سيرة الماء والنار

أنا ورافع الناصري والخروج من بغداد*

ميّ مظّفر

الخروج من بغداد – الفصل العاشر

بعد حرب الخليج 1991 وقعنا في حيرة من أمرنا.
عادت الحياة في بغداد إلى مجراها. كلٌّ عاد إلى عمله. لكنّ الحياة لم تعد حياة تحت الظروف الاجتماعية والاقتصادية الخانقة التي وجدنا أنفسنا فيها جرّاء أقسى حصار فرض على العراق. العالم كله تحدّث بلا جدوى عن لاإنسانية القرار الدولي الذي لا سابقة له في التاريخ، بل المدمّر الأكبر للبنية الاجتماعية، ناهيك عن الاحتلال اللاحق الذي ما زال ينتهك جسد البلد وناسه بلا رحمة.
سلّمنا أمورنا للأقدار كما هو شأننا أمام المواقف العصيبة التي مرّت بنا من ثورات وحروب فهناك دائما ً ثمّة مخرج. ذلك على الأقل ما يمليه عليّ إيماني وما لم يختلف كلانا عليه فنحن نقيم في الراهن والتفاؤل بما سيأتي. سألت رافع إن كان نادماً على رجوعنا من المغرب. فردَّ بقوة: “لا يمكن.. لا يمكن، وما كان من المعقول أن نبقى على وعود بلا أي أفق واضح”. ثم ربت على يدي: “لا تقلقي نحن بخير”. لم يكن لدي أي شك في تعلّق رافع ببغداد وبيتنا والمحترَف وقدرته على الإبقاء على حيوية وجوده من خلال الإبداع، ولم أكن في حقيقة الأمر قلقة إلّا عليه، فهو لم يضطر على الإطلاق لتسخير فنه للعيش، بل ظل يبدع ما تملي عليه نفسه ومدركاته وبحثه وأنا أستمدّ منه الراحة والأمان.
بعد مرور شهرين أو أكثر وحين كنا معاً في محترف الغرافيك، جاءت “ميليا” زوجة الموسيقي فريد الله ويردي تحمل بيدها رسالة وتنادي عليّ من بعيد. كانت الرسالة من عمّان من الأميرة وجدان رئيسة الجمعية الملكية للفنون الجميلة عن طريق اليونيسيف حيث تعمل ميليا. تضمّنت الرسالة دعوة لي للمشاركة في مهرجان جرش، مع عرض لرافع للتدريس في جامعة اليرموك. أحسست بشيء من الراحة يشوبه الارتباك. التزم رافع الصمت إلّا من تعبير طاف على وجهه يوحي بالارتياح من أسلوب الخطاب الودي الذي حمل لكلينا التقدير والاعتزاز، والحيرة أيضا: العودة إلى العمل الوظيفي؟
في منتصف تموز توجّهنا إلى عمّان بباصات مريحة مخصّصة لرجال الأعمال. أقمنا في فندق القدس حيث يستضاف المدعوون إلى المهرجان. وكان قد حُدّد لنا موعد مع عميد كلية التربية والفنون في إربد، الكلية الوحيدة التي فيها تخصّص بالتربية الفنية آنذاك. استقبلتنا مدينة إربد صباح يوم شديد الحرارة مليء بالغبار فبدت لنا أقرب إلى قرية واسعة. غير أنّ المساحة الكبيرة المنسّقة التي احتلتها جامعة اليرموك ذات البناء الحديث وحرمها المحاط بأشجار الصنوبر والزيتون نقلتنا إلى أجواء أخرى أبهرتنا. استقبلنا عميد الكلية الدكتور محمد صابريني بترحاب كبير وكان شديد اللطف، أشاد بسيرة رافع وإنجازاته التي اطلع عليها قبل أن يحيله إلى رئيسة قسم الفنون التشكيلية الدكتورة إنصاف الربضي. أثار استغرابنا أن رئيسة قسم الفنون لم تكن مطّلعة على الحركة التشكيلية العراقية وكانت المرة الأولى التي تسمع بها باسم رافع. مضت وهي تقلب بين يديها سيرته الشخصية الغنية وتبيّن له واجباته المستقبلية للفصل الأول لتدريس مادة الرسم والغرافيك وتفاصيل إدارية أخرى. كان رافع يصغي بكل هدوء. بعد أن انتهت نهض وشكرها لينهي الزيارة. فسألته باستغراب: “لكنّك لم تقل شيئا!” فأخبرها باللطف ذاته أن ردّه سيأتي لاحقاً. حين جلسنا في السيارة ضغط على يدي بانشراح وهمس: “أوووف.. سنعود إلى بغداد”. كلانا كان سعيداً بالقرار. في المساء حضر إلى الفندق عميد الكلية شخصياً ليتأكّد من قرار رافع شارحاً له طبيعة العقد وشروطه التي تليق بخبرته واعتزازه بانتماء رافع لهيئة التدريس.

