I have a homeland on whose shoulders I wish to die ~ ولي وطنٌ أشتهي أن أموتَ على كتفيه

.. And become a rivulet of patience running towards it”

Three Poems in Arabic by Iraqi Poet Abdul-Mon’im Hamandi
Foreword by Zaid N. Mahir

Painting: Afifa Laibi
At a personal invitation from our periodical, Whispering Dialogue, well-known Iraqi poet Abdul-Mon’im Hamandi contributed three poems to this special dossier on the 30th anniversary of the war on Iraq known as Operation Desert Storm. In these poems, Hamandi draws a picture of a country devastated by a ruthless war and a people undergoing what seems to be an eternity of pain and loss. The war that an alliance of world powers waged against Iraq in the name of liberating Kuwait did not end when the fighting ended in the spring of 1991: it continued in the form of equally ruthless economic sanctions that made life for millions of Iraqis incompatible with life. In many of the poems he wrote during the 1990s and later, Hamandi captures—in vivid language and well-wrought imagery—the impact of the war and sanctions on Iraqi society: he does that in a distinct voice, the voice of a full-blooded poet writing on behalf of his fellow countrymen.
Later, when the United States invaded Iraq in 2003, all hell broke loose. In a few years, with the rise of reactionary forces and sectarian terrorism, the country would soon descend into a sectarian strife tearing apart the social fabric of Iraqi society and threatening to become a full-fledged civil war under the eyes and ears of the occupier. Living in and writing from Baghdad, Abdul-Mon’im Hamandi engages with the new conditions of life under occupation, pursuing what seems to many of his insightful readers and critics a deliberate interrogation of a tragic reality prolonged by a vicious twist of fate.
The serious threats to Iraq, internal and external alike, have continued to this day, a decade after the United States withdrew most of its forces from the country. These threats, existential and overwhelming, do not escape Hamandi who writes, in the three poems he has contributed to this dossier, as in many of his engaged poems, of the senseless suffering of a people left to fend for itself with no end to the suffering in sight. In these poems, Hamandi appropriately highlights the virtues of patience and resilience that characterise the people of Iraq, as the country walks a path, a tunnel, at the end of which there is no light. The three poems bear thought provoking titles, as befits the poet’s purpose: “The Sidra of Patience,” “The Arch of Patience,” and “Engraving on an Iraqi Obelisk.”

…وأغدو غديراً من الصّبر يجري إليه”

ثلاث قصائد للشاعر العراقي عبد المنعم حمندي
تقديم د. زيد نعمان ماهر

لوحة: عفيفة لعيبي

في الذكرى الثلاثين لحربِ عاصفة الصحراء، الحرب التي دمّرت العراق بذريعة تحرير الكويت، وبدعوةٍ من دَوريّتنا “هَمْس الحوار” أرسل الشاعر العراقي عبد المنعم حمندي ثلاث قصائد يُصوِّر فيها جوانبَ من الوَجَع العراقي العميقِ المستمرّ منذ ثلاثين عاماً. فالعراق الذي استهدفته دولٌ كبرى وأخرى إقليمية يَظهرُ في شعر حمندي وطناً مثخناً بالجراح يحلمُ بالتعافي ولا يملِكُ سوى صَبر أبنائِه على الضّيم ونضالِهم للعيش الآمن المطمَئنّ. فالقوى التي حاصرت العراق ثم حاربَته بجيوشها لم تكتفِ بتدميره في حربٍ لا تكافؤ فيها وإنّما أمْعنت في إيذائِه والتنكيلِ به في حصارٍ طويلٍ أعقبه غزوٌ واحتلال وضع شعباً بأكملهِ في مهبّ الريح. وتلك هي اللوحة التي يرسُمُها الشاعرُ في قصائدهِ الثلاث: “سِدرةُ الصّبر” و”قوسُ الصّبر” وكلتاهما من ديوان (طوافٌ في ناي) أمّا “الحفرُ على مسلّةٍ عراقية” فكتبها الشاعر قبل انقضاء عام 2020 ببضعة أسابيع. وإنني إذ أقدّمُ هذه القصائد إلى قرّاءِ هذا العدد من “هَمْس الحوار” أستعيد بعضاً ممّا قلتُه في شعر عبد المنعم حمندي في عددٍ سابقٍ:
الشّاعر عبد المنعم حَمَندي في مقدّمةِ شعراء الوطن الّذين تسكنُ بلوى العراق شعرَهم ولا تفارقُه، حتى ليُخيَّلَ لقارئه أنّ العراق الجريح يتنفّس في قصائده ألماً وصبراً. ويَظهرُهذا لا في خِطابهِ الشعريّ ونبرةِ صوتهِ حسب بل يتعدّاه إلى صُوَرهِ الشّعريّةِ وبنيةِ قصائده وتفعيلاتها وموسيقاها.

