بغداد

كوكب البدري

اللوحة لعلي آل تاجر

بغداد التي غادرتُها؛ لاتشبه بغداد التي عرفتُها قبل ألف عام؛

فبغداد التي عرفتها أحاطتني بنخلتين وخلّدتني بين ضفتي قصيدة،

وبغداد التي غادرتُها؛ شرّدتني بين دمعتين؛ دمعة الاغتراب في لغتي، ودمعة تزرعها الجسور الغارقة في نكبة أبدعها الغزاة.

بغداد التي عرفتُها؛ ينبثقُ عطرُ الرّازقي من حدائقها، تخضرّ بها أحلام الصّيف، ترتدي سماؤها حُلةً من النّجوم، تغفو شمسُها على وسادة مدللة، يرتكب العشبُ فيها فصولا من الانتظار بلا ملل.

وبغداد التي غادرتُها معبأة السّماء بأوُل أوكسيد الضّغينة،

يرتجف الحمام خوفًا على قباب مساجدها،

ترتبك الشّمس عند طلوعها خشية الفقدان، وتعتري القمر صفرة النّدم على ألف عام من العدوان.

بغداد التي عرفتها قبل ألف عام قبّلتني مواجعها،

منحتني عهدًا أن لاأطوف بين ثنيّات الأيام وحيدة، وهاهي بغداد التي غادرتها، حمّلتني طعنة في خاصرة كلماتي، وذرتني أنادم أدوار المقامات بكمنجة مسكونة بالصّمت.

بغداد التي غادرتها قارعت المغول زحفًا بعد زحف، وماسقطت الا بسيف الخيانة.

وبغداد التي غادرتها مشرعة الأبواب للسماسرة، تأكل ثيابها نيران الويلات والنّكبات، ينهشها طاعون الفقر، فتمضغني رحاها، ويصلبني صداها.

Leave a Reply