شقتنا – جامعة اليرموك-إربد، ميّ مظّفر

اخترنا العيش في السكن الجامعي الذي بدا جميلاً ومريحاً. ولأننا شخصان فقط كان نصيبنا شقة صغيرة بغرفة نوم وصالة حديثة الفرش مهيّأة بشكل مريح. لكن ّرافع بقي محتاراً أمام المساحة الضيقة المخصصة فقط للطعام والراحة؟
خلال سنواتنا معاً عشنا مؤمنَين بضرورة التكيف مع الحياة أيا كانت وأينما حللنا. سلاحنا دائماً القدرة على تحصين النفس والحفاظ على نقاء الجوهر بالامتناع عن عمل ما لا نرغب به. لقد رفض رافع كل عرض للعمل الوظيفي في بغداد بعد أن أحال نفسه على التقاعد. لكن العودة إلى التدريس جاء حلّاً مؤقتاً -كما ظننا- في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
بعد انتهاء مهرجان جرش عدنا إلى بغداد من أجل أن نتهيأ لحياتنا الجديدة. لا أعتقد أن رافع مرّ بتجربة أقسى من تجربة هذا القرار. كان اعتقادنا الساذج أن الحالة لن تطول وأننا سنعود مع انتهاء السنة الدراسية. استقبل الأصدقاء قرارنا بأسف وأسى وكنا نطمئنهم بالعودة المؤكدة إذ عزّ علينا مغادرة حياتنا الاجتماعية الحميمة التي لذنا بأجوائها والدار التي شقينا سنوات من أجل بنائها والاستقرار فيها والمحترف الذي ظل يحلم به رافع عقوداً. في ليلة سفرنا تجمّع الأصدقاء كلهم في الدار، بعضهم كان يرفض أن يغادر وقد تجاوزت الساعة منتصف الليل. كان وداعا مؤثراً وحزيناً مع أننا لم نكن راحلَين إلّا إلى البلد الجار الذي فتح لنا حدوده.
في الباص المخصص لرجال الأعمال التقينا في المحطة صديقتنا العزيزة أمل الشرقي التي كانت قد أسست لها دار نشر تعنى بالترجمة، وبرفقتها مساعدتها سكينة. اجتمعنا داخل الباص معاً وأضفت أمل بروحها العذبة وطرافة حديثها الغني جوّاً ودّيّاً ومرحاً لاسيّما أننا تقاسمنا المتاع الذي نحمله معاً ومذاق الكفتة العراقية اللذيذة التي تذكّرني بها دائما.
