مع سابق الإصرار

اللوحة والقصة: لبنى ياسين

ما حدث أنّهم وجدوني مقتولة..هكذا..دون أيّ مقدّمات، ومن باب العلم بالشيء فقط أخبرك بأنّها لم تكن المرّة الأولى التي يجدونني فيها كذلك!
لا أعرف كيف قُتلت أو لماذا، لكنّني- بأيّ حال- قُتلت.هذا ما حدث فعلاً، واسألْهم إن لم تصدّقني.
كفَّ عن التّململ يا هذا، فما أنا أعلم منك بما جرى. ربّما عليك أن تتوقّف عن قراءة هذه التّرّهات فوراً فلن تجد فيها ما يعجبك. هي ليست مذكّرات امرأة عاقلة أو جميلة أو مثيرة أو حتّى مجنونة. لست سوى امرأة مسلوبة القوّة حتّى النخاع، ولن تقودك قراءة ما أكتبه من يدك إلى حيث تدغدغ عواطفَك الكلمات وتمنحك شعوراً دافئاً بالرّضا عن رجولتك السّاذجة.
أنت أصلاً لست معنيّاً بكلّ ما حدث. كفَّ عن الاعتقاد بأنّك محور الكون، فلو كان للكون محور لكان امرأة، فهي بحسب التّرتيب الطّبيعيّ لما خلق الله – والّذي يسير من الأدنى إلى الأرقى كما تعلم- وحسب المادّة التي خُلِقتْ منها، المخلوق الأكثر رقيّاً على الأرض. الأكثر من هذا أنّ العوج الّذي يعتريها يأتيها من ضلعك الأعوج، فأنت إذاً أصل الاعوجاج يا صديقي.

ما أعوجك يا هذا! ما أعوجك! ألا ترى أنّ كلّ إناء ينضح بما فيه؟
أحاول الآن الهرب منك، أحاول أن أتذكّر ما حدث ليلة البارحة.
كأيّ ليلة وككلّ ليلة، أويت إلى فراشي. كانت الوحدة تنهش روحي نهشاً، وكان في أعماقي خوف شديد يغرس أنيابه في قلبي، وعلى الرّغم من أنّني كنت أشعر بالنّعاس فقد كنت- أيضاً- أخشى الاستسلام للنوم. بصيغة أدقّ، كنت أخشى الاستغراق بالنّوم لئلّا يباغتني الكابوس إيّاه – ككلّ ليلة -ويجثم فوق أنفاسي.
في لحظة ما، وفجأة دون سابق إنذار باغتتني شجاعة لم أعهدها في نفسي، استيقظ عنادي من ثباته وقرّرت أن أنام ملء جفوني وأن أقتله إن حاول الإقتراب مني فيما أنا أغطّ في نوم عميق.
لن يعبث معي ثانية، لن أسمح له. مخدعي خطّ أحمر لا يمكن له أو لأيّ مخلوق غيره تجاوزه أو اجتيازه، لا يمكن لأيّ كائن أن يرتكب تلك الحماقة دون أن أقتله، فقد اكتفيت. اكتفيت من كلّ اللّيالي السّابقة، من الأرق، من الخوف، من الألم، من الضّعف ومن الخنوع، اكتفيت من كلّ شيء، واللّيلة ..اللّيلة تماماً ستنتهي إمّا بموتي..أو بموته.
وضعت رأسي على الفراش – فأنت تعلم أنّني -بأيّ حال- لا أضع رأسي على مخدّة كسائر البشر- وربّما ..أقول ربّما هذا هو سرّ شعوري الشّديد بالوحدة كلّما أويت إلى فراشي. أغلقت عينيّ فاستيقظت حواسّي جميعها في لحظة واحدة، أصبحت جميعها في حالة طوارئ وترقّب دقيق لكلّ ما حولي، حالة لا أُحسَد عليها بأيّ حال.
وبينما بدأت أغطّ في نومي بدأت حواسّي تتصيّد اقترابه منّي. كان يقترب بحذر شديد محاولاً تقصّي مدى استغراقي في سبات يستغلّه لصالحه، تغيّرت دقّات قلبي وشعرت ببرودة تسري في أطرافي وعرفت أنه أصبح قاب زفيرَين وشهيق منّي، شعرت بأنّه متخفٍّ في الظّلام يتربّص بي، ككلّ يوم.
كانت أعصابي ترتجف من شدّة الخوف ومن هول التّرقّب، ركبتاي بدورهما لم تتوقّفا للحظة عن الاصطكاك، أنفاسي، أصابع يدي، كلّ شيء فِيَّ صار في قمّة التّوتّر. بدأت أشعر بثقله على صدري على الرّغم من أنّني ما أزال عاجزة عن رؤيته، أردت الصّراخ، وككلّ ليلة ذاب صوتي، تلاشى، تمزّقت حنجرتي من وطء مخاض صرخة خوف وأدَها الخوف ذاته.
صرت أتحدّث مع نفسي دون صوت: ما بك يا امرأة؟ قومي، ثوري، اصرخي، استيقظي، واغرسي أصابعك في عينيه، افعلي شيئاً، افعلي أيّ شيء، لا تستسلمي. لكنّ أطرافي الباردة حدّ الصّقيع كانت مشلولة، كلّ شيء فِيَّ كان مشلولاً ما عدا عقلي، عقلي الّذي كان يعمل بسرعة الصّوت دون ضجيجه.
جثم بكلّ ثقله فوق صدري، صرت أشعر بكلّ تفاصيله، صرت أراه، أدرك بشاعته، برودته، وخشونته، أحاول أن أوقظ نفسي فلا أستطيع، أريد أن أبعده، أن أقتله، أن أمزّقه بأظافري، لكنّني عاجزة حدّ الموت، عاجزة عن تحريك إصبع واحد من كفّي، مشلولة تدرك الألم ولا تدرك الحركة.
وكأنّه شعر بمقاومتي الخفيّة له فأطبق بقوّة على أنفاسي حتّى شعرت بأنّني فقدتها نهائيّاً فشهقت بقوّة لأسترجع نفَساً كاد أن يكون آخر أنفاسي لولا لطف الله.
طال العراك الخفيّ بين جسد مشلول وعقل يتحرّك بسرعة مخيفة وبينه، طال حديثي الصّامت مع نفسي، تقريعي لها، محاولتي لإيقاظها بأيّ طريقة، لكنّها خذلتني بتخاذلها المفجع وتركته  يربح المعركة. ككلّ مرّة ربِحَها وخسرت، لم يربحها بتفوّقه أوبذكائه لكنّه انتصر بذلك الضّعف الّذي يهيمن عليّ كلّما اقترب منّي أكثر.
استيقظتُ وهم يعلنون موتي للمّرة الألف وأنا أعلن أنّني سأقتل هذا الكابوس للمرّة الألف أيضاً، لكنّني هذه المرّة متأكّدة من انتصاري. فغداً اللّيلة الأولى بعد الألف…وأنا شهرزاد.

Leave a Reply