The Philosopher ~ الفيلسوف

Artwork via Summerise Kay on Behance

Mahmoud Saeed

Perhaps the most important philosophical proposition was postulated by Protagoras: Man is the measure of all things. 

Humans are very diverse in their understanding; for some, it is no greater than that of the animals. In others,understanding is profound; they are able to understand paradoxical matters deeply. 

Which humans, then, is Protagoras talking about?

Because man is the measure of all things, all men must be free; this means that slavery must disappear. This was a crime in the eyes of the rich and the aristocratic. For example, Aristotle was among the defenders of slavery. He considered that the lack of slaves necessitated war in order to enslave the enemy. 

Therefore, ancient philosophy declined; but now it has returned very strongly, in a new form: as the people’s best interest, and it is the measure of good and evil in the whole world. Now there is no slave class, and everyone is equal.  Protagoras lived in the past, but his philosophy now prevails in the world.

قبل آلاف السنين عاش فيلسوف شاب في اليونان انحدر من سلالة أحد الملوك. قضى هذا الشاب بضع سنوات يفكّر كيف يجنّب الشعب شرور الحاكم وكيف يقضي على الفقر والجهل والتخلّف، فلم يستطع إقناع غير بضعة عشر شاباً، بينهم ابن ملك في منطقة بعيدة كان أبوه قد أرسله ليتعلم الهندسة والحساب والفلسفة، فبقي يدرس بضع سنوات حتّى أرسل إليه والده ليعود. ودّع الفيلسوف تلميذه ورجع إلى دروسه وتلاميذه الّذين بقي عددهم كما هو من دون زيادة أو نقصان، حتى أدرك أنّ من المستحيل عليه أن يجذب المزيد، ولم يدرِ ما السبب، بينما كان يلتفّ حول أستاذه -الذي كان ينادي بمبادئه ذاتها- مئات عديدة من التلاميذ يتوجّهون إلى البرية ليجتمعوا، إذ لا يكفيهم أي بناء في المدينة. هناك كان الشيخ يلقي عليهم تعاليمه التي تتعلق بسلوك المواطن الصالح في دولة تسودها المحبة والأخاء والتعاون. أحسّ الفيلسوف الشّابّ بالغيرة ولم يستطع اكتشاف سرّ شعبية أستاذه بالرّغم من تفكيره الطويل، عندئذ رجع هو ومن معه وانضمّ إلى مجموعة أستاذه في البرية، يستمع إليه يومياً ويغوص في أفكاره.

بعد بضعة أيام وحينما أنهى أستاذه الدرس تمشّى معه، ودعاه إلى الغداء في قصره فقبل الأستاذ دعوته، وسأله إن كان باستطاعته أن يدعو عشرة تلاميذ معه، فأجاب بالموافقة. دخلوا قصر التلميذ الشامخ ورأوا أيّة أبّهة وفخامة يعيش. كانت الحديقة شاسعة، واسعة سعة الأفق، المزهريات الزجاجيّة مليئة بالورود، والنجيل مقصوص بعناية حول لاحات من زهور صفر، حمر، زرق، بنفسجية وبرتقالية، زهور محلية وأخرى مستوردة تخلب النظر، وأشجار فاكهة مثمرة لا حصر لها. أخذ الاستاذ يأكل صامتاً لا يجيب على أيّ سؤال، وبعدما انتهى الغداء أحسّوا بالنعاس. قادهم الخدم إلى قاعة كبيرة فيها أسرّة وفرش تكفي الجميع، فأقالوا، ثم استيقظوا على وجبة خفيفة من أنواع الفاكهة والعصائر اللذيذة، عندئذ قال الأستاذ للتلميذ الشاب: أرأيت ما فعلت؟

قال: لا.

قال الأستاذ: لن تتمكّن من التأثير في الشباب ما دمت تعيش مثل هذه الحياة المرفّهة، لأنّ من يستمع إليك سيفكّر في كلامك ويتساءل مع نفسه إن كان سيستطيع يوماً أن يحصل على مثل هذا القصر ومثل هذا النعيم، وعندما ينتهي به الفكر إلى استحالة أن يصبح غنيّاً مثلك يتوقّف عن الاستماع إليك. علينا أن ندعو الأغنياء إلى توزيع ثرواتهم على الفقراء ليعيشوا بسعادة. ضحك الفيلسوف الشّاب وقال: هذا يعني زيادة عدد الفقراء بضعة أشخاص. غضب الأستاذ وافترقا.