 

سِدرةُ الصَبرِ

ما بينَ ليلِ الصابرين

وبينَ قلبي أبتني جسراً

وأسمحُ للرُّصافةِ أن تُسرِّحَ شعرَها

للّيلِ  والشُعراءِ،

تبتعدُ الرُّصافةُ

والمَها أعَمىٰ .. أجل .. أعمىٰ أنا

بل أعمَيانِ الجسرُ والنايُ القديمُ

وأنامُ في نايٍ

وأهبطُ عابراً للكرخِ

ملتجئأً الى ليلٍ  وأُغنيةٍ حَزينة

فلربَّما انزاحَ السوادُ

تلألأتْ

أنثى القِبابِ الخُضرِ

واحتفلَ المَهَا

بالجسرِ

والذكرىٰ السجينة

بيني وبينكمُ دمي ـ نزفُ الحَمامْ

نزفٌ لبغدادَ استقام

ودقَّ بابَ الله

أطلقَ صرخةَ الموتىٰ وقامْ

لَمْ يستجبْ للبحرِ  والصحراءِ أو

لم يستجبْ للقادمين من الظلامْ

أسلافُنا جاؤوا إلينا

حاسرينَ  وشاهرينَ سيوفَهمْ

جاؤوا من الصحراءِ

والفُصحىٰ

ومن غَمد الحروبِ

فتحوا الضحى في اللّيل نافذةً لنا

واستنفروا الأقمارَ في قلقِ الغُروبِ

كِدنا نموتُ  ولم نَمُتْ

كدنا نموتُ

وقد وُلدِنا مرَّتين

من الحروبِ
…..

لا صوتَ إلّا صوتُنا

لا ظِلَّ إلّا ظِلُّنا

حشدٌ من الأبرارِ يَصعدُ للسماءْ

كدنا نموتُ  ولم نَمُتْ

قاماتُنا هذا النخيلُ

وصوتُنا هذا الفضاءْ

دارت بنا الأيامُ دورتَها

ولم تُجدِ الرحىٰ

حتى قطفنا ما نشاءْ

كِدنا نموتُ

ولم نَمُتْ

ولقد حفَرنا لَحدَنا

بُرجاً

علىٰ

صدرِ

الهواءْ
….

يا أيُّها الفجرُ الذبيح

حمّلتني ما لا أُطيقْ

ومنحتني رمقَ الغريقْ

حطباً  ونارْ

حتى إذا انبلجَ النهارْ

واسيتني بالصبرِ

والحِكَمِ العتيقة

وغبارِ أرديةِ الحصارْ

وكأنَّ هذا العمرَ غصنٌ يابسٌ

أو قاربٌ

في اليمِّ يبحثُ عن فنارْ

….

يا أيَها الفجرُ الذبيحْ

لَرُبَّما أغويتني

ورسمتَ لألأةَ الوهادِ

حَدِّقْ تَرَ الأبوابَ مُشرعَةً

ونابَ الجوعِ يَحتلبُ الحصاةَ

وصيَّرَ المرآة

سيدةً تُصلِّي للبلادِ

شَهقتْ وَعزَّزتِ الدعاءَ

بلوعةِ الثديِ المُعفَّر بالرمادِ

كي يحفظَ اللهُ العراقَ

من الأعادي

….

لدمِ الربيع يقطَّعُ الوطنُ

المكَبَّلُ ساعدَيهِ

الجوعُ يخنقُهُ

ويفرضُ ثقلَ صخرتِهِ عليهِ

….

لأكادُ أسمعُ

في دبيبِ النملِ جُرحي

غطّيتُهُ بالياسمينْ

وبالأنينْ

يذوي… ويشعلُ في بيوتِ الصابرينْ

شمعَ الحنينْ

….

أفعى تُعشِّشُ في البيوت

والصابرون المُرغَمون

علىٰ السكوتْ

الكاظمونَ شجونَهم… يتجوهرون

تتجوهرُ الأحزانُ في أحداقهم

يتجوهرُ الشجنُ الجريءُ فصاحةً

والأمنياتُ البيضُ

تسألُ في خفوت:

هل ننحني للموتِ

مثل العنكبوت؟

أنموتُ؟

نحن الموت

نحيا

لن نموت!

