صراع الولاء والخضوع .. المجتمع والسياسة أنموذجاً

عادل محمد العليّان

 

تتميّز الطبيعة الإنسانية بعدة اتجاهات وتباينات تصل إلى حد التناقض في أحيان كثيرة، وبسبب تلك الطبيعة التي تتأثر حتماً بما حولها تبرز لنا حالة من الصراعات ما بين الولاء تارة وما يحمله من مفاهيم والخضوع تارة أخرى.

ولمفهوم الولاء معانٍ كثيرة، منها ما يتعلق بالولاء للوطن، للأرض، للقبيلة، للذات، للحاكم، فضلاً عن ولاء المبادئ . ولعل مفهوم الولاء للوطن يعد أسمى تلك المفاهيم وأرقاها باعتبار الانتماء المبدئي والروحي للأرض التي نشأ عليها الفرد وتشرّب من مبادئها وأصولها الحية والنقية.

أمّا مفهوم الخضوع فيتجسد في عملية الانحناء حتى يصل إلى درجة الإذلال في أحيان كثيرة، الأمر الذي يؤدّي إلى التخلّي عن كلّ شيء: المبادئ والأخلاق والعزّة والشرف، بل التخلّي عن السيادة والاستقلال من قبل الحاكم لبلده في أحيان كثيرة، والأمثلة التي نشهدها في عالم اليوم متعددة ضمن هذا السياق.

ولو تطرّقنا ضمن هذا المحور إلى الناحية الاجتماعية لوجدنا ثمّة إشارات واضحة في هذا الموضوع، فولاء الرجل أو المرأة والابن أو البنت لأهلهم وذويهم، فضلاً عن ولائهم للذات وولائهم لبلدهم والعمل على خدمته وصيانة استقلاله -مدنيّين كانوا أم عسكريّين- وتمسّكهم بمبادئهم السامية في سبيل المضي قُدُماً لأجل تحقيق كل تلك الأماني- يعدّ بحد ذاته تجسيداً حيّاً لمفهوم الولاء ومبادئه العليا. أمّا الخضوع ومدى انعكاساته على النواحي الاجتماعية فيتجسّد في الإشارات السلبية الصّادرة عن كل شخص يهيمن عليه هذا المفهوم: الانكسار والهزيمة والاستسلام في سبيل تحقيق غاية دنيئة أو الحصول على مكاسب آنية زائلة لا محالة. وكل تلك التوجّهات يكون ثمنها باهضاً متعلقاً بالتنازل عن الكرامة والمبدأ في أحيان كثيرة.

وتأسيساً على ذلك تتباين عدة اتجاهات ما بين الولاء والخضوع، تؤشّر لنا مواطن القوة والارتكاز ومواطن الوهن والضعف. وما بين هذا وذاك يتبين لنا مدى أهمية استدراك العقل والتوجه نحو ما هو صائب دائماً وهو ما يؤدي إلى طريق النجاح والاحتفاظ بقوة المبادئ ونبذ كل ما من شأنه أن يؤدي بالذات الإنسانية إلى الهلاك والرذيلة والبؤس بسبب حالة الانحناء والخنوع التي استمر عليها المرء ظنّاً منه أنها ستكون طوق نجاته واستمراره في هذه الحياة ، وبالتالي يكون إيمانه بحالة الخضوع مؤشّراً لانهياره الإنساني والأخلاقي والقِيَمي، وهو الطريق الذي لا عودة منه ولا رجاء فيه.

ولو أخذنا أبعاد هذا الموضوع من الجانب السياسي لوجدنا أمثلة صارخة تتجسّد بوضوح في مفهومي الولاء والخضوع، فعلى مستوى الدول -صغيرة كانت أم عظمى- نجد المفهومين بوضوح. هناك من يحافظ على استقلال بلاده -حاكماً كان أم مجتمعاً مدنياً- من خلال الإيمان بالمبادئ الراسخة ومحبة الوطن وتقديم عظيم الولاء للأرض والشعب والإخلاص في العمل بشتى صنوفه لأجل ديمومة التقدم والازدهار وما ينتج عنه من متغيرات كثيرة وكثيرة جداً، وعدم المساومة على حساب الوطن والمواطن أيّاً كانت الذرائع والأسباب.أما في الجهة المعاكسة فنجد أن ثمّة كيانات أو مجتمعات معيّنة تنتهج طريق الخضوع والإذلال مبدأً لترسيخ نفوذها وبقائها في السلطة سياسية كانت أم اقتصادية أو حتى على مستوى قيادة المجتمع والتأثير فيه بأساليب ملتوية. وخضوع تلك الكيانات مرتبط بخنوعها لتوجّهات إقليمية أو دولية تسعى لفرض هيمنتها على مجريات الأحداث في هذا البلد أو ذاك ممن يسير في فلك هذه الخاصية البائسة، بل إنّ هناك مجاميع كبيرة من السياسيين -على سبيل المثال لا الحصر- يسيرون في هذا الاتجاه للحصول على مكاسب آنية هنا وهناك على حساب كرامتهم وكرامة شعوبهم واستقلال أرضهم ووحدتها

وبناءً على ذلك نستطيع القول أنّ طريق الولاء والإيمان به هو طريق الخلاص والنجاة والكرامة واستقلال الأوطان والمجتمعات في شتى المجالات، وبخلافه تماماً يكون منهج الخضوع الذي لن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى الهاوية والهلاك وفقدان الكرامة، وبالتالي لن يحظى أصحاب هذا المنهج إلا بالذكر السيء في صفحات التاريخ التي تشير إلى الأبيض والأسود بكلّ حيادية وموضوعية.

Leave a Reply