لكنّ القصة لم تنته هنا، فقد نقل بعض المشاغبين وعلى رأسهم شخص وضيع ما دار بين الاثنين إلى الملك، فاستدعى الأستاذ وسأله عن كلامه فأعاده كما هو ولم ينقص منه حرفاً، عندئذ قال له الملك إنّه سيحتجزه في السجن ثلاثة أيام يستدعيه يومياً ويسأله أن يرجع عن كلامه، فإن لم يفعل قتله. وهكذا أُجبر على تناول السّمّ في اليوم الثالث وانتهت حياته، وشيّعه تلاميذه ومنهم الفيلسوف الشابّ الّذي استدعاه الملك بعدها وهدّده ألّا يعيد أفكار أستاذه الهدّامة أمام أيّ إنسان، فوعده أن لن يفعل، واكتفى بإلقاء محاضرات علمية لا علاقة لها بتوزيع الثروة، تعاليم عن كيفية التعمّق في القراءة وفهم الشعر والفلسفة والعمليات الهندسية البسيطة والعملية الّتي تفيد في تخطيط الأبنية، مثل: كيف يثبت الطالب أنّ الخطّ المستقيم هو الذي يمرّ بين نقطتين، وكيف يحسب مربّع الضلعين الصغيرين إنْ عَلِمَ طول الضلع الكبير، وكيف يقيس ارتفاع الجبل من دون أن يصعد إليه، وما هي النجوم الثابتة في السماء وما فوائدها. ظلّ هذا دأبه سنين عديدة حتّى جاءه رسول من تلميذه ابن الملك وسلّمه رسالة يقول له فيها إنّه -وقد أصبح سيّد البلاد- سيقوم بتطبيق مبادئ العدالة والمساواة والتعليم التي تعلّمها منه في مملكته، ويريد منه أن يقدم ليشرف على العملية، فأعلن أنه سيلتحق بالملك الشاب ما إن يستعدّ، لكنّ أصدقاء الفيلسوف المعدوم جاؤوا إليه ونصحوه أن يبقى في مكانه لأنّ لا ملك يقبل أن يساوي نفسه بالرعية. لكنّ الفيلسوف عاندهم متعلّلاً بأنّه صاحب مبدأ عمليّ ويحبّ أن يشرف على تطبيق أفكاره. ثمّ شدّ الأستاذ الرِّحال إلى مملكة تلميذه، وهناك استُقبِل استقبال الوزراء، وعيُّن وزيراً أوّل في المملكة. في أوّل يوم باشر حكمه رأى الشرطة تستعدّ لإعدام سارق سبق عليه حكم القضاة من قبل، فسأل مدير الشرطة: هل السارق فقير أم غنيّ؟ قال المدير: بل هو فقير. فأمره بإطلاق سراحه وإرجاع المواد المسروقة إلى صاحبها وتقديم مساعدة إلى اللصّ كي يعيش بها ولا يعاود السرقة. عندما سمع الملك غضب غضباً شديداً، فلأول مرة في تاريخ المملكة يرى من يلغي قراراً اتّخذه. وحينما رأى الوزير السابق ذلك فرح فرحاً عظيماً، وأخذ يوغر صدر الملك على الفيلسوف، لكنّ الملك قرّر أن يعطي أستاذه فرصة أخرى، فليس من المعقول أن يؤذيه في أول يوم يتسلّم فيه منصبه. في اليوم التالي، جاء شرطة الكمارك بتجّار يحملون كمّيّة من الدّرّ والأحجار الكريمة، تشاجروا معهم لرفضهم مصادرة نصف ما يحملون كما يقتضي العرف آنذاك، لا بل تجرّأ أحدهم -وكان شابّاً قوي العضلات- على ضرب رئيس الشرطة بجمع يمناه فألقاه أرضاً مع رعاف في الأنف ودماء تسيل من فمه، فأمر الملك بإعدام التّجّار. لكنّ الأستاذ تدخّل ثانية واقترح حلّ المشكلة من دون إعدام أو مصادرة، وهنا غضب الملك وأودع الأستاذ السجن.

حينما وصل الأستاذ السجن سأله السجين الذي كان يجلس قربه عن تهمته فقال له: الحقيقة، فغضب السجين وهجم عليه يريد أن يخنقه وهو يصرخ: كيف تعاند الملك وهو يمثّل الإله أيّها التافه المجرم؟ وشارك بالهجوم عليه بقية السجناء وكانوا لصوصاً وقتلة وقطّاع طرق، ولم ينقذه إلّا تدخّل السجّانين الذين ضربوهم بقسوة شديدة، وأبعدوا الاستاذ.

ظلّ السجناء والسجّانون مشغولين في هذه الفوضى حتى فاتت ساعة الزوال التي يخرجون فيها إلى باحة السجن لتلقّي الطعام والصدقات من أهالي المسجونين والمارّة حيث الشارع العام يمرّ أمام السجن. عندئذٍ خلد المسجونون في اليوم التالي وما بعده إلى الهدوء وإطاعة السجّانين ليخرجوهم إلى الخارج، لأنّ الجوع أمضّهم. وهكذا بقي الأستاذ مدة طويلة في السجن، لكنّه لم يلجأ إلى السكوت، بل ظلّ يبشّر بمبادئ العدالة وتوزيع الثروة والتعامل بالإنسانية، حتى آمن بأفكاره معظم من دخل السجن آنذاك. 