التحق رافع بالجامعة في الأسبوع الأول من أيلول (سبتمبر) 1991، وسرعان ما تبعه الفنان علي طالب وفنانون آخرون من اختصاصات فنية مختلفة. شعر رافع بإحباط شديد وهو يرى كلّ شيء دون المستوى المهني المطلوب. بدأ يدوّن يومياته منذ اليوم الأول معبّراً عن انطباعاته وتقويمه لقاعات التدريس والطلبة، هيّأ ما ينبغي تحضيره قدر المستطاع قبل التحاق الطلبة في 22 من الشهر نفسه فأعدّ برنامجه التدريسي في مجال الحفر والطباعة للفصل الأول. قال لي معبّراً عن ألمه:” لو استطعت خلال هذه السنة أن أرتفع بالطلبة إلى مستوى الصفر- وهم دونه بمراحل- لعددتُ ذلك إنجازا كبيراً”. مع ذلك أصبح لديه بصيص أمل في عدد قليل منهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. لقد شملت ملاحظاته الكثير من الجوانب الإدارية والإنسانية كان يسجلها في الشهور الأولى، أقتطف هنا بعض ما سجّل في 23 أيلول:
“جئت لأغيّر نحو الأحسن ولأجدد في طريقة التدريس إن استطعت، فهو واجبي، وإلّا فإنّ أي معلم بشهادة (كبيرة) يستطيع إدارة طلّاب (بسطاء) من هذا النوع”. كان هذا هو السبب الأول وراء الاستعانة بالأساتذة العراقيين. حين أسّس رافع قسم الغرافيك في معهد الفنون الجميلة في بغداد 1974 كان حريصاً على اختيار طلّابه من ذوي القدرات العالية في الرسم والتخطيط. يتحدّث هنا عن غربته التي شعر بها في أول اجتماع إداري شامل مع رئيس الجامعة: “بديهيات تتضخّم ومشاكل كثيرة وقضايا أساسية تتهمّش”. مع ذلك ظل يحتفظ بشيء من التفاؤل وأخذ يتكيّف تدريجياً مع الوضع من خلال محبّة الطلاب له وتحلّقهم حوله.
الأحد 6-10-1991
“الخريف يبدأ خجلاً هذا الصباح. ثمة نسمات محمّلة برائحة الصنوبر والمطر والأرض. أنتشي قليلاً. لكنّ هذه النشوة بدأت تتلاشى بعد لحظات من دخولي ذلك الممر الحلزوني الرهيب متوجّهاً نحو قاعة المحاضرات. أبدو عصبيا ومنفعلاً .. أوبّخ أول طالب أصطاده لغلطة بسيطة .. أبدأ الدرس مسرعاً، ولأجل أن أعلّمهم طريقة الحفر على الخشب أمسك بالسكاكين وأبدأ بحفر نماذج أمامهم .. الانفعال يساعدني فأحفر بقوة وعصبية لكن بإتقان. تدهشني النتائج وتعطيني قليلا من الراحة والرضى. من طرف خفيّ أرى الطلبة في حالة إعجاب عميق .. ومن بين هذا الحشد أخذت تأتيني نسمة خريف، لكنها من مكان بعيد، بعيد جداً هذه المرة”.
مع شديد الأسف بدأت مظاهر الانكماش والابتعاد عن المبدعين العراقيين عموماً تظهر منذ الشهور الأولى لذلك الوجود المكثّف للكفاءات العراقية الذي كان يتنامى بسرعة كبيرة. وفي الوقت الذي تشبّث فيه الإداريون بهذه الطاقات بدأ الممارسون يتحسّسون منها. ذلك ما دفع خيرة من التحق من الكفاءات العراقية إلى السعي إلى طلب الهجرة والمغادرة تدريجياً. كنا نرى حشوداً من العراقيين يصطفّون ساعات أمام مكتب الأمم المتحدة للجوء والهجرة. وشهدنا حالات غريبة في جرأتها لهروب الشباب العراقيين إلى عمّان (كانت الموافقة على سفرهم تتطلب دفع مبلغ ضخم). ففيهم من قطع البادية مشيا لتحاشي نقاط العبور بين العراق والأردن. بل لجأ الكثير من هؤلاء الشباب لاحقا إلى الاستعانة بالمهربّين للانتقال من عمّان إلى مناطق شتى في العالم. أعتقد أنه لم يبقَ مكان في العالم يخلو من مهاجرين عراقيين.
كانت السنة الأولى من إقامتنا مرحلة توافق مع المكان والناس في السلب والإيجاب. ومما هوّن علينا وجود أصدقاء عراقيين وأردنيين في عمّان وإربد. لقد ازددت اطمئناناً وارتياحاً بانتقال أخي نمير وعائلته إلى عمّان بعد أن حصل على عمل في ديوان سموّ الأمير الحسن بن طلال لمؤهّلاته العلمية وتخصّصه بالتاريخ الإسلامي إذ يحمل شهادة شرف من SOAS كلية الدراسات الشرقية في جامعة لندن.