قوسُ الصبر

خيولٌ من النارِ تجري بصحراءِ روحي

تُثيرُ غُبارَ الظما في جروحي

فيلغي مداها السرابُ

ألوذُ بصمتي

وأكظمُ غيظي

وجرحيَ عصفٌ وغابُ

فلا النجمُ في الليل يعشو

ولا الدمعُ يطفي الرزايا التي في النفوس

ولا يستطيع السحابُ

فهل ينجبُ الصمتُ ثرثرةً من شفاهِ الليالي؟

وهل تستسرُّ الشفاهَ الرقابُ؟

وهل تسمعُ الريحُ غيرَ اصطباري؟

وغيرَ احتجاج النوافذ…

غير صداها يعرّشُ فيه العذابُ؟

وإنّي انتظرتُ…

ولملمتُ جُرحي وقلتُ: برغم احتراقي

سأدعو الخيولَ التي ما استناختْ

وأدعو الأكفَّ التي ما استكانت

وأدعو اشتعالَ الرؤى والمآقي

وأدعو الصحارى

وأدعو المطرْ

وأدعو النساءَ النساءَ

وأدعو الرجالَ الرجالَ

بأقباسِ شوقٍ تقدُّ الهلالْ

ليرقى بلالْ

قِبابَ الضحايا

وينشرَ صوتَ الدماءِ

على كل مئذنةٍ واحتفالْ

ويأتي أبو ذرَّ يوماً

لجني الغِلال
بنوداً من الثأر عملاقةً للوثوبِ

تقرُّ اخضرارَ اليباب إذا الفجرُ سالْ

ولولا جموحك يا قلبُ

لم يبقَ إلا رمادٌ لمجدٍ قديم

وبؤسٌ يوزّعُ أشلاءنا للنصالْ

تقحّمْ.. فلم يبقَ في القوس من منْزعِ

هنا سدرةُ المُنتهى

تفلُّ ضفائرَها للرياحْ

وهذي الجراحْ

تثورُ

وهذي الجراحُ تعي

وهذي الشموس لها العنفوان

تحزّم بالأضلعِ

وماذا؟

أأعظم من أن يكون

نسيمُ الجنان دمَ الجُوَّع ؟

………

ولولا جموحك يا وطني

ولولا جموحك لم يبقَ إلّا صدى الأغنياتْ

وحلمٌ.. رفاتْ

وصبرٌ جنى الصبحُ منه دموعاً

من الغيظ تَسقي سعير الفراتْ

وهل يثمرُ الصبرُ إلا أشعّةَ فجرٍ؟

يُظلُّ الردى بالسّباتْ

وهل كفكَفَ الدّمعَ حبٌّ جديدٌ من الذكرياتْ ؟

وهل يستقيمُ الزمانُ بغير المماتْ؟

وهل تملكُ النارُ غيرَ الرماد خيولاً؟

وغير لظاها.. يسحُّ دماً

في هجير الضلوعْ

فتحتَ اشتجار المنايا تغنّت سيوفٌ

وثارت جموعٌ بعينَي يسوعْ

وكان الطلوعْ

رجالاً من الجدب يروون بحراً

من الصحو يسقون ليْل المُدامْ

فليلُ التعفّف صمتٌ بليغٌ

وجوعُ تحجّر هذا الصيامْ

وكيف تلوذُ الصحارى بغيمٍ؟

وكيف تناجي الطلول القَتامْ؟

ننادي…

وهل يستجيبُ الغمامُ لحمّى الدماءِ؟

وهل يستدرجُ الصابرات لقوس الظلامْ؟

يقوم التراب لنزف النخيل

وتعنو الجبال لهذا القيام

………..

ولي وطنٌ أشتهي أن أموت على كتفَيهِ

وأغدو غديراً من الصبر يجري إليهِ

فيا صبرُ بشّرْ سماءك واجْنِ اتقاد الأملْ

وخلِّ الظلال على بهجةِ النخل

ترقصُ صبحاً يفلُّ الأزلْ

فنحنُ اقتربنا من الفجر

يا شمس صُبّي

على القحط عصفاً من الغيثِ.. كوني المُقَلْ

ويا صبُر أنت هوانا

وعشِقُ الينابيع أنت

فهذي البلاد تُحصّنُ بالصحو سَكْرَتَها

وتقيمُ على فجرها السومريّ احتفالَ العصورْ

تُريق الهُدى في القدورْ

تباهي النجوم العذارى

وتسقي التراتيلَ من دمعها بالصلاة

ولا تقبس الضوءَ منها بغير النذورْ

 