حين سمع الملك بنشاط الفيلسوف جمع مستشاريه وطلب منهم قدح زناد أفكارهم لاقتراح عقاب ملائم لأستاذه، فمن غير اللائق به قتل أستاذه الذي كان يحبّه ويجلّه يوما ما، و من غير المناسب أن يعفو ملك جليل عن مسيء كبير عارض الملك وضرب بمصلحته عرض الحائط أيضاً. أخيراً اقترحت جارية جميلة أثيرة على الملك أن يتخلّص منه بطريقة غير مباشرة، وهي أن يعرضه للبيع في سوق النخاسة، ولكي تقنعه بفكرتها داعبته وأبدت مفاتنها الآسرة التي لا يصمد أمام إغوائها ملك أو وزير أو قائد.

لمّا رأت الجارية استجابة الملك لاقتراحها طلبت منه أن تشرف على العملية كي تتمّ على أفضل وجه. ذهبت في اليوم التالي ضحىً إلى السجن ففوجئت بالجنود يقودون الأستاذ بسلاسله الثقيلة. طلبت منهم أن يفكّوا قيوده و يأخذوه إلى الحمام، وأمرت زعيمهم أن يجلب له حلّاقاً يشذّب له شعره النامي كيفما اتّفق، وأعطت حارساً آخر بعض النقود كي يجلب له ملابس راقية مع نعل ممتاز يليق بوزير، وانتظرته في غرفة تابعة للبلاط حتّى انتهى من الحمام، ثم أخذته إلى أفضل نخّاس في المدينة وقالت له: إنّ هذا الشخص من عائلة كريمة، وأنّ عليه أن يعزّه ولا يبيعه لأحد السوقة بل لمن على شاكلته، فهو أمضى مدة يعلّم الملك في بلاد اليونان.

أطاعها النخّاس وشكرها الفيلسوف وتمنّى لها حياة رغيدة سعيدة، وحين أراد الفيلسوف الجلوس على الأرض جلب له النخّاس كرسيّاً يستريح عليه.

كان الأرقّاء المعروضون في المحل نحو عشر نسوة فاتنات فيهنّ ثلاث شقراوات من مملكة الغال ورابعة سوداء، أمّا الباقيات فسمراوات من شمال أفريقية والشرق الأوسط ومصر. معهنّ كان هناك أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسادسة، وشابّان لم يتجاوزا السابعة عشرة. كان زبائن النخّاس وكلاء الموسرين، ينتقون لهم أجمل الرّقيق وأفضلهم. لكنّ المصادفة لعبت لعبتها في اليوم الخامس على مجيء الأستاذ. لقد خرج من البار المجاور بضعة شباب موسرين من الطبقة العليا لعبت الخمرة بعقولهم، فأرادوا قضاء ساعة عبث. لمح أحدهم الحسناوات يرتدين غلالات الموصلين التي تشفّ مبرزة كل مفاتن الحسناء فوقفوا بعيداً عن المحل، وأخذوا يتهامسون ويتراهنون على تعيين مَن من المستَرَقّات أجمل، أرشق، أكثر فتنة… لكنّ أحدهم صاح بصوت عالٍ: اسكتوا. دعوني أفكّر. من هذا الشيخ؟ أهو للبيع أيضاً؟ ثمّ اقترب منه، وعانقه: ألا تتذكّرني؟

هزّ الشيخ رأسه: نعم، أتذكّرك. أنت أحد تلاميذي. وحين دمعت عينا الشيخ انفجر التلميذ بالبكاء فبكى أصدقاؤه دون أن يعرفوا كل الحقيقة.

عندئذ سأل التلميذ النخّاس عن سعر الشّيخ. لم يجد المبلغ كلّه في جيبه، فقال للنّخّاس: إن استطعت أن تطلق سراحه سأرسل لك الباقي ما إن أصل إلى أثينا. قال له الأستاذ: لا تفعل أنت، أنا أسدّد المبلغ. قال النخّاس: خذوه بلا ثمن.

حين رجع الفيلسوف إلى أثينا انتشر الخبر بين تلاميذه، فجاؤوه صباحاً والفرحة تطغى عليهم، وعندما حان الغداء أمر الطبّاخين أن يعدّوا حساء باللحم للجميع. أصبح الحساء تقليداً يومياً بعد الفلسفة، ارتبطت الفلسفة بالحساء حتى هذا اليوم. لذا ترى الكنائس وبيوت الصدقة توزع يومياً حساء الشوفان مع قطعة دجاج لكلّ من يريد أن يفطر مجّاناً ولا يملك ثمن الوجبة. 

Leave a Reply