الفراشة الزرقاء

فريال الأعظميّ

الفراشات كلّها بألوانها وأشكالها تحوم حول زهور الأرض ويكفيها ما تتلقّاه من رحيق الزهور إلّا صاحبة الإحساس الدافئ والقلب الواسع. مؤخّراً ما عادت زهور الأرض تتسع لرفيف جناحي فراشتنا الزرقاء ” لين” فرحلت تبحث لها عن مساحة أكبر تكون على حجم قلبها ومشاعرها واختارت حدائق الفردوس وبساتين الجنة لتنثر على مد السماء كحل جناحيها وتبني لروحها عشّاً تنام فيه بسلام أبدي.
لم تخبرني اأنّها ستسافر إلى السماء على حين غفلة مني، تركتني منشغلة في رسمها كفراشة زرقاء تكون على جدار كبير كحجم قلبها، تحفة في عيد ميلادها. لم أكن أعلم أنها كانت ترغب في أن تحتفل بميلادها القادم هناك في فناء السماء، واليوم صارت هذه التحفة تؤلمني وتجلد إحساسي، كلما نظرت إليها أبكي حين اصطدم بجدار الواقع وأعرف أنها سافرت بعيداً عني وعن الأرض كلها. كيف أنجو من ذكرياتي الكثيرة معها؟ كيف أقنع نفسي بأني لم أعد قادرة على ضّمها إلى صدري وسماع موسيقى صوتها وهو يدور مثل إسطوانة في مسامعي؟ كيف أعتاد وأعوّد روحي أنّ الفراشة الزرقاء طارت بروحها وتركت لنا شريطاً طويلاً من الذكريات وأنّ الأرض باتت خاوية خالية من “لين”؟
عرفتها منذ سنين طوال وتعرّفتها عن قرب، وكلما اقتربت منها أكثر تلمّست فيها طباعاً لا يحملها البشر. طباعها أشبه ما تكون بطباع الملائكة، ضحكتها الصاخبة التي تملأ المكان فرحاً وغبطة، سخاءها المذهل وبيتها وبيت قلبها المفتوحين للجميع.


على مدار الأعوام كلها، في كل معرض أقيمه تأتي كفراشة تحوم حول ألواني تنثر عطر حضورها المبهج وكلماتها التي تنحفر مثل نقش فرعوني أو أغريقي في مسامع الحضور، تختار ما يليق بها من ألوان وتمضي تاركة وراءها سحابات حب ونور لا ينطفئ ولا يغيب. بعفويتها الساحرة تسلب الألباب والقلوب، حبها الكبير مساعدة الجميع يأسرك، ذاكرتها التي لا تسهو ولا تنسى أي شيء أو كلمة أو موعد قطعته على نفسها كل ذلك يجعلك تقف مذهولاً مندهشاً تتفقد الجميع وتطمئن على أحوال الجميع، تهاتف الأحبة في كل مناسبة وترسل وفود كرمها لكل الأحبة. حين أتكلم عن سلطانة القلوب والفراشة الزرقاء فأنا أتكلم بلسان كل من عرفها واقترب منها ولو لثوانٍ أو لحظات، تفعل الخير وكأنها مرسلة إلى الأرض لتلك المهمة، “لين” رسول المحبة وسفير السلام الحقيقي الذي يفتقده الكثير من الناس، يليق بها أن تكون سفيرة النوايا الطيبة للسماء ويليق بها أن تتوج بأوسمة الإنسانية الغامرة، تحب الإنسان بالمطلق لا يعنيها دينه ولا مذهبه. كل ما يعنيها هو أنه إنسان ويستحق المحبة والاحترام، تحمل هموم الناس صغيرهم وكبيرهم، تعامل الجميع على أنها الأم لهم. فكم من العيون بكت رحيلك يا سلطانة القلوب وكم من قلوب خلّفتها من بعدك يتيمة وحزينة تبحث عنك في كل زاوية كنت فيها!


حين ألتقي بك هناك في السماء سوف أعاتبك بمرارة وحرقة وأقول لك: كيف رحلت عني هكذا فجأة؟ لمَ لم تتركي لي مساحة من الدقائق كي أضمك واحتضنك قبل الرحيل؟ تركت الجميع يتلفت وينظر هنا وهناك يفتش عنك فلا أحد صدّق أو يصدّق رحيلك.
أيتها الفراشة البهية، أيتها السحابة البيضاء، لقد حفرت حضورك الآسر في مسامات الذاكرة ونسيانك مستحيل ومستحيل ومستحيل، ستظلين تتوسطين القلوب ملكة، وتظلين حاضرة لا يهزمك لا الغياب ولا الموت ولا النسيان.
أزفّ لك من هنا -من الأرض اليتيمة والحزينة من بعدك- مواكب من الأمنيات والدعاء النابع من القلب بأن تكون روحك في سلام دائم سرمدي وفراشة تحوم في رياض الجنة رشيقة كما كنت هنا على الأرض فراشة القلوب الزرقاء…

1 Comment

Leave a Reply to Nicholas August Cancel reply