حكايتان

الزمان، بلاسم محمد

سعد عبد القادر ماهر

لوحة الزمان، بلاسم محمد

لعبة الغربة

في زمان … حطّت العائلة بعيداً عن أرض الوطن في بلد آخر … في مكان… حطّت بعيداً عن كلّ شيء… بعيداً عن الأهل والأصدقاء… بعيداً عن مدارس الوطنوجامعاته… بعيداً عن الفوضى في النّظام … بعيداً عن الجدال في الحرب والسّلام

تنازلت عن كلّ شيء من أجل الخروج من الوطن والابتعاد عن مخاطر المحن … تنازلت عن الجار والقريب البعيد للوصول إلى بلد غريب … تنازلت عن الدّار الّتي تملكها لغيرها بعد أن قبضت ثمناً بخساً لها… تنازل ربّ الأسرة عن وظيفة في الدّولة وراتب متواضع وتنازلت الزّوجة والأولاد عن صحبة الأصدقاء

اختلفت البلاد الجديدة في كلّ شيء … اختلفت الألسن والأقلام … اختلفت الوجوه والأحلام …اختلف البنيان والعمران … اختلفت الأزياء والأشياء … اختلف النّظام والتّنظيم… اختلف الفكر والتّفكير… اختلفت الأشجار والأحجار… حتّى الصّالح والطّالح لم تعد تميّزه بوضوح في غربة الأوطان

عانت الأسرة من التّحدّث إلى الآخرين… عانت من التّبضّع والتّسكّع… عانت من الجار والإيجار… عانت من السّيرفي الطّرقات وركوب الحافلات… وعانت من إلقاء التّحيّة والسّلام… فكلّ شيء بانتظار

لم تعد الحياة هي الحياة ولم يعد حديث الأسرة الواحدة كما كان فالجميع قد فهم لعبة الغربة، ولم تعد الأسرة تبالي بما حدث لها في ماضي الأيّام فالحياة للأقوى والعمل والمطاولة للأقوى. أمّا الرّجل فظلّ أسير زوجته  وبيته يردّد شعراً للمبرِّد

جسمي معي غيرَ أنَّ الرّوحَ عندكمُ

فالجسم في غربةٍ والرّوح في وطنِ

فلْيَعْجَبِ النّاسُ منّي أنَّ لي بَدَناً

لا روحَ فيه ولي روحٌ بلا بَدَنِ

الزمان، بلاسم محمد
الزمان، بلاسم محمد

المصير

ترك زوجةً وسبعةَ أبناء بعد أن عجزعن تقديم حياة كريمة لهم. هامت الدّنيا بهم و راح كلُّ واحد من الأبناء يبحث لنفسه عن زاوية في إحدى المدن أو الأوطان يركن إليها على الرّغم من الأواصر التي كانت تشدّهم الى أمّهم. تركت الأمّلهم حرّيّة الاختيار بين وجودهم بقربها أو الابتعاد، لكنّها كانت تأمل في سرِّها أن يرحلوا وهي تدرك حاجتها إليهم، فالحياة من حولها لا تساعد كثيراً في الاحتفاظ بهم بقربها؛ الحياة اليوم لم تعد كما عاشتها هي بالأمس. شعرَتْ بالمرارة لاتّخاذها هذا القرار الّذي يفرّق بينها وبين أبنائها وبين الأخ وأخيه، لكنْ من أجل حياة كريمة لأولادها كلُّ شيء يهون

لكنَّ المرأة وجدت نفسها وحيدة مرّة أخرى – بدون أولادها هذه المرّة – وسرعان ما أصبحت تسمع من هذا تلميحاً ومن ذاك وعداً وتلمح طمعاً في نظرة آخر. اختلط عليها الأمر ثمَّ تيقّنت أنَّها أخطأت عندما سمحت لأولادها بالتّفرّق،لكنَّ الآوان فات. لقد ركن كلّ واحد من أبنائها إلى وطن لتبقى وحدها تواجه الجميع

Leave a Reply