بدأ رافع يعاني من افتقاره إلى مساحة ملائمة للرسم. قررنا استئجار شقّة في عمّان نمضي فيها إجازة نهاية الأسبوع وغيرها من الإجازات. اهتدينا إلى شقّة جميلة في جبل عمّان وأصبحنا نمضي فيها نهاية الأسبوع. استعاد رافع نشاطه وبدأ يعمل على تحضير معرض مشترك مع الفنان علي طالب في قاعة تابعة لمؤسسة عبد الحميد شومان في الشهر الخامس من العام 1992. شهد الافتتاح جمهوراً واسعاً جلّه من العراقيين المقيمين في عمّان وترك صدى مؤثّراً في الأوساط الثقافية.
تباعاً بدأ الكثير من العراقيين عامة والشباب بشكل خاص يتوافدون إلى عمّان للخروج من العراق المحاصر والبحث عن ملاجئ في العالم. لقد أحدث وجود المبدعين العراقيين ومبادراتهم نشاطاً في الحياة الثقافية والفنية في عمّان. ففضلاً عن المعارض الفنية النخبوية التي أقيمت خلال النصف الأول من حقبة التسعين، كثرت الأمسيات الشعرية والحلقات النقاشية والمحاضرات التي كانت تقام في كلّ من المتحف الوطني للفنون الجميلة والمركز الثقافي الملكي ومؤسسة عبد الحميد شومان ولاحقاً في دارة الفنون عند إقامتها في 1993. في السنتين الأوليين لهجرة الفنانين العراقيين سعى كل من المتحف الوطني للفنون بمبادرات الفنانة الأميرة وجدان ومؤسسة شومان بمبادرات الفنانة سهى شومان لاستثمار هذه الفرصة بإقامة النشاطات الفنية، فاستعانت السيدة سهى بالفنان الأستاذ شاكر حسن آل سعيد لتنظيم برنامج ثقافي أسبوعي على مدى ستة أشهر في 1992 جمعت حصيلته فيما بعد بكتاب عنوانه “حوار الفن التشكيلي”، فضلا ًعن استضافة مؤسسة شومان لمعارض مدهشة في السنة نفسها شخصية وجماعية لشاكر حسن وهيمت محمد علي ورافع الناصري وعلي طالب ومحمد مهر الدين وإسماعيل فتاح.
على امتداد حقبة التسعين من القرن الماضي توالى مجيء العراقيين من أصحاب الكفاءات إلى عمّان للإقامة والعمل أو للهجرة إلى الدول التي فتحت أبوابها عن طريق الأمم المتحدة. كان بينهم فنانون وشعراء وأساتذة من أجيال مختلفة، والكثير من جيل الثمانين اتخذوا من عمّان قاعدة للتوجه فيما بعد إلى مناطق مختلفة من العالم أسوة بمن سبقهم من زملائهم. بعض هؤلاء أمضى سنوات تتراوح بين الثلاث إلى ما يزيد على العشر في عمّان قبل أن يهاجروا. كان كل منهم يبحث عن مستقبل أفضل وتدريب فني أكثر احترافاً وهو ما لم يكن بالإمكان تحقيقه آنذاك في بلد محدود النشاط والتجارب كالأردنّ. لقد جاء الشباب يحملون طموحاتهم وأحلامهم -التي كادت الحروب تجهضها- للبحث عن منافذ أخرى. كان من بين هؤلاء عدد من طلاب رافع في معهد الفنون الجميلة وجدوا فينا ملاذاً بقدر ما وجدنا فيهم رفقة بعد أن أصبحوا أصدقاء لأستاذهم.
