فقراء على ساحل الأطلسيّ .. سيراليون

ليث مشتاق

‏لن تخطئ عيناك عند أفق الأطلسيّ- سواء في موريتانيا أو سيراليون أو غيرها من دول شاطئ غرب أفريقيا- تلك السفن الضخمة المريبة التي تتربّص في المياه كقطّاع الطّرق وهي تحصد آلاف الأطنان من الأسماك بعد برمها (عقوداً) مع ‏السلطات المحلية، بينما يعاني المواطن المحلّيّ الأمرّين وهو يخرج كلّ يوم علّه يعود بقوت يسدّ جوع أسرته. وقد راعني منظر تزاحم الناس كالجراد على السنبلة ما إن يقف قارب صيد محلّيّ محمّلٍ بأسماك أكبرها بحجم كفّ اليد ليبيعها كوسيط في سوق السمك المسمّى مجازيّ

انعدام الحيلة قد يبدأ بالمراكب ولاينتهي بعدم وجود مخازن، ومايتمّ اصطياده يجب أن يباع فوراً، لكنّ شُحَّ السمك بسبب الوحوش العائمة في الأفق  كان التحدي الأكبر. بالرّغم من ذلك يتفنّن كهل “فري تاون” بالتصبّر كما يتفنّن بحياكة شبكته محاولاً تضييق فتحاتها مخافة تَفلُّت الحظّ منها.

 ما وراء الكاميرا

جزيرة بونس Bunce island  سيراليون: تاريخٌ مُظلم 

‏على بُعد 30 ميل شمال شرق مصبّ نهر فري تاون وعلى مقربة من مصبّ نهر روكيل تقع جزيرة بونس. في يوم من ربيع 2013 توجّهنا في قاربٍ متواضع وبرفقة مؤرّخٍ محلّيّ وعازف موسيقى تقليدية إلى تلك الجزيرة التي يكتنف ذاكرتها الكثير من الحزن والألم، حيث ارتبط اسم الجزيرة بتجارة الرقيق منذ تشييد قلعتها عام 1650م على يد شركة تجارة رقيقٍ بريطانية، فكانت تحبس فيها المزارعين والرُعاة المُختطفين من القرى المحاذية لسواحل  غينيا وسيراليون ثم تشحنهم كبضاعة ليباعوا في أمريكا وتحديداً في ولايتي ساوث كارولاينا ‏وجورجيا

تعاقبت الحوادث على تلك الجزيرة. تبدّلت ملكيّتها بين الشركات التجارية الإمبريالية، غزاها القراصنة، هاجمها الفرنسيون وتضرّرت قلعتها نتيجة الصراعات، ثمّ أعيد إصلاحها. لكنّ الثابت فيها دوماّ على مدى ثلاثة قرون رسوخها كجزيرة في اليَمِّ، وسجونها ‏التي تشبه الجحور تحت الأرض والتي عجزتُ عن دخولها بسبب العفن المنبعث منها واستيطان مئات الوطاويط فيها، وبالكاد تمكّنت من ربط كاميرا صغيرة بغصن طويل مستخدماً حزام بنطالي لأمدَّ الغصن داخلها للحصول على لقطةٍ تظهر شكل زنزانة كان يُزَجُّ بداخلها العشرات من الرقيق وسط ظلمة المكان والمصير المجهول

‏تجوّلنا في الجزيرة وروى لنا المؤرّخ تفاصيل بشعة عن المكان جعلت الموسيقيّ يعزف بتناغم شعوري مع أنين من حُبِسوا ورُحِّلوا وتبدّلت مصائرهم عبر تلك الزنازين، كما مررت بشواهد قبور ضبّاطٍ وحكّامٍ حكموا تلك الجزيرة وأداروا ماكنة الظلم والجشع، ثمّ رحلوا عنها لتعود إلى صمتها وخلوّها من السكّان ‏سوى بضعة قبور ويافطة بكى عندها وزير دفاع  وخارجية أمريكا السابق كولن باول عندما زارها يوماً وقال: من هنا أتى أجدادنا نحن الأمريكيّين من أصولٍ أفريقية

