مختارات من قصيدة مثاني الخريف

للشّاعر نعمان ماهر الكنعانيّ

مثاني الخريف هي ثنائيّات شعريّة يمكن وصفها بالملحمة الإنسانيّة كتبها الكنعانيّ بين عامي 1991 و 1999 وهو في عقده الثّامن. دوّن فيها عصارة ما وصل إليه من حكمة أنضجتها تجربة طويلة خبِر فيها الحياة، عركته حيناً وعركها أحايين.

في مثانيه يبوح الشّاعر بما في طيّات صدره من صراع الأماني بعد أن نال الذّبول من جسده وهو في خريف عمره، وهو لا يجد سميراً يبثّه نجواه أفضل من اللّيل حيث لا لائم ولا واشٍ، وحيث اللّيل مؤتمنٌ على الأسرار.

تقع القصيدة في أربعمائة بيت من الشّعر، وما اخترناه منها فيه إشارات لخضوع النّاس لذي السّلطة، فهم عبيد الصّولجان، أو لذوي المال الّذين كانوا صغاراً ثمّ كبّرتهم بطاقة حظّ. وكثيرون مستكينون للوهم، ملاذهم التّنجيم والتّعاويذ. وليس الّذي صيّره خضوعه للحبيب لعبة بيد الهوى بأحسن حالاً. في النّهاية يستسلمون جميعهم للقدر الّذي لا يخطيء أحداً. هكذا كان حال هارون وقارون وهولاكو وجنكيز خان.

أمّا عن الولاء، فولاء الشّاعر لقبلته وصَلاته هو الّذي يردّه للوجهة الصّحيحة إذا استعصت عليه الآيات، وولاؤه للوداد هو الّذي جعله يصون الوفاء وهو شيخ كما صانه في صباه وشبابه. ثمّ يأتي الشّاعر بفكرة لطالما شغلت النّاس، يخبرنا أنّ قتلى (العدوَّين) كلّهم صاروا إلى الجنّة. أتراه الولاء للوطن والأرض هو الّذي شفع لهم؟ إنّها فكرة تستحقّ التّأمّل.

وإذ يستبقي الشّاعر بعض حرقات صدره تدفّئ وجدانه فإنّه يصرّح بالكثير من همهمات الصّدر ليجلو ضباب يومه وغده فيسكب ذلك في قصيدة -كتجربة الشّاعر- زاخرة بعواطف جيّاشة رافقته في مسيرته بما كان فيها من نجح وعثار وخسر زهيد.

سَلِم اللّيلُ لا جلاهُ النّهارُ أنتَ فيهِ الأسمارُ و السُّمّارُ
ما مضى حاضرٌ فحيناً طيوفٌ عائداتٌ و تارةً تذكارُ
***
و أحاديثُ لا يُمَلُّ لها طولٌ و نجوى و لا نجيٌّ قريبُ
و صراعٌ مع الأماني اللّواتي كان من غرسِها الأسى واللّغوب
***
فتمتّعْ باللّيل ذكرى و نجوى بلْ وحدّثْهُ ما تشاءُ طويلا
كلُّ ما في طيّاتِ صدرِك يُلقي عندها اللّيلُ سمعَه لتقولا
***
ليس فيه واشٍ تحاذرُ منه لا و لا لائمٌ جَهولٌ يلومُ
فتكلّمْ فما يراقبُ نجمٌ أو يخونُ السّرَّ الدّفينَ نديمُ
***
أيَّ شيء تريد من هذه الدّنيا و ماذا من بعد كذب الأماني
سأَمٌ تارةً و يأسٌ أواناً فترفّقْ و استبقِ شيئاً تعاني

