الإنسانية

غادة عريم

لوحة كريم وحيد

تعجّبوا من التغير الذي طرأ عليها ولم يتجرأ أحد على سؤالها. بدأت الألسن تلوك القصص والأحاديث من النساء والرجال. يقول أحدهم إنّها أحبت شاباً وهي تقارب الخمسين ويقول آخر: “لعلّها تريد أن تجد زوجاً أغنى من زوجها أو لعلّها تريد زوجاً اشقر من بلاد الغرب”.

فتاة عنيدة تنشد صوت الحياة فقالوا إنّها ضلّت الضلال البعيد. طلبت ورد الصباح من حقل حصيد فأودعوها سجن الوجود. ضحكت الأحلام لها بثغر واسع و عصفت بصدرها الآمال.

فتاة من الشرق جاءت إلى عاصمة الإغراء والرومانسية والجمال والفن على متن طائرة من بلاد النوق ليستقبلها رجل في العقد الخامس. تلك القصص المعادة في الشرق حين يطلب الشرقي من أمه وأخواته البحث عن زوجة بعد أن يكون قد أشبع غرائزه في جوف نساء شقراوات.

تعلمت الطاعة والاستسلام في مجتمع شرقي والآن مطلوب منها أن تفعل الشيء ذاته في مجتمع غربي، وشتّان ما بين الاثنين! يمضي العمر وتمضي هي بإنجاب الاطفال وتربيتهم والقيام بأعمال المنزل، وليلاً تتحول له عاهرة لعوب يفرغ بداخلها ما تبقى من ذكورته.

عشرون عاماً في الغربة… تعلمت اللغة و بقيت تحت ظلّه لا عمل لديها سوى الأولاد والبيت. قررت يوماً أن تخرج إلى المكتبة القريبة من بيتها وبدأت تستعير منها الكتب الرومانسية باحثة عن أميرها المفقود في الروايات…صارت قراءة الروايات والقصص شغلها الشاغل. بقيت على هذا الروتين الأسبوعي حتى قابلته بينما كانت تنتظر مسؤولة المكتبة لتعيد كتباً وتستعير غيرها. قال لها: “لقد قرأت هذا الكتاب خمس مرات.” دهشت وردّت: “(آنا كرنينا) كتاب يستحق ذلك فعلاً”. وكانت المرة الأولى التي تكلم بها رجلاً غريباً… كلمة واحدة و سكتت. طال انتظارهما الموظفة المسؤولة فقال لها: “ما رأيك أن نلتقي بعد قراءة كل كتاب لنتناقش فيه؟” اعتذرت بأنها مشغولة. فكّرت بالتراجع لكنها لم تستطع. عادت إلى البيت وكان زوجها ينتظرها غاضباً. سألها: “أين كنت؟” حلفت له أنّها كانت في المكتبة لكنه وبّخها كأنّها طفلة صغيرة.

بداخلها بركان يغلي؛ إنّها ترفض هذا الواقع الذي تعيشه. التناقض الذي بدأت تشعر به وهي تقارن بين ما عاشته في الشرق أو مع زوجها لا يتناسب مع الحياة الجديدة بعد أن بدأت تقرأ وتطّلع على ما يحدث حولها. صراع الأفكار الذي في رأسها يتحول إلى لهيب جمرة تحرقها. فكّرت جدّيّاً بالذهاب لمقابلة رجل المكتبة. ازداد عدد مرات ذهابها الى المكتبة على أمل لقائه… كأنّه ملح وذاب.

في الأسبوع الثالث رأته أمامها فاتجهت نحوه تسأله إن كان العرض لا يزال قائماً فقد قرأت عدداً لا بأس به من الكتب. قال لها: “على الرحب والسعة”. بدأت لقاءاتهما الممتعة…حديث لا تملّه. أخذت تجمع المعلومات لتثبت لنفسها أنها تستطيع ذلك. كانت تسهر الليالي تجمع المعلومات حول الكتب التي قرأتها وتذهب في اليوم التالي تناقشه وتطرح عليه الأسئلة.

تناقُض شخصيتها في البيت والمكتبة يشبه الشيزوفرينيا. تقارن بين زوجها والرجل الغربي وكم يحترمها ويسمعها بينما يعاملها زوجها كأنّها قطعة أثاث في البيت أو أي جهاز مفيد. تتساءل مع نفسها: “هل كان بالإمكان أن ألتقي رجلاً غريباً لو كنت في بلدي؟ لكان أبي ذبحني في اليوم ذاته.” “أنا الان حرّة”- كانت تقول لنفسها- “لا أحد يستطيع الإساءة لي. لقد قرأت هذا في القانون”. كانت تكتب أفكارها وتوقّع باسم (آنا كرنينا). تعلّقت برجل المكتبة ووجدت فيه الخلاص لكنها ما زالت متعلّقة بجذورها الشرقية، ومجرد إخفائها أمر لقائها مع الرجل عن زوجها كان جرماً كبيراً بنظرها. علاقتها بالرجل بدأت تتطور، يحدّثها عن حياته الخاصة وتحدثه عن أفكارها وحياتها، حتى أنّه عرّفها إلى صديقته في يوم من الأيام.

وبدأت الأفكار تكبر برأسها، وخلال سنتين وجدت نفسها وحيدة في المنزل مع الرجل الذي تزوجته بعد أن وجد كل من أولادها طريقه في الحياة. تجرّأت وطلبت الطلاق منه فكان وقع الطلب عليه كمن سكب عليه الجليد، تجمّد في مكانه وبدأ ينعتها باحتقار بكل ما استطاع. اتصل بأهلها وإخوتها فساندوها لأنّهم شعروا بأن شخصيتها تحسّنت وأنّه هو من حاول استصغارها. ولكنها كانت مصرّة فقد ذهبت إلى دار البلدية وطلبت المساعدة وتمّ لها ما أرادت.

ما بين الشرق والغرب نقطة تسمى الإنسانية لو تمسّكنا بها لأصبحت المجتمعات متكاملة تزهو بتوافق الافكار وتقبّلها. الإنسانية من الأنس وهي أن يأنس الرجل بزوجته وتأنس المرأة بزوجها، كما أنس رجل المكتبة بها وسمع أفكارها فشجّعها ذلك على الاطلاع والقراءة. الفروقات كلها تذوب ما بين الشرق والغرب عند تلك النقطة مهما تباعدت الاتجاهات.

Leave a Reply