***

سيراليون ” أطرافٌ مبتورة انتصرت على الحرب “ 

‏ربيع عام 2013 كانت رحلتي الأولى لغرب أفريقيا وساحل الأطلسي (مالم نحتسب الرحلات إلى موريتانيا الجميلة بشعبها الخلوق وصحرائها الساحرة). هناك في فري تاون وبرفقة زميلي صلاح حسن صادفت وجها آخر لأفريقيا مابعد الحروب الأهلية

‏لقد كان صادماً مصادفة عشرات الأشخاص بأعمار متفاوتة مبتوري الأعضاء في يوم واحد. كنت قبل الرحلة قد قرأت عن الحرب في سيراليون 1991-2002  وشاهدت فلم “الماس الدّمويّ/بلود دايموند” لكنّني لم أتخيّل وجود ذلك العدد الكبيرمن ضحايا العنف. لم أتصوّرأنّ سياسة بتر الكفّ التي طالت من يصوّت في الانتخابات حينها ‏وردّ الفعل ببتر القدم أو الذراع قد خلّفت ذلك العدد المهول من البشرالمعاقين في بلدٍ يعوم على بحرٍ من الخيرات بينما يعاني شعبه  الفقر والمرض واستغلال بعض العرب المستوطنين لموارده. يومها أيضاًعشت للمرة الأولى حرفيّاً معاني الفصل العنصريّ عندما دخلت مطاعم يمتلكها (عرب) ‏يقف على أبوابها حرّاسٌ يمنعون السكّان الأصليّين من الدخول. وكان لابدّ من الاصطدام بالحرّاس ومديري تلك المطاعم للسماح لمرافقي المواطن الصّحفيّ بالدخول بينما رفض السائق محاولاتي إقناعه بفكرة الدخول أصلاً. في تلك الرحلة عشت وزملائي العديد من القصص كانت أكثرها إشراقاً مشاهدة ‏فريق كرة قدم من مبتوري الأعضاء الّذين انتصروا على تلك الإعاقة بمساعدة بعض المتطوّعين الأجانب منهم أوروبي قرّرفتح حساب فيس بوك للفريق وجمع تبرّعات للّاعبين. كنت أجري معهم.. بينهم.. يتعثّرون.. يسقط أحدهم ثمّ ينهض ليكمل اللعب نحو الهدف، يصرخون ويتعاملون مع المباراة بجدّيّة، ‏وبعد انتهائها يأتي وقت الغناء والأهازيج الحماسية. الفريق المرفقة صورته شارك في بطولاتٍ عدّة في غرب أفريقيا وحازعلى تكريمٍ رسمي في دولٍ عدّة. كانت رفقتهم يومها درساً في غلبة الإرادة على الذات وانتصار البتر على الحرب.

فريق كرة القدم، سييراليون

وفي سيراليون المزيد من العِبَر

‏وسط زحام الصور والقصص المبثوثة فوق كلّ حبّة رملٍ في أفريقيا بشكلٍ عام وفي سيراليون بشكلٍ خاص، جلسنا أنا والعزيز صلاح في مطعمنا اللبناني المفضّل على ساحل الأطلسي في فري تاون نخطّط لتنفيذ فكرة اليوم التالي، وكانت عن الماس 