هكذا انتعشت ساحة الفنون التشكيلية في عمّان بشكل غير مسبوق كما انتعشت سوق الفن بتدفّق سيل من الأعمال الفنية العراقية التي طغى على معظمها الطابع التجاري إلى جانب الأعمال المزوّرة لكبار الفنانين، مع تسريب أعمال فنية مهمة سرعان ما كانت تكمل مسارها إلى الخليج. ولم تخلُ الساحة الفنية من مبادرات جادّة لتأسيس قاعات فنية كان أبرزها افتتاح قاعة فنية خاصة في 1992 من قبل رجل أعمال من محبّي الفنون باسم “أبعاد” تولّى إدارتها الفنان الشاب محمود العبيدي وتخصّصت بعرض المنتقى من أعمال الفنانين العراقيين والأردنيين. تبعتها مبادرات مماثلة لإقامة قاعات فنية متفاوتة في مستوياتها الفنية كان في طليعتها “قاعة الأورفلي” التي سرعان ما غدت بيتاً للعراقيين ونشاطاتهم المتنوّعة. وفي مطلع الألفين تأسّست قاعات ذات مستوى فني مثل “قاعة أربعة جدران” للسيدة ماجدة المعشر، وبعد إغلاقها تأسّست “قاعة نبض” بإدارة منى ديب ونادية زخريا وهي من القاعات الخاصة المرموقة، وتوالى تأسيس قاعات أخرى.
تزامنت مع النشاطات الفنية فعاليات ثقافية أبرزها افتتاح مقهى في الجاردنز باسم “الفينيق” شرع بإعداد برامج ثقافية ومحاضرات متنوعة واستضافة المبدعين العراقيين بإشراف الشاعر الفلسطيني خيري منصور الذي أمضى سنوات طويلة في بغداد. وسرعان ما تحوّل المقهى إلى بؤرة وملاذ للفنانين والشعراء العراقيين يتحلّقون حول الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي اتخذ من المكان مقرّا .
في خريف 1993 تم افتتاح دارة الفنون من قبل الفنانة القديرة سهى شومان لتكون بيتاً للفنون العربية ومتحفاً لمجموعة الأعمال الفنية العربية الخاصّة لرجل الأعمال خالد شومان وسهى. ذلك ما وفّر للمؤسسة فضاء جميلاً لإقامة معارض منتقاة للفنانين العرب. من بين المشاريع الأولى لدارة الفنون إقامة محترف خاص لفن الحفر والطباعة (غرافيك) وهو المشروع الذي كان للأميرة وجدان- رئيسة الجمعية الملكية للفنون الجميلة- رغبة في تأسيسه في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة وفاتحتْ رافع بالفكرة عندما دعته لإقامة معرض شخصي في 1981. ثم أصبح تحقيق الفكرة ممكناً بعد مجيء رافع إلى عمّان وإقامة دارة الفنون بفضائها الواسع واتّفاق الدارة مع الجمعية الملكية نظراً لضيق مساحة المتحف، وهذا ما أوقد الروح في فن كان يعاني من شبه غياب في الأردن، تولّى رافع الناصري تهيئته ووضع شروط العمل فيه واستقبال الفنانين الراغبين بممارسته مع الإشراف عليه على مدى سنتين.
في الوقت ذاته وجد الفنانون العراقيون لاسيّما الشباب منهم مجالاً للتعاون في تحقيق مشاريع فنية حديثة كانت السيدة سهى تطمح لتحقيقها. ومن بين هؤلاء الفنانين نديم كوفي وهيمت محمد علي وسامر أسامة وحليم كريم الذي منحته الدارة ركناً صغيراً في الموقع لإنتاج أعماله الفخارية سمّاه “دكّان الخزعبلات”. لقد أصبحت الدارة ملاذاً جميلاً لنا وللشباب العراقيين من الرسامين والأدباء بفضاءاتها الرائعة ومكتبتها المتخصصة وبرامجها الفنية الحيوية وغدا المحترف متنفّساً لرافع فأنتج فيه أعمالاً رائعة.