***************

أنا والحبُّ قد مشينا طويلاً وطويلاً صانَ الوفاءَ كلانا
ثمّ لمّا وافى قتامُ اللّيالي واحتوانا خفّتْ عُبابُ هوانا
***
سلم الحبُّ للحبيبين إمّا كان عطرُ الصِّبا يناجي الخَفوقا
فإذا أقبلَ الخريفُ تراءى جنِفاً يحسبُ الوفاءَ عُقوقا
***
سألتني ليلى أتنسى زماناً ملأتْ فيه كأسَنا الأحلامُ
قلتُ هيهات غير أنَّ الأماني لا ترى الشّيخَ حين يبدو الغلام
***
ثم قالت هذي الحياةُ و ماذا يستطيع المعاندُ الفيلسوفُ
قلتُ يبغي الوصولَ كالنّملِ في الرّملِ يعاني حرمانَه ويطوف
***************

جسدي نالهُ الذّبولُ و نفسي برِقت بالمنى و قلبي خَفوقُ
يا جراحَ الصّراع ماذا يريد (ال لّيلُ) ؟ أنجوى؟ فما إليها طريق
***
همهماتٌ ملأْنَ صدري وأخشى إنْ بدَتْ تخرقُ السّكاكينُ صدري
إنّها في يدِ التّقاةِ و ما (أس رعَ) كفَّ التُّقاةِ تبري وتفري
***
قد صحِبتُ المفكّرين القدامى واستفدتُ الآراءَ والأحكاما
غير أنّي من بعد سبعينَ بانتْ لي مفاهيمُ تخنقُ الأفهاما
***
و عجيبٌ تجاربي كلّما قلتُ أفادت لقابلٍ أو لآتي
كان جهلي أشدَّ إن صادفتني حادثاتُ الأيّام بالعَثَراتِ
***
وقليلٌ من البريقِ يعودُ لكَ كلُّ الرّجاء و هو فقيدُ
وقليلٌ من العثار تعاني غصّةَ الخُسر وهو وَيكَ زهيد

***************

قال هارونُ للغمامةِ يوماً أمطري حيث شئتِ تَسقي ثماري
كلُّ هذي الأرض الفسيحةِ داري ثمَّ ضمّتْهُ بضعةُ الأشبارِ
***
أتُرى أحسنَ التّصرّفَ ( هولا كو) فكانت نيرانُه والخيولُ
كيف لو يسمع الّذي قيلَ فيه أفيأسى أم تزدهيهِ الطّبول
***
قال قارونُ كم حملتُ تراباً عبر هذي الأجيال كانت كنوزا
آهِ ما أوجعَ التّلفّتَ (للما ضي) متى تُرخِصُ الحياةُ العزيزا
***
والّذي صاحَ كلُّ ما أبتغيهِ نهلةٌ من سُلافةٍ ورغيفُ
أرهقتْهُ أفكارهُ ثمّ ولّى و هواهُ إلى الحياةِ لهيفُ
***
فَلَكٌ قسّمَ الدّوائرَ هذي في نسيمٍ وتلك في إعصارِ
فإذا شئتَ نقلةً بين ثنتَينِ طَوَتْكَ الأمواجُ في التّيّار

***************
خفقَ القلبُ من حنينٍ و شوقٍ إذ تعالى لحنٌ قديمٌ بعيدا
قلتُ يا قلبُ كم قديمٍ عزيزٍ بعثَ الشّجوَ في النّفوسِ جديدا
***
و دنا اللّحنُ هاتفاً (أيظنُّ أنّي لعبةُ الهوى) بيديهِ
فبدا لي من غُوطةِ الشّامِ طيفٌ عانقتْهُ الذّكرى و ذابتْ لدَيهِ
***
لكَ صدرانِ خافقانِ فللذّكرى ضلوعٌ و للشّجونِ ضلوعُ
أيُّ صدرَيك قد ترضّاك فيما ضاع في الدَّربِ، صابرٌ أم جَزوعُ
***
يا أُهيلَ الوداد كم طالَ ليلي بكمُ و الأسى يؤجُّ بقلبي
عاقبتني الأيّامُ إذ أخذتْكم وخفيُّ الآلام ما قال حسْبي
***
يا أُهيلَ الوداد قلتُ هَبوني أنّني أسألُ الودادَ القديما
أين غابتْ أطيافُه أهوَ العمرُ وهذي السّنونَ تُخفي الرّسوما
****************