‏ كان علينا السفر باكراً صباح اليوم التالي إلى قرية جوماندو قرب مدينة بو (ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة فري تاون وتقع في الجنوب الشرقي منها). وبرفقة الصحفي المحلي جاما والسائق توجّهنا في رحلة  نحو تلك القرية مباشرة إلى شاطئ نهر يُعتَقد أنّه غنيّ بالماس. ‏حال وصولنا كان المشهد الفوضوي أشبه بموقع بناء طاش صواب العاملين فيه، صراخ وحركة عمّال من الجنسين تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات و70 سنة، مواقع بحث متجاورة، معدّات بدائية بعضها لاعلاقة له بالتنقيب (نظريّاً)، ونهرٌ لون الماء فيه أقرب للبنّيّ من فرط التلوث. ‏وبالرّغم من تحذير  صلاح من أنّ مياه النهر تحمل الملاريا والجرب النهري خلعتُ بعض ثيابي واتّجهت سباحة نحو قاربٍ وسط النهر مصطحباً كاميرا صغيرة كانت حديثة يومها تدعى (غوبرو) لأصوّر الغوّاص الباحث عن الماس في قاع النهر الملوّث بقرارٍ شخصيّ طبعاً، وإذا بي أكتشف أنّ الأخوة في القارب الأفريقي التقليدي ‏حملوا معهم مولّداً صغيراً للكهرباء ومضخّة غازٍ تستخدم في أجهزة التكييف يخرج من أحد أطرافها خرطوم مطّاطي رفيع وطويل يضعه الغوّاص في فمه أثناء الغوص ليساعده على التنفس، بينما نعتمد أنا وهو على النظر المباشر في الماء دون نظّارات غوص، والسبب أنّني لم أكن مستعدًا للغوص ‏أمّا هو أو هم  فذلك كلّ ما يملكون من معدّات لعدم قدرتهم على تحمّل كلفة أجهزة الغوص الاحترافية

أطفالٌ وعجائز وماس

‏على شاطئ النهر، وبعد تصوير الغوّاص، كانت المجاميع التي تبحث عن الحجر “الكريم” ماتزال منهمكة في البحث في رمال النهر بحركة ميكانيكية، يعلو وجوههم الشاحبة بفعل سوء التغذية واليأس حزن تسلّل بين أخاديد تجاعيد كبارالسن ‏وحول العيون شبه المغمضة تحاشياً لأشعّة الشمس لدى الشباب والأطفال. كان على المقاولين المحليين الاستمرار بإصدار الأوامر والوعود بالثراء التي يتفوّهون بها مصحوبة بابتسامة المتهكّم، ليقينهم أنَّ الإمساك بالسراب الراقص فوق الرمال في الأفق أكثر واقعية من وعودهم تلك‏، فمهما كان عِظَمُ الحظّ الذي قد يصادفه أحد أولئك المنقّبين بالعثورعلى ماسة كبيرة فإنّ العائد من ذلك لن يتعدّى رقماً تافهاً يدفع للمحظوظ، بينما تكون حصّة الديناصور في الربح  للشركة المستثمرة. تمتلك شركات بريطانية حقّ التنقيب في قرابة  700 كيلومتر مربّع من سيراليون و‏تمنح مقاولي الأنفار فرصة جلب عمالة محلية – قد يكون بعضهم عبارة عن أسرة بأكملها- للعمل في الأماكن التي يُعتقدُ أن الماس موجودٌ فيها دون تزويدهم بأية معدات أو آليات حديثة. والحديث عن المعدّات يبدو تافهاً أمام ظروف عمل وحياة البشر ممّن اصطحبوا ‏الاطفال للعمل وكسب قوت اليوم كالطفلة التي تبدو في الصورة أومثل نساء بعمروالدتي يحرّكن الرمال في قدور وصحون معدنيّة مع بعض الماء بحثاً عن الصُدفة

الطفلة وهي تعمل لقوتها ٠٠ البحث عن الماس

بعد ساعة من التصوير أو أكثر قليلاً توجّهنا لنسلّم على زعيم القرية -كتقليد ونوع من الاستئذان- وقد وصل تقريباً بعد الانتهاء من العمل. ‏كان جالساً على كرسيّه بصمت، ذلك الرجل المسنّ الزعيم. شككت أنّه إمّا غاضب جداً أو نائم، من فرط الصمت ونحن جلوس بانتظار أن ينطق. لم ينظر في وجوهنا قطّ، تكلّم بلغة محلية معاتباً على تأخّرنا بالمرور به والاستئذان، ثمّ قال: مرحباً بكم، قبل أن ننصرف هرباً من التعب ‏لنعود للعاصمة. خزنت صورته وتعابيره وسحنته في ذاكرتي لأتساءل بعد أعوام (مع علمي بالجواب): تُرى بأيّ عين يرانا نحن الأغراب الذين نشبه – ولو بالشكل- الأغراب الذين يحتكرون مصادر ذلك البلد، بلده؟ 

.‏أظنّ الأمر قد يتطلّب كتاباً عن تلك الرحلة لا بضعة أسطر

Leave a Reply