الحفر على مسلة عراقية

مِن مَفرِقَيكْ
من أول  التكوينِ، قوس الأرض
كنتَ منارَها  ونشيدها
فيض السحاب براحتَيكْ
صغتَ النجوم قلائداً
وزرعتَ  أعراف السماء برافديك
وفي بنيك من الرعاة
ولكي تغيظ  الحاسدين من الغزاةْ
شيّدت صرح حضارةٍ
وقبست أحلام البُناةْ
لا شيء يمنع لهفةً تصبو إلى مطرٍ
ولا نارٌ تحدُّ من الحياة
…..
يا كم عرفتك في انكسارك وانتصارك
أو في سموّك واحتضارك
وكُلَّما أسْبرتُ عمقكَ
أشرقتْ في الظل  صورتك البهيةْ
وغسّلتني  دمعتان  من بكاء الأبجديةْ
من الضياع المستمرّ
من الوداع بلا رحيل
ينتقي وطناً تَناوشُه الغزاة البربرية
من  وردةٍ تتلو  عليكَ رحيقها
وشميمها شوق الهوية للهويةْ

…..
و تغوّرت  اسطورةٌ شعواء
تنسخها الأرومة في الديار
الروح في الأنوار تصعدُ
ثم تصعدُ بعدها  النار المقدسةُ
التي قد كان  يغسلها النهارْ

عيناي غائرتان من حلك التأمل في  الحوارْ
والموت إرثٌ دائمٌ ، مَنْ ذا سيمنحك اختيارْ؟
…..
لكأنَّ عينَ الشمس مثلي
لا ترى الضوء القريب ولا السماء

لا والذي فلق البراءة في الدماء
لم أنسَ  فجر الطالعين من الضياء
النازلين مع الهواء
الزارعين الكبرياء
…..
هم  يُوقدون الروح
في الوطن المكبّل بالطقوس
من الخرافة، ماروى الخبرُ الكذوبْ
فافتح فضاءك  ما استطعتَ إليهمُ
وارسم  طريقاً حالماً
فلعلهم ضلَّوا الطريق إليك
في  شرر الخطوبْ
قمرٌ  أعادَ بهاءه
الأشجارُ حانيةٌ عليك
فلِمَ التوجس ؟
والحنينُ بمائه حتماً ستغتسلُ الذنوبْ
فلتحتطب نخل انكسار  الحلم…
لن تجِدَ الذي  قد كنت تحملُهُ على قلقٍ
ويحملهُ الظلام عِصابةً تشقى بما تلدْ الحروبْ
زمنٌ  لعوب
فلكلِّ غاشيةٍ سرائرُ تختفي فيها الثقوبْ
…..
تمضي السنون…
لا شمس تبزغ لا نجوم ولا مياه ولا شجرْ
غابٌ من الظلمات
والأوباش يفترسون  صبحَ مروءةٍ
وبكلِّ  نبع صخرةٌ وبكلِّ زاويةٍ حجرْ
ووجوههم سوداً أراها
والخطى  الحيرى هناك تعثّرت بين الحفر
ستظلّ تبحث عن بصيصٍ شاردٍ من نجمةٍ
وانا هنا متشبّثٌ بالظلمتين ..
أكاد أمسك بالقمرْ
ولربّما من حيث لا أدري نزلتُ إلى  سقرْ
……
ليلٌ من الأوباش محض كريهةٍ
يمشي إلى تيهٍ وراء مسلّةٍ تبكي عليهْ
أو قيّدته دون أن يدري
ليرتكب السقوط بساعديهْ
وا خيبةَ التضليل والتجهيل والترحيل
نحو مجرّةٍ في  هجرةٍ منها إليهْ
كم دمعةٍ حرّى تنام بمقلتيهْ
كم مرةٍ سقطت  نجوم الظهر من أبراجها
لتستقرَّ على يديهْ
فاكتب خطابك للظلام
واقرأ على الوطن السلام
وابعدْ خطاك الآن ، لا تقرب
فصوت الحق حتماً ينتصرْ
عالٍ وهذا الصمتُ يبقى  مستعرْ

……
وتجمّعت من كل صوبٍ عصبةٌ
الغولُ والسعلاةُ والعنقاءُ لمّا استوطنوا
واستفرسوا بين المجازر في الدمارِ
لتفرَّ من بين الضلوع حمامةُ الأحلام ظمأى للبراري
كنّا نهدهد صبرنا بجراحنا عطشاً الى أملٍ تصبّر بانتظارِ
ليلٌ طويلٌ غيهبٌ وعيوننا ترنو إلى شبق النهار
والميّتون استيقظوا
واستبدلوا الجثث القديمة  بالجديدة
أخلعوا  أكفانهم وقبورهم
وسياسة الذبح على مر العصور
فهل  تضيق الأرض في هذا الحصارِ؟
في هامة  الوطن  المشظّى
حرزةٌ ورقيَةٌ تحمي اللآلئ في المحار
هم يصنعون طفوفَهم، ودماؤهم
في لوحةٍ منقوشةٍ فوق  الجدارِ

Leave a Reply