يا رفيقَ الطّريقِ طفلاً وشيخاً أنا غيّرتُ قِبلتي في صلاتي
فعصتني الآياتُ في النّطق هل في قدرةِ القلبِ كاذب الخفَقات
***
ثم نادى عليَّ من جانبِ (المحرا بِ) صوتٌ أن ادنُ من محرابي
إنّكَ القارئ الّذي يفهمُ النّصَّ ويتلوهُ دونما إعرابِ
***
و مشى بي ركْبُ اللّيالي حثيثاً نحو صحراءَ تُرعبُ الإعصارا
كيف غابتْ كلُّ الدّلالاتِ عنّي فاتّهمتُ الأفكارَ و الأقدارا
************


أنتَ سلّمتَ أنّ من يقتلُ النّاسَ مسوقٌ للقتلِ فهو بريءُ
و الّذي يسرقُ الحقولَ دعاهُ قَدَرٌ فهو مُكرَهٌ لا دنيءُ
***
لاحَ لي في الظّلام طيفُ شهيدٍ وعلى وجههِ سنا الإيمانِ
قال إنّا مع العدى في ظِلالٍ وارفاتٍ فأيُّنا هو جاني؟
***
والتقينا، يالَلّذي قد هَزمتم والّذي زيّفوا من الأقوالِ
ونسبتم لهم ضلالاً قديماً وهمُ ينسبوننا للضّلال
***
لك يا زائرَ الظّلام سلامٌ وسلامٌ لجارِكَ الأعداءِ
كلُّنا في مَهامِهِ الوعد سِرنا وإذا الوعدُ في ضمير الخفاءِ
***************


مرَّ بي أمس صاحبي وعليه قلقٌ طافحٌ فقلت و ماذا
قال دعني فقد قرأتُ كلاماً إنَّ علمَ التّنجيم صار ملاذا
***
عدتُ توّاً من محفلٍ كان فيه كلُّ شيء يوحي بحبّ الدّيارِ
صلواتٌ ما بين نظمٍ و نثرٍ ردّدتْها مطامعُ الأوتار
***
ورأيتُ الزّحامَ حول صِغارٍ كبّرتْهم بطاقةُ ( اليانصيبِ )
قلتُ من هؤلاء؟ قال رفيقي داوِ عينيك واستعنْ بطبيب
***
يا لها قصّةً تشابَهَ فيها آدمٌ و ابنُ آدمٍ و الحفيدُ
لو قرأتَ الفصولَ منها ستلقى صولجاناً له الكراتُ عبيدُ
***************


تعبُ العينِ دونَه كذبُ السّمع فدعْ ما يقولُه الخبراءُ
منذ بدءِ الكلام في النّاس قالت اُنظرِ العينَ تفهمِ-الشّعراءُ
***
و كفاني أنّي جهِلتُ طويلاً و كفاني أنّي ألِفْتُ لجهلي
وإذا كنتَ لا تخاف ملاماً فاصطحبْ خادعَ الأمانيِّ مثلي
***
و هوَ ذا غائمُ الخريف أتاني بأحاسيسَ كلّلتْ وجداني
كانت الرّيح فيه تملأ نفسي أملاً و الغيوم تُصبي جَناني
***
إنّهُ اليوم غيرُه أمس فاذكر أو تناسَ الماضي و عِشْ للتّغابي
إنّ دفء الذّكرى يعيدُ المعاني و التّناسي يمحو سطورَ الكتاب
***
يا مثاني الخريف كلُّ عزائي أنّني قلتُ فيكِ أجلو ضبابي
فإذا ما تلاكِ يوماً صحابي فلتكوني تحيّتي للصّحاب
***************

Leave a Reply