كان من أهداف دارة الفنون نشر الثقافة الفنية بتوفير الكتب والمراجع الحديثة فضلاً عن الدوريات مع مكتبة أفلام فنية تَقرّر إقامة برنامج نصف شهري فيها لعرض أفلام فنية عن تاريخ الفن الأوربي ومراحله على مدى العصور. طلبت مني السيدة سهى تولّي هذه المهمة. كانت الأفلام المعدّة إعداداً علمياً رصيناً ناطقة باللغة الإنجليزية. ولتيسير إيصالها إلى الحاضرين كلّهم كنت أعمل على ترجمة السناريو ورفده بنبذة عن المرحلة الفنية والتعريف بالفنان مع شرح التفاصيل التي ترد في الفيلم. كانت الاستجابة رائعة وكنت ألاحظ ازدياد الحضور في كل مرة خلال الأشهر التي تولّيت فيها المهمة قبل أن تناط بآخرين. لم ينقطع التعاون بيننا وبين المتحف ودارة الفنون قطّ.
مع تلك النشاطات جميعها بقي رافع غير مرتاح للوضع الذي وجد نفسه فيه وظلّ توّاقاً لحرية العمل التي لم يستمتع بها كثيراً. ففضلاً عمّا كان ينجزه من أعمال كبيرة على القماش في بيتنا العمّاني بدأ يكثر من رسم الأعمال الصغيرة في إربد مستغلّاً كلّ فسحة وقت يجدها،كما صار يكثر من رسم تخطيطات بالأبيض والأسود أو بالأقلام الملوّنة لأجساد نساء، وغالباً ما كان يخفيها.
يكتب رافع في يوميّاته:

الجمعة 13-3-1993
“في حجرة لا تتجاوز أبعادها بضعة أمتار أدور حول نفسي ضجراً فالمساء خانق بأصوات الريح والزجاج المرتطم والتلفزيون، وصوت الداخل الصارخ: ماذا تفعل في هذه الزاوية من العالم البعيد؟ أحسُّ ببعدي عن كلّ إنسان ومركز إنسانيّ .. كلّ شيء بعيد في الذاكرة والروح.. لم يبق أمام عيني إلّا جدران ملساء ونافذة صغيرة يطلّ العالم المزيّف من خلالها.. أرسم في ضوء النهار، وعند الليل تقلّ الرغبة في معاينة اللون والأشكال. أهرب إلى الرسم بالأبيض والأسود وتلاحقني أجساد النساء فأرسمها لكنّها ليست ما أريد وأعرف أنّها لهوٌ ليس إلّا. إنّها الرغبة باقتناص الإعجاب بالفعل القديم، بل هي طمأنة بأنّ الخط ما يزال قويّاً وأنّ اللون ما يزال طريّاً كما كان. ولا تكفي هذه الانشغالات فالوقت طويل والزمن البطيء هذا قاتل وغير إنسانيّ/ الكتابة اليومية قصيرة و -دائماً- مقطوعة فمذكّراتي ليس فيها الاسترسال لأنّ مفردات الحياة قليلة وغير مثيرة. إنّني كشجرة مقطوعة لا تستعيد أغصانها الجديدة ما لم تكتمل تربتها وتستعد سقيها وتتنفّس هواءها من جديد… أو تعود إلى شكلها الأول”.
أمضينا في الأردنّ سبع سنوات. في البداية كان رافع يؤكّد لطلابه أنّه لن يطيل البقاء أكثر من عام واحد، ومع نهاية كل عام يأتينا النصح من الأصدقاء والأهل بالبقاء لتردّي الأحوال المعيشية في الوطن. بعد إحدى زياراتنا إلى بغداد يكتب رافع مودّعاً بيتنا الجميل والمدينة الأثيرة:
بغداد 27 كانون الثاني 1992
“أودّع الوالدة الحاجّة ظهر اليوم وتلمع عيناها بالمحبة والدعاء. الفراق أسهل هذه المرة. في المرة السابقة تساءلت: لماذا تسافر وتترك الأهل والدار والوطن؟ أجبتها: الوطن دائماً في القلب كما أنتِ. في المحترف نودعّ الكثير من الأصدقاء والأحبّة. الكلّ تجمّع وكأنّنا في افتتاح معرض. المحبّة كنز لأمثالنا”.
