ساعة الظهر

د. مثال مدلول البديري

لوحة: فيان سورا

ضربات مسرعة ومتوالية على باب المنزل الخارجي. كانت الساعة الثالثة والنصف ظهراً. توالت الضربات بشدة، وعندها تركت مائدة الطعام مع أفراد أسرتي وعدوت مسرعاً لفتح الباب. أيُّ ظهيرة! بدا وجه السماء محمرّاً فقد أشعلت الحرارة أركان السماء كلّها. إنّها ظهيرة تمّوزالحارقة. كانت شمساً حارقة تحتضن كهولة بائسة حيث وقفت على عتبة الدار امرأة كبيرة السن -ربّما تكون قد تخطّت السبعين عاماً- يبدو على وجهها أنّها عجوز تناوشتها متاعب السنين و أرهقتها مطبّات الحياة. واضح أنّ هطول أمطار عينيها استمرّ حتى في أيام صيفها وأنّ الآهات لم تفارق يوماً شباك قلبها. تجلّى عبث الزمان في ملامح وجهها الشاحب فقد نقش خطوط اليأس على وجنتيها وعكّر عذوبة صوت أنوثتها. نطقت شفاهها الذابلة بكلمات متلعثمة لم تكد تدرك مخارج حروفها:
آه يا ولدي، آه! أعِنّي وأعطِني ممّا رزقك الله فقد ضاقت بي و وجدت نفسي أمام بابكم. ساعدني واسمح لي بالدخول لأستريح فقد أحرقت الأرض قدميﱠ. آه يا ولدي، آه…آه.
كادت الحرارة أن تحرق جسدي وأظنّ أنّها حرارة الألم من رؤية امرأة عجوز لم تعد قادرة على متابعة الخطى ﺇذ أرهقها عبء الدرب الذي زاحمه نوء الدهر، تطرق الباب بضعف الشأن و تئنّ بآهات السنين.
وتسلّلت صورة أمي إلى مسرح الرؤى، أمي التي ترقد الآن بجانب أبي في مقبرة عجّت بالأموات، أمي التي فقدتها في بداية صباي فحرمت من نور بركتها في داري. امتزجت سحنة أمّي بهيأة تلك العجوز التي نطقت تقاسيم وجهها بحزن مثقل بالوحدة وأحسست بالانهيار في تداعي نظراتها وسألت نفسي ما الذي اعتلى وجهها: شحوب، ألم، خوف، أم حياء التسول الذي جرح مكمن ذاتها؟ وأيقظني صوت زوجتي أمّ احمد وهي تناديني: “عليّ،عليّ، أبو أحمد، ما الأمر؟ من في الباب؟” وأجبت بصوت مندفع: “تعالي يا أمّ احمد. أعينيني لنساعد هذه السيدة العجوز.”
جلست العجوز.
وبعد مرور ساعتين شكرتْ لنا وأثنت علينا كثيراً وأكثرتْ من المدح و الامتنان وأطنبت في وصفنا بأهل الجود والسخاء، ثمّ نهضتْ وقالتْ: “الآن عليﱠ أن أذهب إلى داري. اسأل الرّبّ أن يبارك لكما في عيالكما و رزقكما و مالكما و داركما ويبعد عنكما الأسى والإعواز والألم…فليباركما الله ويوفقكما في الدنيا والآخرة.
************
-“مهلاً أيّتها السيدة. مهلاً يا أمي”.
قال أبو احمد مخاطباً السيدة العجوز بصوت تشوبه الطيبة و (الحنية). أشعر بأنّك لست مرتاحة. أجيبي يا أمّاه بالله عليك، فلا ضيرأن أرافقك للطبيب هذا المساء. ما الذي يؤلمك وأيّ وجع تعانين يا أمّاه؟
– “بنيّ، أيّ ألم أشتكيه إليك: خور الكبر، فقدان زوج في سنيّ قفر، عقوق الابن أم ما علّمتني إيّاه ابنتي من معنى الهجر؟ أأشكو الحنين إلى لحظات بهيجة جمعتني مع أقاربي في ساعات سمر أم أجهر بطعنات ليالي الشتاء في عظام بليت من شدة الفقر؟ هل أفشي إليك ما خطّته لي أنامل القدر من ضيق العيش بين أناس حرام أن يصنّفوا من عالم البشر، أم أشكو لك يا بُنيّ صمت الوحدة وما تخيّلته من وحشة القبر؟
آه يا بُنيَّ، فإنّي أوصيك:
إياك أن تنأى عن الرّبّ و تغدو صوب الكفر
إيّاك يا بُنيَّ أن تغفل يوماً عن بواطن القدر
ابتعد عن إغراء السنين فإنّها سرعان ما تمرّ
واحذر بهرجة الزمان واهزم مغريات النظر
واذكر إفك الحياة ولا تنسَ ما ينتظرك من سفر
واتبع طيب القلب فٳنّه خير ما يعطيك من ثمر
أوصيك بالصفح فٳنه أجمل خصال البشر
إيّاك وعقوق الوالدين ولا تؤتِ أهلك الهجر
إيّاك يا بُنيَّ أن تنهر سائلاً على بابك كدﱠه الفقر
وإيّاك أن تنسى وقفة عجوز على بابك في ساعة الظهر
في ساعة الظهر…في ساعة الظهر…..ساعة الظهر

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

1 Comment

  1. قصة جميله فيها الالم من التقصير نحو حقوق من افنى نفسه من اجل وجودنا و بنفس الوقت التوعية و اللهنمام بمن كسرت قلوبهم من اقرب الناس

Leave a Reply