبته صالحة التي قتلتها الناقة. فيمضي مسرعاً إلى الكويت ليحفر لها قبراً فيُلقى القبض عليه ويسجن. بعد ذلك نتفاجأ بعودة الراوي الأوّل الذي افتتح النصّ وتعود معه حكاية الشيخ محمّد والصبيّ المرافق له الذي لا يكفّ عن سؤاله عن حكاية دخيل وصالحة والناقة الخلوج. وينغلق السرد دون أن يقدّم إجابة عن أسئلة الصّبي حول العلاقة بين الشّيخ محمّد ودخيل التي هي في نفسه حتّى الآن. 

إنّ المسلك الذي اتّبعه المؤلّف في التأليف بين الرواة قام على اعتماد تقنية التضمين وتقنية التجاور. حيث نجد قصّة كبرى أو ما يسمى في السرديات الحديثة بالقصّة الإطار3 انظر جيرار جينيت، “خطاب الحكاية بحث في المنهج”، ترجمة محمد معتصم عبد الجليل الأزدي عمر حلمي، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، المغرب، ط-1، 1996. 3 أي تلك التي يرويها السارد من الدرجة الأولى دون أن يشارك في أحداثها، ونجد بداخلها قصّتين من الدرجة الثانية اعتمد في إدراجهما جنباً إلى جنب على تقنية التجاور4لمزيد التوسّع في تقنية التجاور وباقي التقنيات الأخرى للسرد انظر: سعيد يقطين، “القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب”، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط-1، 1985. 4. حيث يروي كلّ واحد جزءاً من الحكاية إلى أن تتقاطع الروايتان في الزمان والمكان وتتّحدا لتصبحا حكاية واحدة. هذا الإجراء يجعل القارئ عنصراً أساسيّاً في بناء الرواية، فهو يدفعه إلى التأمل في كلام كلّ راوٍ قصد البحث عن وجوه الاختلاف ونقاط التقاطع بينهم وربما تنتهي قراءته للحكاية بإعادة ترتيبها على نحو آخر، وهو ما يسمّى في نظرية التلقّي “بمتصوّر الفراغ5 الفراغ أو البياض هو مصطلح اقترحه الألماني فولفغانغ آيزر ويقصد به كلّ ما هو مسكوت عنه في النصّ أو الأشياء التي ترد على سبيل التلميح أو كلّ ما هو مضمر غير ظاهر بصيرح العبارة. ويعتبر هذا الأخير أنّ الفراغات هي التي تمكّن القارء من المشاركة في بناء النصّ وتأويله، وتمنح النصّ درجة عالة من المقروئية، انظر:
Wolfgang Iser, « L’acte de lecture : théorie de l’effet esthétique », traduit de l’allemande par Evelyne Sznycer, Paris, Mardaga, 1995.
5
  فالنّصّ لا يقدّم لقارئه حكاية كلاسيكيّة مكتملة البناء، بل احتمالات متعدّدة، وعليه في هذه الحالة أن يستنتج القصّة الصحيحة انطلاقاً من هذه الاحتمالات ثمّ يستخلص المعنى العامّ.     

ما يلفت الانتباه أيضاً في الخطاب الروائي الاستعمال المخصوص للّغة فيه، سواء تعلّق الأمر بالوصف أو الحوار بين الشخصيات. إذ نجد توظيفاً كبيراً للأساليب البلاغية كالتشبيه والاستعارة والمجاز. وليس ذلك لتزيين الكلام وإعطائه طابعاً شعريّاً وإنّما في الأغلب كان القصد منه تقريب الصورة إلى المتلقّي وإفهامه المقصد بطرق غير مباشرة، إذ يتلقّى القارئ الشيء الموصوف على هيئة شيء آخر أقرب إلى عالمه وأكثر احتمالاً لأن تعلق بذهنه. وقد تمّ اختيارها وصياغتها على نحو يدلّ على معرفة المتكلّم معرفة جيّدة بمقام التلقّي. أمّا في الحوار، فقد تمّ خرق سنن التواصل اليومي عبر اللغة مما يعطي للنّص طابعه الأدبي الذي يتميّز عن الكلام العادي ويبقيه ضمن السلسلة الفنيّة رغم إيهامه الكبير بالواقعية وبنائه المستمدّ من التاريخ المرجعي. 

حاولنا في هذا المقال الوجيز تقديم قراءة استكشافية لرواية “ناقة صالحة” وغايتنا من ذلك الإشارة إلى طرافة هذا النصّ في مستوى الحكاية ومستوى الخطاب. وقد بيّنا أنّ النصّ يحتوي ميزات فريدة ويعدّ إضافة نوعيّة إلى مجمل أعمال “سعود السنعوسي” وإلى الرواية العربيّة المعاصرة ككلّ. هذه الرواية تستحقّ في نظرنا أن تدرس دراسة معمّقة على ضوء النظريات الحديثة لتحليل الخطاب، فهي تستجيب على نحو كبير إلى مقاربات عديدة كالبنيويّة والتأويلية وما تولّد عنها أي نظرية القراءة والتلقّي وكذلك المنهج التداولي والبلاغة الجديدة، وهو مشروع سنعمل لاحقاً على إنجازه حتى نفيَ تجربة “السنعوسي” الأدبيّة حقّها ونضيء للقارئ أشياء أخرى لم نأتِ عليها في هذا المقام.  

 

الهوامش:

1 – سعود السنعوسي، “ناقة صالحة”، منشورات ضفاف، الرياض، ط-1، 2019. 

2- “الناقة الخلوج” هي الناقة التي مات صغيرها بعد مدّة قصيرة من ولادته.

3- انظر جيرار جينيت، “خطاب الحكاية بحث في المنهج”، ترجمة محمد معتصم, عبد الجليل الأزدي,

عمر حلمي مطبعة النجاح، الدار البيضاء، المغرب، ط-1، 1996.  

4- لمزيد التوسّع في تقنية التجاور وباقي التقنيات الأخرى للسرد انظر: سعيد يقطين، “القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب”، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط-1، 1985 

5- الفراغ أو البياض هو مصطلح اقترحه الألماني فولفغانغ آيزر ويقصد به كلّ ما هو مسكوت عنه في النصّ أو الأشياء التي ترد على سبيل التلميح أو كلّ ما هو مضمر غير ظاهر بصريح العبارة. ويعتبر هذا الأخير أنّ الفراغات هي التي تمكّن القارئ من المشاركة في بناء النصّ وتأويله، وتمنح النصّ درجة عالة من المقروئية، انظر:  

Wolfgang Iser, « L’acte de lecture : théorie de l’effet esthétique », traduit de l’allemande par Evelyne Sznycer, Paris, Mardaga, 1995.  

  • المصدر: 

سعود السنعوسي، “ناقة صالحة”، منشورات ضفاف، الرياض، ط-1، 2019.

  • المراجع:  

– جينيت (جيرار) ، “خطاب الحكاية بحث في المنهج”، ترجمة محمد معتصم عبد الجليل الأزدي عمر حلمي، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، المغرب، ط-1، 1996.  

  يقطين (سعيد)، “القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب”، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط-1، 1985.

– Iser (Wolfgang), « L’acte de lecture : théorie de l’effet esthétique », traduit de l’allemande par Evelyne Sznycer, Paris, Mardaga, 1995.  

Leave a Reply