مرّت السنوات ورافع يتنقّل بين التدريس والعمل الفني مع مشاركات هنا وهناك، ما كان بإمكاننا السفر إلّا بدعوات رسمية. شاركنا معاً في مهرجان أصيلة لسنتين متتاليتين ثم أقام معرضاً شخصياً في بيروت خريف 1993، وكان لنا آنذاك لقاءٌ محزن مع المدينة الحبيبة المدمّرة بعد انقطاع ما يقرب من عشرين عاماً. في 1995 اختير رافع للمشاركة بلجنة تحكيم (ترينالي النرويج لفن الغرافيك) وأمضى أسبوعين في فريريدكشتاد.
من جانبي أصبحت أنظّم وقتي وأخصّص ساعات الصباح للعمل في الدار والتردّد على مكتبة الجامعة. استطعت أن أنشر مجموعتي القصصية الثالثة “نصوص في حجر كريم” وديواني الثالث “ليليات” وأعدت طباعة ترجمتي لكتاب “حياتي مع بيكاسو” الذي كان قد صدر في بغداد بطباعة رديئة ومليئة بالأخطاء لعدم مراجعته وآلمني جدّاً أن تنهال عليّ الصحافة العراقية بالتشكيك بقدراتي. ومما زاد من حرجي أنّ الكتاب لاقى ترحاباً من القرّاء كما لمست ذلك في زيارتنا الأخيرة لبغداد 1995، حيث كان الشباب في شارع المتنبي يقدّمون لي الشكر أينما سرت، فقرّرت إعادة طباعته في عمّان. في هذه الأثناء كنت أتردّد على مكتبة المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية حين أكون في عمّان للاطلاع على كتب تبحث في جماليات الفنون الإسلامية التي كنت أبحث فيها لاستكمال دراسة تاريخ الفن في العراق. كان ذلك بعد حصولي في 1990 على قبول من الكلية الملكية للفنون الجميلة في لندن لإعداد أطروحة حول تاريخ الحركة الحديثة في العراق مع ربط التاريخ الحديث بالقديم والبحث عن خيوط تربط الحركة الحديثة الخلّاقة بجذور الحضارة العريقة. كنت قد حصلت على قبول لتقديم الدراسة تحت إشراف البروفيسور كيث كريتشلو شرط أن أجد تمويلاً لدراستي. حال انتقالنا إلى عمّان كتبت للأستاذ المشرف فأكّد لي أنّ قبولي قائم وعليّ إيجاد التمويل. لكنّنا مع الأسف لم نعد قادريَن على الإيفاء بشرط تحمّل نفقات الدراسة التي كانت بالأساس فوق قدرتنا ناهيك عن أنّنا فقدنا كلّ ما كان بحوزتنا نتيجة انهيار العملة. من حسن حظي أنّني لجأت إلى العالم القدير عبد العزيز الدوري وطلبت منه توجيهي لمواصلة البحث. كان الدوري متابعاً للفن وصديقاً مقرّباً من حافظ الدروبي وهو أول من أنشأ مراسم حرّة في الكليات العراقية بدءاً من دار المعلمين العالية –كلية التربية- حين كان عميدها وكان جواد سليم يشرف على المرسم، ثمّ في كلية الآداب والعلوم بإشراف حافظ الدروبي ثمّ في كلية الملكة عالية بإشراف خالد الجادر. غادر الدكتور الدوري العراق بعد انقلاب 1968 فاستقبلته الجامعة الأردنية وظلّ يعمل فيها حتى وفاته في 2010. طلبت من الدكتور الدوري مساعدتي على إنجاز دراسة منهجية موجزة، وبدأت أراجعه وأكتشف روعة العمل مع أستاذ يكتفي بمنح مفاتيح أساسية لا في طريقة البحث فقط وإنّما في تفاصيل اللغة أيضاً فيجعل الباحث يجتهد كثيراً ليحصل على كلمة “جيّد” أو “لا بأس” التي تعني الكثير جدّاً إذا ما نطقها عالم مثله. كان هو من أرشدني إلى مكتبة المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية وكان واحداً من أمناء مجلسه. واظبت على التردد إلى مكتبة المجمع والتقيت هناك بعلماء كبار، وكان أن طلب مني رئيس المجمع آنذاك الدكتور ناصر الدين الأسد أن أعمل بدوام جزئي معهم فتهيّأت أمامي فرصة أخرى لإضفاء المزيد على تجربتي الأدبية بالعمل مع أديب وباحث كبير. في عمّان استعدت صلتي بالأستاذ الكبير إحسان عبّاس وأصبحت أزوره بين حين وآخر.
