أستلُّ من روحي سيفاً لأقتُلَني

طالب عبد العزيز

أن تنفق ستّين عاماً وأكثر من حياتك في بلاد كهذه لهو الخسارة بعينها. حياة لا تخترقها قصّة حبّ حقيقيّة، ولا تطيب فيها لك لقمة، ولا تشعر بوجودك كإنسان، بل تفتقد فيها كلّ ما له علاقة بالإنسانيّة، ولا تشعرك بقيمتك كواحد من منتجي الثّقافة أومتسلّميها. يسخر منك الشّرطيّ، ويبتزّك مستثمرُ المدرسة الأهليّة والطّبيب، ويستغفلك المحامي، ويغدر بك التّاجر، ويقتلك الأحمق والوغد، ولا يحترم أمسك فيها أحد، ولا يجاورك فيها من تحبّ .. عن أيّ حياة تتحدّث وقد بلغت من العمر أرذله؟
مثل غريب في بلاد غريبة، ها قد أكلت الغربةُ جلدك، تتحدّث مع نفسك، تتسمّع أغنية في السّرّ، وفي السّرِّ ذاته تشرب كأساً، تتقيّأ ما امتصّته أمعاؤك من الضّجر واليأس، فتخشى أنْ يسمعك أحدُهم، تخرج من البيت، فتتبعك دعوات بالعودة سالماً، ترتدي قميصاً ملوّناً فتُتّهم بالتّصابي، تكتب قصيدة في الحبّ فينصحك أحدهم بأن تكتب قصيدة في حبّ أهل البيت، يقول: “تنفعك في قبرك” !!

تسافرإلى بلاد الآخرين وتمكث الأسبوع والأسبوعين والثّلاثة، ثمّ ينتهي موعد تأشيرة دخولك وتنفد نقودُك فتقفل عائداً، لترى كلَّ شيء على حاله، تبحث في شاشة العرض عن خبر للسّرور فتُفاجأ بجثّة طريّة على الأسفلت.
خُلقتَ من حروف وكلمات وموسيقى. ومنذ أن استقامت خطاك على الأرض، اخترت السّكن بين الأنهار والظّلال، تحتفي بالشّجروالماء والطّير. تُرى ماذا تفعل اليوم؟ وفي كلّ لحظة تسقط نخلة في فضاء روحك ويُردَم في قاع قلبك نهر. لا تقوى على شتم جرّافة ولا تجرؤ على مصايحة أحدٍ. كلّهم ذهبوا الى أحزاب الإسلام، أطالوا اللّحى وتختّموا بالعقيق، حملوا المصاحف واستأسدوا بالبنادق والمسدّسات. إلّا أنت، ما زلت على دينك القديم، تسمع فيروز في الصّباح وتقرأ كونديرا وموديانو وماريو فارجارس يوسا . تأتي كأسك باكراً في اللّيل، تغلق على جسدك الغرفة الّتي تسكن أقصى البيت فيما روحك تظلّ هائمة سائبة في الطّرقات، تتقلّبُ في المدن النّائية وفي الحانات الّتي على البحار، هناك حيث لا أحد يمسك بك متلبّساً بشيء.
يقول لك ت. س اليوت: “ليس لك شباب ولا شيخوخة، بل كما لو كنت في قيلولة بعد الظّهر وحلمت بكليهما”. هكذا أنت والله. كلّ ما كان لك في الشّباب لم يعد، وكلّ ما تنتظره في الشّيخوخة لن يتحقّق. كلّ عضلة في عنقك توجعك، وكلّ خطوة في قدمك لم تعد لك. أنت تحلم لا أكثر.

تحلم بهزيمة الإسلام السّياسيّ ووضع نهاية للدّم في الشّاشة الكبيرة فيما التّاريخ يمسك عنك بعنان فرسك في السّاحات، فيما المناهج ما زالت تتحدّث عن حروبك في بدر وعن خلافك مع صاحبة الجمل. ويطالبونك بموقف صريح، أقلّه دمك عمّا وقع على الفرات سنة 63 للهجرة. هكذا، عليك أن تصطفّ مع جمعهم فهم ما زالوا بانتظار ما يقوله السّيّد الكبير في خطبة صلاته. وماذا سيقول؟ أبعد كلّ ما قيل وكُتِبَ ودُرِسَ وتُصُفِّح؟
أنا وأنت يا صديقي مِزقٌ في كتاب لا يستقيم له معنى، خربشة على حائط من الطّين، فلا تحدّثني عن أغنية لفيروز لم أسمعها من قبل، ولا عن بيت شعر قديم لامرئ القيس تذكّرته، فما عدت عابئاً بشيء بعد ذلك كلّه … فأنا أستلّ من روحي سيفاً لأقتلَ من كنتُهُ.

Leave a Reply