تعود معرفتي بالدكتور ناصر والدكتور إحسان عبّاس إلى 1965 في أثناء انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في بغداد. ثمّ مكّنني عملي في المجمع من العمل مباشرة مع الدكتور ناصر الذي كلّفني بجمع دراساته وإصدارها في ثلاثة كتب كان آخرها عن الأدب الفلسطيني في النصف الأول من القرن العشرين وكان الأخير تجربة شاقّة إذ كان عليّ جمع ثلاثة كتب وحذف ما جاء من تكرار وتوحيدها في مجلّد.
واصلنا حياتنا في الأردنّ وبنينا حياتنا الاجتماعية. كنا في البداية نذهب إلى بغداد في الإجازات لزيارة الأهل والاستمتاع بالسكن في دارنا واستقبال الأصدقاء. في السنوات الأولى من الحصار كثرت السرقات التي تطال الدور والسيارات بشكل أساسي. وأصبح الناس يتفنّنون بحماية دورهم وسياراتهم إلى حدّ أنّ أحدهم وضع سيارته فوق سطح الدار. كنا قد أمّنّا سيارتنا في مرآب دار والدي وكانت من نوع (تويوتا سوبر صالون) المرغوبة جداً من قبل السرّاق، وبعد تفاقم الحالة واللجوء إلى العنف قرّر رافع بيعها.
في مطلع 1994 أخبرتني والدتي أنّ دارنا سُرقت وأنّ السرقة طالت الثمين من الحاجات البيتية لكنّ المكتبة والأعمال الفنية لم تمسَّ. حمدنا الله أنّ الجريمة الثقافية لم تكن من اهتمام السرّاق. في حقيقة الأمر لم نهتم كثيراً لما فقدنا فالخسائر التي تعرّض لها العراقيون ودفعوا أرواحهم أحيانا ثمناً للحفاظ على مالهم جعلتنا نحمد الله على سلامة ما نجا ومن نجا.
في زيارتنا التالية إلى بغداد وضعنا الدار بعهدة حارس اقترحته علينا صديقة كانت تعرفه وتستعين بخدماته في تنقّلاتها بسيارة الأجرة التي يملكها كما كانت والدتي أيضا تستعين به. كان ليث رجلاً مهذّباً انفصل عن زوجته فأصبح وحيداً وبحاجة ماسّة إلى مكان يؤويه. كان لدارنا خصوصيتها في التصميم والمحتوى ولم يكن بوسعنا أن نترك أي شخص آخر يتصرّف بها. لذلك بنينا للحارس سكناً في المرآب وزوّدناه بكل ما يحتاج إليه مع تحمّل مصاريفه فضلاً عن راتبه الشهري. وسعدنا حينها عندما وجدنا ارتياح جيراننا له. يرد الحديث عن مصير الحارس المفجع في فصل آخر من الكتاب يحمل عنوان “بيتنا”.
بعد سنتين وفي الشهر الخامس من 1995 تلقّينا نبأ وفاة والدة رافع في دار العائلة في القادسية حيث كانت برعاية شقيقه الأصغر معاذ وعائلته. كان ألم رافع مضاعفاً؛ لفقدها أوّلاً ولعدم تمكّنه من رؤيتها قبل وفاتها، وظلّ فراقها يرافقه بحزن ولوعة. بل كان هذا الفقدان سبباً لفتور همّته بالذهاب إلى بغداد فضلاً عن أنّ زيارة بغداد أصبحت أكثر صعوبة بعد انتقالنا إلى البحرين، إذ كان علينا أن نأتي إلى عمّان ومن ثم نسافر برّاً إلى بغداد في الصيف القائظ. لكننا كنّا نستمتع بما يصلنا من خير تمر دارنا (والمنگه/مانغو).

*فصل مجتزأ من كتاب: سيرة الماء والنار – أنا ورافع الناصري

Leave a Reply